كوميونة باريس.. اللحظة الهمجية للمثقفين

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

في 1871 اندلعت أول ثورة اشتراكية في العصر الحديث، كان قوامها عمال فرنسا الحالمين بواقع تتنزل فيه “الحرية والإخاء والمساواة”، الشعار الملهم لثورة 1789 الذي لم يتجاوز نصيب الفرنسيين منه بعد مرور 100 عام تقريبًا عتبة الحلم، فحاولوا تخطيها من خلال الحراك المعروف بـ”كوميونة باريس”.

قبل الثورة بعام، قرر الإمبراطور نابليون الثالث مهاجمة بروسيا (ألمانيا) رغم ممانعة الرأي العام ورفض الحركة العمالية النشطة، وانتهت الحرب سريعًا بهزيمة بونابرت وأسره في 2 سبتمبر/أيلول 1870.

تشكلت على أثر الهزيمة حكومة برجوازية (من كبار موظفي الدولة وكبار الملاك) وأعلنت الجمهورية في 4 سبتمبر/أيلول، غير أن النظام الوليد فوجئ بتوغل القوات البروسية في الأراضي الفرنسية انتقامًا من العدوان.

كان أمام الحكومة خياران، الأول تسليح سكان باريس وغالبيتهم من العمال وصغار الموظفين، والثاني الاستسلام للقوات البروسية وعقد صلح معها، فكان الخيار الثاني خشية حسم الصراع على السلطة لصالح جموع العمال المتحفزة والمنظمة تحت اسم “الحرس الوطني”.

وقعت الحكومة البرجوازية معاهدة استسلام أبرمها المستشار الألماني بسمارك في 28 يناير/كانون الثاني 1871، والتي قضت بتخلي فرنسا عن إقليمي اللورين والألزاس ودفع غرامة 5000 مليون فرانك.

هرب بعدها البرجوازيون إلى فرساي خوفًا من غضبة الجماهير.

في الوقت ذاته، حاولت الحكومة الهاربة قمع الحركة العمالية الرافضة للمعاهدة، فأعدموا أبرز قياداتها، لويس بلانكي، وعطلوا صحف المعارضة، وحتى تكتمل سيطرتهم اتجهوا لنزع سلاح “الحرس الوطني”. وردًّا على المحاولة اقتحم العمال بلدية باريس وأعلنوا إسقاط النظام وتسلم السلطة.

العديد من أعضاء اللجنة المركزية التي تولت قيادة الكوميونة كانوا واقعين تحت تأثير رابطة العمال الأممية في لندن والفرع الفرنسي لها. من جانب آخر طُبعت توجهاتهم بأفكار السياسي والفيلسوف الاشتراكي بيير بوردون، الرافضة للصراع الطبقي والقائلة بالملكية الخاصة الصغيرة، وكان من أوائل قرارات الكوميونة، إلغاء الأحكام العرفية وحل المجالس العسكرية وإعلان موعد للانتخابات.

في ما يتعلق بالجانب بالاقتصادي، أسقطوا مديونيات الفلاحين وناقشوا تمليك الأرض لمزارعيها والمصانع لعمالها، مؤكدين الطابع الديمقراطي للثورة. تكونت اللجنة المركزية أو الكوميونة من أكثر من 80 عضوًا، منهم 12 من غير الفرنسيين، لكن غالبهم عاش مغمورًا، فلم يُعرف من أسمائهم إلا 23.. المفاجأة أن من بينهم مصريًّا يدعى أنيس البيطار، موظف بإحدى المكتبات العامة، ولا توجد معلومة أخرى عنه حتى في المصادر الفرنسية. وعمومًا، المعلومات عن غالبية قادة الكوميونة شحيحة.

دامت الثورة 72 يومًا، خلال هذه المدة هبَّ بسمارك لإنقاذ حكومة “الدفاع الوطني” التي عقد الصلح معها، ففاوض أعضاءها على تأجيل دفع الغرامة، وحرر 100 ألف أسير فرنسي انضموا إلى جيش فرساي، ليكلف بمهمة وحيدة: القضاء على حراك العمال.

المشهد التالي مجزرة هي الأكثر شناعة في تاريخ فرنسا؛ قُتل ما يزيد على 20 ألفًا من سكان باريس، ولم يُستثنَ النساء والأطفال، لتستمر الإعدامات ليل نهار على مدار أسبوع كامل. وفي أجواء الرعب والفوضى التي تمتْرس فيها كلٌ وراء طبقته، كان هناك مشهد آخر يستحق التوقف عنده، وهو موقف النخبة الفرنسية.

الشاعر الكبير تيوفيل جوتِه حرّض بعنف على الحراك العمالي:

“البهائم كريهة الرائحة، بصرخاتها المتوحشة تهاجمنا”!

وللمفارقة فهو صاحب المقولة الشهيرة المعبرة عن مذهبه الأدبي: “على الشاعر أن يرى الإنسانية وأن يفكر فيها من خلال نظرته الخاصة، دون أي مصلحة اجتماعية أو مذهبية”!

في حين دعا الروائي الشهير جوستاف فلوبير، صاحب “مدام بوفاري”، إلى عدم التعامل برحمة مع “الكلاب المسعورة”.

أما الأديب والناقد الحاصل على جائزة نوبل، أناتول فرانس، فقد كتب مهللاً للمجزرة: “الكومنيون شرذمة من الصعاليك.. أخيرًا ها هي حكومة الإجرام والديمقراطية تتعفن أمام فصائل الإعدام”.

وأبدى الروائي إميل زولا ارتياحه قائلاً: “بعد ما حدث، ستهدأ حماسة الباريسيين، وسيتعاظم البهاء والجمال”.

في تفسير هذه الحالة الهستيرية التي تثير مشاعر مختلطة من الصدمة والحيرة، لكون العبارات المشحونة بالعنف والهمجية واللا إنسانية صادرة لا عن عامة الناس بل عن نخبة فرنسا، الأسماء الأهم بعالم الأدب في هذا العصر، قدم جوستاف لوبون نظريته الشهيرة عن “الجمهور النفسي”، وهي حالة تظهر في لحظات الفوضى أو بفعل انفعالات عنيفة أو تحت تأثير حدث قومي عظيم، وفيها يستوي الجميع، المثقف والعامي، صاحب الذكاء المرتفع ومحدود الذكاء، في التفكير وفق نمط جمعي لا شعوري، لتطلق سراح كل النزعات المكبوتة والرغبات المحرّمة.

في هذه الحياة اللا واعية فإن “البشر الأكثر عظمة وتفوقًا لا يتجاوزون إلا نادرًا مستوى الناس العاديين” وهو ما يقره عالم النفس دونكان مكدوجال، فيوضح أنه في تلك الحالة الاستثنائية تشد العقول المتدنية الذكاء تلك العقول المتفوقة إلى مستواها. ويحدد ماكدوجال ملامح لـ”الجمهور النفسي” فيصفه بأنه “قابل للإثارة والتهييج العصبي، مشبوب العاطفة، متقلب، لا منطقي، لا تؤثر فيه سوى الأهواء الفجة والعواطف البسيطة، سطحي في تفكيره، عنيف في أحكامه، ليس عنده وعي لذاته أو احترام لها، وقابل لأن يجمح به حس القوة إلى ارتكاب كل المساوئ التي لا يمكن توقع صدورها إلا عن قوة المستبد”.

تحت سلطان هذه الحالة، حالة الجمهور، لا فارق بين عامّي ومثقف من كبار المثقفين مثل الأسماء المذكورة، ولا يشترط الحضور المتزامن، فيمكن للآلاف متفرقين أن يكتسبوا صفة “الجمهور النفسي” بتحريض من تلك الفوضى العارمة.

قد نحتاج إلى مثل هذا التفسير العلمي لتجاوز مشاعر الصدمة والحيرة من سلوك النخبة الباريسية، رموز الحداثة. لكن في عالم آخر، لا يتطلب الأمر هذه العلمية لتحليل مسلك مشابه، حيث نتعاطى معه كأنه من طبائع الأمور.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram