كيف أثر الارتجال على مسيرة أبطال

"مسرح مصر"؟

في أحد عروض “مسرح مصر”، وتحديدًا قبل عامين من الآن، وقف الممثل الشاب “علي ربيع”، في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنّه مكتوب ضمن سياق مُتفق عليه، ثم صرخ مناديًّا زميله “محمد أنور”، الذي يجسد شخصيّةً أخرى، ويدور بينهما الحوار التالي:

ــ يا عم “سُمعة” تعالى شوف المرضى النفسين والنبي يا عم.

ــ مبدئيًّا أنتَ اللي اسمك “سُمعة”، وأنا اسمي هيما، أحفظ حاجة لوجه الله.

ــ هتفرق يعني؟ يعني لو أنا اسمي “هيما”، وأنت اسمك “سُمعة” هتفرق في الدراما حاجة؟ هو إحنا بنعمل “ليالي الحلميّة” هنا؟ ما هو أي كُفتة في أي بتنجان!

يضِج الجمهور بالضحك والتصفيق، ومعه كلا الممثلين المرافقين لـ”علي ربيع” على الخشبة، وقتها لم يعتبر أحد ما فعله “علي ربيع” في ذلك المشهد إهانةً للعمل الذي يُقدمه، وتم تضمينه في الإطار المحدد الذي انتهجه صناع “مسرح مصر” على مدار السنوات الـ7 التي عرفناهم فيها، لدرجة أنّ أي محاولة للبحث على “جوجل” يُكتب فيها اسم أي من أبطال العروض مشفوعًا بحرف الياء، ستجد التنبؤ الإلكتروني يُكمل لك الباقي بجملة “يخرج عن النص”.

طوال 7 سنوات ظلّ صناع “مسرح مصر” يؤكدون أنّ الهدف من عروضهم التي وصلت لـ120 عرضًا، هو الضحك وفقط، وأي محاولة لانتقادهم ما هي إلا عدم وعي بالهدف الأسمى لتلك العروض، وهو عودة المسرح بعد غياب نحو 15 عامًا.

تلك الانتقادات جاءت من قِبل أسماء لامعة في تاريخ المسرح المصري، بدايةً من “محمد صبحي”، مرورًا بـ”سميرة محسن”، و”سميحة أيوب”، و”نبيل الحلفاوي”، انتهاءً بالمخرج “جلال الشرقاوي”؛ إلا أنّ “أشرف عبدالباقي” لم يدَع تلك الاتهامات تمر دون ردٍ كما جاء في حوارٍ له مع الإعلامي “وائل الإبراشي”؛ حيث أكّد أنّ الارتجال والخروج عن النص، ليس بِدعة ابتدعها هو ورفاقه في “مسرح مصر”، مشيرًا إلى أنّ “الشرقاوي” نفسه أخرج مسرحية “مدرسة المشاغبين” مع قدر كبير من الارتجال، بحسب تعبيره.

لا نص في "مسرح مصر" حتى يخرجوا عليه

يتخلل الارتجال والخروج على النص العديد من الأعمال المسرحيّة الكلاسيكيّة بقدرٍ ما، ولعلّ أبرز مثال لذلك ما فعلته الفنانة “سهير البابلي” في مسرحية “ريا وسكينة” المعروضة عام 1982، في مشهدها مع الفنان “أحمد بدير”، حين أقسمت أنّ انهماكه في الأكل “مش تمثيل وبحق وحقيقي، المخرج قال لقمتين وتتكلم”؛ إلا أنّ المعيار في تحديد إمكانية التسامح مع هذا الارتجال يتعلق بسؤال هل هو ارتجال عابر واعتراضي على نص مكتوب أم أساس في العرض؟

الناقدة الفنية “ماجدة موريس” تقول لـ”ذات مصر”: “بالتأكيد يُحسب لـ”مسرح مصر” أنّه أعاد الجمهور لمشاهدة ما يُعرض على خشبة المسرح بعد غياب؛ لكن يظلّ ضعف المحتوى هو الآفة التي ظلّت تلاحقه، أمّا بالنسبة لما يفعله أبطال “مسرح مصر”، فهو استظراف لفظي، وليس ارتجالًا نابعًا من كوميديا الموقف، الذي يجعل من الخروج عن النص مقبولًا”.

وتشير “موريس” إلى أنّ الفارق الجلي بين مسرح “أشرف عبدالباقي”، ومسرح “محمد صبحي” على سبيل المثال، هو يقين الأخير بأنّ لديه نص جيد، مكتوب بحرفية، وليس به أي إسفاف، أو اعتماد على إفيهات مسروقة من السوشيال ميديا، أو حتى التنمر على الممثلين في العرض، سواء من بدانتهم أو من لون بشرتهم، وهو ما يحدث بشكل مُنفّر في “مسرح مصر”.

لعنة "الإسكتش" تلاحق أبطال "مسرح مصر" في الدراما والسينما

كعادة أي تجربة مسرحيّة بعد انتهائها يخرج أبطالها يتلمسون طريقهم في السينما والتليفزيون، وهنا يأتي الاختبار الحقيقي؛ فمسرح التليفزيون في خمسينيات القرن الماضي، أفرز “فؤاد المهندس”، و”محمد عوض”، ومن بعده مسرح “الفنانين المتحدين” لمؤسسه “سمير خفاجي”، أسهم في صقل موهبة “سعيد صالح”، و”عادل إمام”، و”أحمد زكي” وغيرهم، وجميعهم شق طريقه نحو نجوميّة متفردة تليق بموهبة وثقافة كلٍ منهم.

أبطال مسرح مصر

وفي العقدين الأخيرين أفرز مركز الإبداع لـ”خالد جلال” العديد من المواهب، أبرزها المشاركون في العرض المسرحي الشهير “قهوة سادة”: “محمد فراج”، و”محمد سلام”، و”محمد فهيم”، و”هشام إسماعيل”، والذين انطلقوا جميعًا نحو السينما والدراما التليفزيونيّة، وحققوا نجاحات بالغة، رغم قلة مساحة الأدوار التي يقدمونها، وعلى المستويين النقدي والجماهيري، مشهود لهم بالجودة والتميز.

عام 2016، أراد المنتج “محمد السبكي” أنّ يستثمر ذلك النجاح الجماهيري الذي حققه شباب “مسرح مصر”، فأنتج لمجموعة كبيرة منهم فيلم “أوشن 14″، وحشد به كل عوامل خلطته الرابحة: راقصة أجنبيّة “آلا كوشنير”، ومطرب شعبي “أحمد شيبة”، وأغنية تصدر بمفردها على قنوات الأغاني “آه لو لعبت يا زهر” كدعاية للفيلم، والتي ما زالت حتى الآن تحقق مشاهدات مرتفعة على موقع “يوتيوب” حتى بلغت 305 ملايين مشاهدة، في حين لا يذكر كثيرون اسم الفيلم الذي عُرضت فيه.

تدريجيًّا انطلق أبطال “مسرح مصر” في المشاركة بأعمال كثيرة في السينما والتليفزيون، بدأت بأدوار ثانويّة، وانتهت بالبطولة لعدد منهم، أبرزهم “مصطفى خاطر”، و”علي ربيع”، و”حمدي الميرغني”، و”محمد أسامة” المعروف بـ”أوس أوس”.

وعن تلك التجارب تقول الناقدة الفنيّة “علا الشافعي” لـ”ذات مصر”: “إنّ السؤال الواجب على أي فنان أنّ يطرحه على نفسه: هل أستطيع أنّ أقوم ببطولة عمل درامي أو سينمائي بمفردي عقب 6 أو 7 تجارب مسرحيّة؟ والأهم، ما هي مقومات ذلك؟”

وتضيف “علا” “أزمة أبطال عروض مسرح مصر، أنّهم حرقوا مراحل مهمة جدًا كان يتوجب عليهم المرور بها، وأهمها النضج الفني، ومن ثمّ كان طبيعيًّا أنّ ينجرفوا خلف الإغراءات التي قُدمت إليهم من قِبل المنتجين، كلهم لم يصدقوا أنفسهم حين عُرضت عليهم البطولة في هذه السن الصغيرة، وفي مستهلِّ تجربتهم الفنية، فكان كل همهم جني الأموال السريعة والشهرة المبكرة”.

الناقدة الفنية علا الشافعي

“الشافعي” تشير إلى أنّ تجارب الفنانين السابقين، الذين خرجوا من تجارب مسرحيّة حققت رواجًا كبيرًا، مثل “عادل إمام”، و”سعيد صالح”، لم يحرقا كل هذه المراحل؛ حيث تدرجا السلم بخطى وئيدة، من خلال المشاركة بأدوار بسيطة في أعمال متفاوتة، وظلّا لسنوات يعملان على صقل موهبتهما بالعمل مع أكبر قدر من المخرجين والممثلين والكتاب، فكان من الطبيعي أنّ نجدهما في أوج نجاحهما الفني عندما يقدمان أعمالًا من بطولتهما، ويتصدران الأفيش عن جدارة واستحقاق، وتعيش أعمالهما لسنوات.

“علا” تؤكد أنّ العامين الأخيرين كانا كاشفين لمدى قلة النضج لدى أبطال “مسرح مصر” من خلال مشاركاتهم في الدراما التليفزيونية، موضحةً “لا أقول إنّهم يفتقرون إلى الموهبة، بل هناك عدد منهم يملك موهبةً حقيقيّةً، لكن الأزمة هي الميراث الخاطئ للكوميديا، الذي اكتسبوه من تجربة مسرحهم؛ حيث الاعتماد على المفارقات اللفظيّة وليس على النص الكوميدي الجيد”.

“الشافعي” تصف شباب “مسرح مصر” بأنّهم “أقرب إلى الموضة، أو بتعبير العصر الحالي (تريند)، مضيفةً بالتالي يتم استغلالهم من قِبل المُنتجين عبر منحهم أدوار البطولة لجني هامش ربحي معقول، ومن جانبهم يفرح شباب “مسرح مصر” بالأموال الكثيرة في شبابهم، إلى جانب الشهرة، وبين هذا وذاك تضيع قيمة ما يقدمون، أو بالأحرى لا يهتمون بها من الأساس”.

على عكس “علا الشافعي” التي تضع الظروف الموضوعيّة التي يعمل خلالها أبطال “مسرح مصر” موضع اعتبار، يرى الناقد الفني “طارق الشناوي” في حديثه لـ”ذات مصر”، أنّ السبب الحقيقي وراء التجارب الفاشلة لأبطال “مسرح مصر” في السينما والتليفزيون هو قصور الموهبة، وليس ضعفها، بحسب تعبيره، مؤكدًا أنّ أزمتهم الحقيقية أنّهم لم يتحرروا من فكرة الإسكتش، الذي كانوا يقدمونه على المسرح، وهو ما لم تساعدهم فيه السينما، لأنّ الشريط السينمائي لا يسمح بهذا لأسباب عدة، أهمها مدة الفيلم، واعتماده على خط درامي واضح يصعب أنّ يحيد عنه الممثل”.

النص طوق نجاة أبطال "مسرح مصر"

في الماراثون الرمضاني المنصرم، حظي مسلسل بـ”100 وش”، بإشادات بالغة على المستويين النقدي والجماهيري، رغم أنّ بطليه “نيللي كريم” و”آسر ياسين” ليسا محسوبين على الكوميديا، وأرجع العديد من النقاد السبب في ذلك إلى جودة النص الذي كتبه “أحمد وائل”، و”عمرو الدالي”، وسيطرة المخرجة “كاملة أبو ذكري” على أبطالها، والحدِّ من الانهماك في الارتجال، والاعتماد على الكوميديا الموجودة في السيناريو.

في المقابل سقطت الأعمال المعروف عن أصحابها أنّهم “كوميديانات”، مثل “رجالة البيت” لـ”أكرم حسني”، و”أحمد فهمي”، و”عمر ودياب” لـ”علي ربيع”، و”مصطفى خاطر”، لدرجة جعلت الفنان “بيومي فؤاد”، أحد أبطال العمل الأول يُعلن اعتذاره عما سماه “تُقل الدم” فيما قدموه، واعدًا الجمهور بعدم تكرار تجارب تعتمد على الارتجاليّة.

بموازاة ذلك، كانت هناك تجربة لم تجد حظها من المشاهدة رغم اتسامها بكثير من الجودة بشهادة عدد من النقاد، وهي مسلسل “اتنين في الصندوق” لـ”حمدي الميرغني”، و”محمد أسامة” “أوس أوس”، الخارجين من عباءة “مسرح مصر”، وهو ما أقرّت به الناقدة الفنيّة “علا الشافعي” في حديثها لـ”ذات مصر”، مشيرةً إلى أنّ العمل به “قصة مُحكمة نوعًا ما، كما التزم بطلاه بالنص المكتوب”.

مسلسل 2 في الصندوق

هذا النجاح يتقاطع مع ما يذهب إليه النقاد الثلاثة: “ماجدة موريس”، و”علا الشافعي”، و”طارق الشناوي” من أنَّ تجربة “مسرح مصر” برغم عيوبها الكثيرة، أخرجت بعض المواهب لو وُظفت بشكل جيد ستحقق معادلة النجاح الجماهيري والفني، وأشار ثلاثتهم إلى أنّ أبرز مثال على ذلك هو “مصطفى خاطر”، الذي قدم تجربة جيدة في مسلسل “هربانة منها” قبل عامين أمام “ياسمين عبدالعزيز”، ومن إخراج “معتز التوني”.

“علا الشافعي” تشير إلى الظاهرة الأم التي أسفرت عن تلك المشكلات المرتبطة بـ”مسرح مصر”، وهي تراجع الثقافة الفنيّة لدى النجم الجماهيري، والذي يعود إلى غياب المُنتج الواعي الذي كانت وظيفته في السابق تبني المواهب الشابة، وصقلها والعمل على إنضاجها قبل طرحها للجمهور، حسب قولها.

وتؤكد “علا” أنّ ما يحدث حاليًّا هو مجاراة لـ”التريند”؛ حيث ينظر المنتج إلى الشاب الذي لديه أكبر عدد من المتابعين، ويقرر إنتاج فيلم سينمائي له، وهو أمر يُسهم في ندرة الأعمال الجيدة، وتحجيم دور المواهب الحقيقية.

“ماجدة موريس” تتفق مع طرح “الشافعي”، مشيرةً إلى أنّ حلّ هذه الأزمة، يكون من خلال الطرفين؛ حيث يعمل الممثل على صقل موهبته بالثقافة من ناحية، في حين يعمل الطرف الآخر، سواء كان الدولة أو العاملون بالحقل الفني على إعداد جيد للممثلين الشباب، قبل عرضهم على الجمهور، وهو ما كان يفعله في السابق المنتجان “رمسيس نجيب”، و”سمير خفاجي”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد الزلباني

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search