ثقافة وفن

كيف أنقذ كورونا إيرادات السينما المصرية؟

في عام كورونا انهارت إيرادات شباك التذاكر السينمائي في مصر، كما في كل العالم، لكن مع هذا يبدو أن صدمة الفيروس قد منحت صناعة السينما المصرية لقاحا مؤلما وضروريا لتفادي مصير أخطر..

سينما بوسط القاهرة

ما الرقم المركزي الذي نعتبره معبراً عن حال شباك تذاكر السينما المصرية في 2020؟

إنه إجمالي إيرادات الأفلام المصرية، الذي توقف عند 141 مليون جنيه، بسبب إجراءات إغلاق دور العرض لمدة 15 أسبوعا فيما بين شهري مارس ويوليو الماضيين، عندما أُعيد فتح دور العرض بربع سعتها، ثم إلى النصف في سبتمبر، وتشكل هذه الإيرادات أقل من ربع ما حققته الأفلام المصرية في العام السابق.

هذا الانهيار لم ينعكس بحذافيره في عدد الأفلام المصرية التي عُرضت في 2020، حيث بلغ عددها 29 فيلما، منها 7 استمر عرضها من 2019، و9 عُرضت خلال أول شهرين من 2020 قبل الإغلاق.

تحت تهديد كورونا، وخلال الخمسة أشهر الأخيرة من العام، عُرض 13 فيلما جديدا، منها 3 أفلام عبر منصات الإنترنت، وهو عدد أفضل من عام 2019، الذي استضاف 9 أفلام خلال نفس الفترة.

ما توضحه هذه المقارنة، هو أنه رغم إغلاق دور العرض، والذي أدى إلى انخفاض كبير في الإيرادات، فقد استوعبت صناعة السينما هذه الصدمة بشكل ما، وعوضت النقص المتوقع في الأفلام المنتجة والمعروضة، بشكل لا يفسره نشاط منصات العرض على الإنترنت وحده، فالأفلام الأجنبية هي الأخرى تقدم صورة أوضح لهذا النوع الغريب وغير المتوقع من التعافي.

الاستعانة بخبير أجنبي

يُظهر هذا الجدول ارتفاع عدد الأفلام الجديدة بنسبة 25% في الفترة السابقة للإغلاق، وزيادة إجمالي إيراداتها بنسبة 41%، ما يعني أن بدايات 2020 شهدت انتعاشا ملحوظا في دور العرض، قبل أن تكبته كورونا بالإغلاق، وهو مسار معاكس لما حدث للأفلام المصرية.

ففي نفس فترة العرض في 2020، جمعت كل الأفلام المصرية 94.4 مليون جنيه، أقل من نفس الفترة في 2019 عندما حصدت الأفلام المصرية 97.5 مليون جنيه. يعني هذا أن الأفلام المصرية كانت قد دخلت بالفعل في انكماش سابق لأزمة فيروس كورونا، بل إن كورونا ربما يكون قد تسبب في طمر معالم هذا الانخفاض الطفيف تحت دراما الإغلاق المفاجئ.

ما يزيد من حدة هذا الانخفاض هو كونه أتى بعد تسونامي إيرادات في 2019 رفع التوقعات بشكل غير مسبوق ودفع المزيد من الوقود في ماكينة الإنتاج لعام 2020، ولهذا يجب العودة إلى قصة صيف 2019 الساخن.

سينما وكورونا

جريمة الصيف الماضي

في 2019 تخطت حصيلة شباك التذاكر المصري (مصري وأجنبي) المليار جنيه لأول مرة في تاريخه، وكان نصيب الأفلام المصرية منها أكثر من 600 مليون جنيه، وهو رقم قياسي آخر تحقق بفضل أفلام العيدين الضخمة، تصدرها “الفيل الأزرق 2″، الذي كان أول فيلم مصري ينجح في كسر حاجز الـ100 مليون جنيه، ثم بعد أسابيع نجح “ولاد رزق 2” في تسجيل نفسه تاليا، وهما مع “كازابلانكا” والممر” أصبحت أعلى 4 أفلام في تاريخ إيرادات السينما كأرقام مطلقة.

يشترك الأربعة أيضا في بذخ وضخامة الإنفاق الإنتاجي، فـ”الممر” تخطت ميزانية إنتاجه 100 مليون جنيه بدعم من وزارة الدفاع لتقديم فيلم حربي بمعايير حديثة باهرة، وقد تم تصوير جزء كبير من فيلم “كازابلانكا” في المغرب، وتضمن الفيلم مشاهد أكشن في البحر، ومن بين أبطاله النجم التركي هاليت إرجنتش، بطل مسلسل “حريم السلطان”، بينما استعان السبكي، منتج فيلم “حملة فرعون”، بالمُلاكم الأمريكي مايك تايسون وكتلة العضلات الآيسلاندية هافبور جوليوس جورنسون المعروف بدوره المزمجر في مسلسل Game of Thrones.

“الفيل الأزرق 2” أضاف علامته الشخصية على توجهات الإنتاج اللاحقة، وبسرعة ظهر توجه جديد ومتصاعد لتقديم نوع أفلام الرعب الذي كان منقرضا خلال السنوات السابقة، وحتى نهاية 2020 عُرض 7 أفلام رعب، كانت ذات إنتاج متسرع ومضغوط، حتى مع وجود النجوم، ولم يحقق أي منها نجاحا ملحوظا، بما فيها فيلمان عُرضا على منصة شاهد (“الحارث” و”خط دم”)، وسيُضاف إلى هذا رقم مماثل من الأفلام لا زالت قيد الإنتاج والتطوير.

كان ثمن ضخامة أفلام 2019 أن دور العرض صارت لا تتسع للجميع، ولهذا تقلص عدد الأفلام المصرية للعام الثاني على التوالي، ومن بين 34 فيلما عُرضت في ذلك العام، هناك 15 فيلما لم يتمكن أي منها من الوصول إلى المليون جنيه.

سينما ميامي

السلسلة الغذائية لدور العرض

قبل جائحة كورونا، سيطر على شباك الإيرادات فيلما “الفلوس” للنجم تامر حسني، و”لص بغداد” لمحمد إمام، واللذان حصدا معا 66.3 مليون جنيه من بين 94.4 مليون حققتها كل الأفلام المصرية خلال أول 12 أسبوعا من العام، قبل الإغلاق.

خلال هذه الفترة في 2020 استقبلت دور العرض 9 أفلام فقط، أقل بفيلمين عن نفس الفترة في 2019، التي تحملت عرض 11 فيلما، كان من بينها فيلمان وثائقيان من نوعية “الآرت هاوس” الفنية: “الحلم البعيد” و”بودي: فرعون السومو”..

يعني هذا أن التوجه في 2020 كان استمرارا في انكماش عدد الأفلام التي تصل إلى دور العرض.

في أسابيع الافتتاح بالمواسم الرئيسية، تحجز شركات التوزيع الكبرى معظم الشاشات لأفلامها الضخمة، وبالتالي تٌُزاح الأفلام الأقل حجما لمساحة هامشية من السوق، إلا إذا توافرت لها ميزات نسبية مثل “بنات ثانوي”، الذي يتمتع منتجه السبكي باتفاق مع “الشركة العربية” لعرض أفلامه، ما أتاح له تحقيق إيرادات افتتاح مريحة بلغت 2.6 مليون جنيه، وبنسبة أقل لفيلمي “يوم وليلة” من توزيع “الإخوة المتحدين”، و”رأس السنة” لـ”دولار فيلم” (شركة توزيع “الفلوس” أيضا).

تنمو دور العرض بنسبة أقل من شهوة الموزعين للمزيد من الشاشات لصالح الأفلام الضخمة خلال مواسم ضيقة، هذا النمو يتركز في ضواحي القاهرة الكبرى، حيث تُعرض هذه الأفلام على شاشات متجاورة في المجمّعات السينمائية بأسعار تذاكر مرتفعة، وهكذا يتواكب العرض والطلب معا لمصلحة الأفلام الضخمة، بينما تنكمش الأفلام الشعبية، وكذلك أفلام الآرت هاوس الفنية، باعتبارها في قاع السلسلة الغذائية بأي حال.

بدأ 2020 على ذات المسار الذي يخنق وصول الأفلام الأقل حجما إلى دور العرض، ووصل الاختناق حتى للأفلام الضخمة بتأجيل فيلم كريم عبد العزيز، “البعض لا يذهب للمأذون مرتين”، لصالح “لص بغداد” الذي انطلق بأكثر من خمسين شاشة، منفردا بموسم عطلة نصف العام الدراسي، ثم وصل بصعوبة إلى 32 مليون جنيه خلال 8 أسابيع كاملة، وهو مع فيلم “الفلوس” يشكلان علامة لـ”كيف أصبحت ضخامة الإنتاج لا تقي من الضعف الفني، ثم انخفاض الإيرادات؟”.

هكذا كانت بداية العام مرتبكة، حتى جاء فيروس كورونا.

عالم كورونا الجديد

عند إعادة افتتاح دور العرض بربع سعتها في موسم عيد الأضحى بنهاية يونيو، أصبح النظام البيئي الجديد لا يتسع للأفلام الضخمة، تأجلت أفلام الأعياد الكبرى، مثل “العارف” لأحمد عز و”العنكبوت” لأحمد السقا، وعوضا عنها تكيفت شركات التوزيع بإطلاق أفلام متوسطة وصغيرة نجحت في تحقيق أرقام دافئة لم تكن حتى لتقترب منها خارج الظروف التي فرضتها “كورونا”، والأفضل من هذا هو ضيق الفوارق بين الأفلام، وتنوعها، وتوازن أنصبة الشركات.

ولتلافي المنافسة غير الضرورية في هذا النظام الجديد الهش، تجنبت شركات التوزيع إطلاق فيلمين في نفس الأسبوع، وأتاحت لكل فيلم فترة أسبوعين للعرض دون تدخل، ورغم نجاح هذا الاتفاق الضمني، فإنه يطرح سؤالا آخر حول ما إذا كانت دورالعرض نصف المفتوحة تتحمل المزيد من الأفلام، وهو ما يمكن ملاحظته في الأفلام الأجنبية.

كل الأفلام الأجنبية التي عُرضت سينمائيا بعد شهر يوليو، كانت قد تسربت في نسخ غير شرعية للتحميل عبر الإنترنت، وأحيانا حدث هذا قبل شهور من العرض السينمائي، لكن الأمر قوبل بحشد جماهيري غير متوقع، مثل فيلم “فين ديزل” “Bloodshot” الذي سجل إيرادات افتتاح 804 آلاف جنيه خلال أيام قليلة قبل الإغلاق في منتصف مارس، ثم استأنف بـ247 ألف جنيه بأسبوعه الثالث خلال أغسطس.

سيناريو شبيه لفيلم “The Invisible Man” الذي بدأ في فبراير واستمر عبر 23 أسبوعا وتصاعدت إيراداته في سبتمبر وتخطى مجموعها 5 ملايين جنيه بشكل غير متوقع، أما فيلم الرعب “Brahms: The Boy II” فقد امتد عرضه لأكثر من 25 أسبوعا.

يشير هذا إلى وجود طلب مستمر وثابت لدرجة ما على العروض السينمائية المفتقدة، لكن قلة الأفلام المتاحة للجمهور، مع عدم تخفيض أسعار التذاكر، يعملان على كبح هذا الطلب.

الأثر الأسوأ لكورونا جاء عالميا وليس محليا، فالأفلام الأجنبية توفر تشغيلا لدور العرض أكثر استدامة من الأفلام المصرية، وخلال 2020 لم تتلق دور العرض المصرية أي عناوين قوية باستثناء “Mulan”، الذي عُرض بالتزامن مع إطلاقه على منصة “ديزني+”.

فيلم كازابلانكا

آمال المنصات الثقيلة

قبل كورونا، كانت علاقة منصات العرض في الإنترنت تقتصر على شراء حقوق عرض الأفلام الحديثة بعد انتهاء عروضها على القنوات التليفزيونية المدفوعة، ثم بعد إغلاق دور العرض وارتفاع الطلب على المنصات، بدأت نتفلكس في استكشاف ما هو أبعد بشراء حقوق عرض أفلام يوسف شاهين من شركة “أفلام مصر العالمية”.

منصة “شاهد”، صاحبة ثاني أكبر نصيب في السوق، ردت بخطوة أكثر جرأة، عبر شراء حقوق عرض “صاحب المقام” من السبكي حصريا، بمعنى أن الفيلم غيّر وجهته نهائيا بحيث لا يصل إلى دور العرض على الإطلاق، وبنفس السيناريو عرضت المنصة فيلم الرعب “الحارث”، بينما كان “خط دم” إنتاجا أصليا من الأساس.

فيما بعد بدأت المنصتان، إضافة إلى منصة “Viu”، في التنقيب عن الأفلام غير الكلاسيكية التي أُنتجت في مطلع الألفية، لكن “شاهد” حفرت عميقا لتصل إلى الأفلام الكلاسيكية وصولاً إلى فيلم “غزل البنات” (1949)، أما منصة “جوّي” التي وصلت في نهاية العام، فقد فضلت نمط شراء أفلام حديثة من إنتاج 2020، أو العرض بعد أسابيع قليلة من إطلاقها السينمائي كما فعلت مع “الصندوق الأسود”، وأسهمت منصة SHOFHA في إنتاج فيلم الرعب “عمّار” قبل عرضه الأول في مهرجان القاهرة ضمن عروض منتصف الليل، مع بناء مكتبة أفلام تضم الأفلام الكلاسيكية والحديثة.

انتهى عام كورونا دون أن تقود المنصات السوق إلى شيء ما جديد، حتى الآن أنتجت كل المنصات فيلما واحدا أصليا هو “خط دم” (شاهد)، وهي الآن منشغلة في بناء مكتبات أفلامها أكثر من إنتاج المزيد من الأفلام المصرية، وهو نفس نمط عمل قنوات التليفزيون، الذي يفيد مالكي حقوق عرض الأفلام أكثر من صناع الأفلام الجديدة، ولا يتعارض هذا مع كون المنصات حاليا هي الطرف الأكثر نشاطا في استكشاف وتطوير السيناريوهات.

إغراء إنتاج أفلام أصلية بالمنصات، يقابله زيادة المعروض من الأفلام بسبب تسابق المنتجين على توفير محتوى مناسب لها يكفل استمرار عجلة الأعمال وتعويض الخسارة في العرض السينمائي، ربما يكون 2020 هو العام الأعلى في حصيلة الأفلام المؤجل عرضها بانتظار فرصة بيع مناسبة، لكن هذا يؤدي تلقائيا إلى تخفيض أسعار الأفلام، وهكذا تستفيد المنصات من الآمال الثقيلة الموضوعة عليها.

محمد حسين

باحث في صناعة السينما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى