رياضةسياسة

كيف تحولت قمصان فرق كرة القدم إلى مانفستو سياسي؟

«سنقاتل من أجل هذا القميص»، «روح الفانلة الحمراء»… عبارات نسمعها تتردد باستمرار في عالم كرة القدم تحمل دلالات خاصة تتجاوز حيز الرياضة، ما يجعلنا نستبعد تمامًا فكرة أن القميص الرياضي مجرد ملابس مميزة يرتديها فريق ما؛ بل يتجاوز بكثير هذا المعنى الشكلي، إلى معانٍ أخرى، سواء باستخدام ألوان معينة، أو إظهار شعارات الفريق التي تنطوي على هويات مميزة. لكن أيضًا كاستخدام سياسي مباشر يتحول معه القميص الرياضي الوديع إلى مانفستو سياسي صارخ.

صراع القرم على قميص منتخب مرة القدم الأوكراني

استدعى المنتخب الأوكراني لكرة القدم الصراع الجيوسياسي بين بلاده وروسيا إلى قميصه المخصص لبطولة «يورو 2020». أظهر القميص خريطة أوكرانيا متضمنة شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في عام 2014، بالإضافة إلى شعارات قومية: «المجد لأوكرانيا، المجد للأبطال» في ظهر القميص.

أشاد رئيس الاتحاد الأوكراني لكرة القدم، أندري بافيلكو، بالزي الجديد، باعتباره رمزًا للوطن الأوكراني الموحد غير القابل للتجزئة، بتعبيره، قائلًا إن القميص «سيلهم اللاعبين للقتال من أجل أوكرانيا بأكملها». ويبدو أن السيد بافيلكو كان محقًّا؛ إذ أدى المنتخب الأوكراني أداءً جيدًا جدًّا في بطولة «يورو 2020»، قبل أن يخرج أمام الإنجليز في الدور ربع النهائي.

وافق الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على القميص الأوكراني بعد تسوية صعبة؛ لكن الروس كانوا غاضبين للغاية، حيث وصف أحد أعضاء مجلس الدوما الروسي، وهو الملاكم السابق نيكولاي فالويف؛ قميص أوكرانيا، بأنه «محاولة غير لائقة لتسييس الرياضة»، لكن هذه المحاولة الأوكرانية «غير اللائقة» ليست الأولى من نوعها على الإطلاق.

وبالحديث عن روسيا نفسها، لا يمكننا أن ننسى نادي فولغا أوليانوفسك الروسي، الذي فاجأ العالم في أبريل 2019، بارتداء أفراد فريقه قميص خاص ظهرت عليه صورة الزعيم السوفيتي فلاديمير لينين، بدلاً من راعي الفريق، وذلك احتفالاً بعيد ميلاد لينين الـ 149. ولينين من مواليد مدينة أوليانوفسك، في 22 أبريل 1870.

منذ الثلاثينيات.. حرب المحور والتحالف على قمصان كرة القدم

ظاهرة استخدام القميص الرياضي لأسباب سياسية ليست حديثة، فخلال بطولة كأس العالم 1938، وفي مباراة إيطاليا ضد فرنسا المضيفة في الدور ربع النهائي، ولأن المنتخبين يلعبان باللون الأزرق نفسه، توجب على الطليان تغيير قميصهم الأساسي الأزرق باعتبارهم الفريق الضيف، لكن بدلًا من اللون الأبيض البديل، قررت الحكومة الفاشية إلزام الفريق بارتداء اللون الأسود الكامل، وبالتالي أصبح المنتخب الإيطالي معادلًا بصريًّا لكتيبة «القمصان السوداء» الذراع العسكرية للحزب الفاشي الإيطالي بقيادة بينيتو موسوليني. ومع فوز إيطاليا بالبطولة، صُوِّر هذا النجاح كتأكيد على التفوق الكاسح لإيطاليا الفاشية.

اقرأ/ي أيضًا: مصالح حيوية ودوافع اقتصادية.. ملامح توجه إيطاليا نحو إفريقيا

وفي البرازيل، وتحديدا في فترة الثمانينيات، سيلعب الأسطورة سقراط وفريقه كورنثيانز، دورًا محوريًّا في مناهضة الحكم العسكري لبلاده. كان سقراط لاعب كرة قدم عبقريًّا، ويُعد أحد أفضل لاعبي الوسط في التاريخ. كان سقراطًا في كرة القدم فعلًا. وبالإضافة إلى ذلك، كان أيضًا طبيبًا ملتزمًا، وناشطًا سياسيًّا بتوجهات يسارية، مرتبطًا بعلاقات صداقة مع عديد من الزعامات الاشتراكية في العالم آنذاك، مثل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو. وبذلك حوَّل سقراط فريقه كورنثيانز إلى «تنظيم سياسي» تقريبًا، وأسس حركة «الديموقراطية الكورنثية» للمطالبة بالتحول الديموقراطي والانتخابات الحرة. ومن ثم كان قميص الفريق خير معبر عن توجهات الحركة وأهدافها، عندما كُتب عليه شعار «ديموقراطية كورنثية” بدلًا من أسماء اللاعبين، في تحدٍّ واضح للنظام العسكري في البرازيل.

وعلى النهج نفسه، سار نادي باهيا، وهو الذي اشتهر بقمصانه السياسية أكثر من نجاحاته الكروية، إذ يستخدم النادي قميص الفريق باعتباره لافتة سياسية للتعبير عن القيم التي يدافع عنها، كتلطيخه بالزيت إشارة إلى خطورة تسرب النفط على البيئة البحرية في البرازيل.

تناقضات إسبانيا على قمصان فرق كرة القدم

وفي بلد يعج بالتناقضات السياسية والنزعات الانفصالية كإسبانيا، يبرز القميص الرياضي أيضًا في استخدامات سياسية، لعل أشهرها ما حدث في 13 سبتمبر 2014، خلال مباراة الدوري الإسباني بين برشلونة وأتلتيك بلباو، في كامب نو، حيث ارتدى برشلونة القميص الثالث -علم كاتالونيا- لأول مرة في تاريخ النادي على أرضه.

ارتدى برشلونة «The Senyera» (اسم العلم الكتالوني) احتفالًا بالذكرى الـ300 لسقوط برشلونة في 11 سبتمبر 1714 على يد قوات بوربون، بقيادة الملك فيليب الخامس أثناء حرب الخلافة الإسبانية.

اقرأ/ي أيضًا: “دم البرغوث”.. كيف يعطي ميسي برشلونة أكثر مما يأخذ؟

ولعب أتلتيك بلباو أيضًا بالزي الاحتياطي الذي يتكون من الألوان الأخضر والأبيض والأحمر، والمستوحاة في حد ذاتها من علم الباسك المعروف باسم إيكورينا. لذا كان القميصان يمثلان بوضوح روح حركة الاستقلال في كاتالونيا ومنطقة الباسك.

الماضي السياسي المعقد لإسبانيا سيلقي بظلاله أيضًا على قميص منتخب لاروخا لبطولة كأس العالم في روسيا 2018، حيث جاءت ألوان القميص مشابهة لألوان علم الجمهورية الإسبانية (1931-1939)، والذي أصبح راية للثوار وحركات التمرد، إبان الحرب الأهلية الإسبانية. ولم يفلح النفي القاطع من الاتحاد الإسباني والشركة المصنعة، في أن يتجاهل الجماهير هذه الصلة البصرية الواضحة.

وفي الأرجنتين

أما الأرجنتين فيتميز قميصها الكلاسيكي بالخطوط الرأسية السماوية المستوحاة من علم البلاد؛ لكن الشركة المصنعة للقمصان قدمت تصميمًا مختلفًا للخطوط السماوية في القميص الخاص ببطولة كوبا أمريكا 2021، يتمثل في نمط التمويه العسكري، الذي لم يكن عشوائيًّا، وإنما يعكس خرائط مقاطعات الأرجنتين الـ23، والتي تزود المنتخب باللاعبين المميزين.

هنا نلاحظ بوضوح الربط بين المفاهيم الوطنية والرياضية، من خلال تصميم قميص المنتخب؛ لكن التصميم المموه يتجاهل تمامًا الماضي المأساوي للأرجنتين إبان حكم الديكتاتورية العسكرية.

ولم يجرأ المنتخب الأرجنتيني على ارتداء مثل هذا الزي العسكري في عز سطوة الديكتاتورية العسكرية، حتى عندما فاز على أرضه ببطولة كأس العالم 1978، ضد المنتخب الهولندي المفتقد لقائده الأسطورة يوهان كرويف، الذي قرر مقاطعة البطولة احتجاجًا على حكم الديكتاتورية العسكرية للأرجنتين.

كذلك لم ينجح العسكريون في تغيير شعار البطولة نفسه، باعتباره تجريدًا لصورة أيقونية للرئيس السابق خوان بيرون، وهو يرفع يديه عاليًا لتحية الجماهير. واعتُمد الشعار بعد ضغوط «الفيفا» ورعاة البطولة، ولم يعلم العسكريون المغزى من قوائم المرمى المتشحة بالسواد في ملاعب المونديال، والتي كانت لفتة رمزية من عمال الملاعب، حدادًا على الضحايا والمفقودين من شعب الأرجنتين. لكن رغم ذلك؛ نجحت الشركة المصنعة في فرض الزي العسكري على المنتخب الأرجنتيني خلال بطولة كوبا أمريكا 2021.

في نشاط بشري متشابك ككرة القدم، لا يمكن إغفال التداخل الشديد بين الرياضة ومؤثرات عديدة أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية. ومن هذا المنظور يصبح القميص الرياضي حيزًا يتجلى فيه التفاعل بين هذه المؤثرات، ما يجعله أكثر بكثير من مجرد ملابس؛ بل يجعله أيضًا مانفستو سياسيًّا وبطاقة هوية مميزة للقيم التي يعبر عنها الفريق، والتي تتجاوز بالتأكيد مفهوم التنافس الرياضي المجرد.

عمر فرحات

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى