دراسات وتحليلات

كيف ترى النسخة المعتدلة من “واشنطن” الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟

هذا النص ترجمة مختصرة لدراسة بعنوان “إسرائيل والفلسطينيون: من حل الدولتين إلى خمس دول فاشلة”، أعدها “أنتوني هـ. كوردسمان”، الحائز على كرسي الأستاذية في الاستراتيجية، والذي عمل كمستشار بشأن أفغانستان في وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكية.

وقد نُشر في 17 مايو 2021، على موقع مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية”، وهو أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية، ويشتهر بعمله مع كبار مسؤولي السياسة الخارجية والخدمات العامة من الكونجرس الأمريكي والسلطة التنفيذية، سواء من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، ويتضمن مجلس الأمناء كثيرا من المسؤولين الحكوميين السابقين رفيعي المستوى.

وتعكس هذه الدراسة -إلى حد كبير- الرؤية الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، في أكثر نسخها اعتدالًا، والتي قد تُلقي أحيانًا باللائمة على إسرائيل في بعض الأزمات، ولكنها -في الأخير- تؤمن بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وأن إصابة المدنيين الفلسطينيين (أو بالأحرى استهدافهم) هي واحدة من ضرورات الحروب، وأن المقاومة الفلسطينية فعل عنيف يُعقِّد أبعاد الصراع، ويجعل السلام بعيد المنال.

بايدن ونتنياهو
بايدن ونتنياهو

وإلى النص الأصلي:

هناك فرق مهم بين التنبؤ والتحذير، فلا يمكن لأحد الآن أن يتوقع كيف ستنتهي الهدنة الحالية بين إسرائيل والفلسطينيين. يُعلّمنا التاريخ جيدًا أنّ أي شكل من أشكال الاتفاق الجديد يمكن أن يصبح مقدمة لأعمال جديدة من العنف والاستقطاب السياسي.

أي إنهاء أو توقف للجولات الأخيرة من العنف الإسرائيلي والفلسطيني يمكن أن يُعيد الدول العربية المجاورة وإيران إلى دعم الفلسطينيين، ويُقسِّم الدول الخارجية حول دعم إسرائيل مقابل دعم فصائل فلسطينية معينة، ويجعل القضية الفلسطينية مصدرًا لمزيد من الانقسامات.

لا أحد يستطيع الآن الاختيار بين التفاؤل والتشاؤم على أساس احتمالات واضحة.. في الوقت نفسه، هناك خطر حقيقي في افتراض أن أي وقف لإطلاق النار أو مفاوضات ستكون حلاً دائمًا للقوى التي حوّلت الأمل في “حل الدولتين” إلى خمسة مجالات رئيسية للتوتر والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أو ما يمكن تسميته “خمس دول فاشلة”.

من حل الدولتين إلى الانفصال والعنف

في الواقع، لا يزال العديد من اليهود الإسرائيليين يؤيدون حل “الدولتين” كنهج للسلام، ويؤيد العديد من الآخرين اتباع نهج أكثر توازنا تجاه الحقوق الفلسطينية وشكلا من أشكال الشراكة أو على الأقل التعايش السلمي مع الفلسطينيين في الداخل. ومع ذلك، يدعم العديد من الإسرائيليين -على الجانب الآخر- فكرة الدولة اليهودية، والتوسع المطرد للسيطرة الإسرائيلية على القدس، وضم أجزاء من الضفة الغربية، والعديد من الفصائل السياسية الإسرائيلية تعارض أي شكل حقيقي للدولة الفلسطينية.

فقد أدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى إلى جهود سلام، وهي اتفاقات أوسلو في عام 1993.. وبدا هذا الاتفاق في البداية كأنه تحرك نحو حل الدولتين، لكن إسرائيل والفلسطينيين لم يتمكنوا من الاتفاق على عاصمة فلسطينية في القدس، ولم يتفقوا على كيفية التعامل مع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، بجانب قضايا أخرى.

أجرت “فتح” انتخابات فلسطينية، كان الهدف منها تقوية الحركة، لكنها انتهت بتقسيم الحركة الفلسطينية إلى كيانين فلسطينيين منفصلين.. فازت حماس في الانتخابات في غزة، وكانت النتيجة النهائية تقسيم الحركة الفلسطينية إلى “دولتين”.. واحدة مع حماس التي تحكم غزة، مما جعل التقدم في جهود السلام أكثر صعوبة، والثانية هي سلطة فلسطينية ضعيفة بشكل خطير، تهيمن عليها فتح.

ثم اندلعت جولة ثالثة من القتال الأكثر عنفًا بين حماس وإسرائيل في عام 2008، مما أسفر عن مقتل 1110 فلسطينيين و13 إسرائيليًا، مما جعل غزة والمنطقة الحدودية في جنوب إسرائيل قريبة من منطقة حرب.. تلا ذلك اندفاعات قصيرة من القتال في 2012 و2014 و2018.

وقد توصلت حماس إلى اتفاق مصالحات مبدئية مع السلطة الفلسطينية للسيطرة على غزة في أكتوبر 2017، لكنها لم تكن حقيقية، وربما كنّا سنشهد معارك سياسية جديدة بين الطرفين، إذا تم إجراء الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في 22 مايو 2021، والانتخابات الرئاسية في 21 يوليو 2021.

محمود عباس، رئيس السلطة
محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية مع جو بايدن

لكن من الناحية العملية، ألغى “محمود عباس” الانتخابات، وادعى أنه فعل ذلك لأن إسرائيل لن تسمح للفلسطينيين بدخول القدس الشرقية، لكن كثيرين شعروا أنه فعل ذلك لأنه قد يخسر، إمّا لصالح حماس أو مزيج من القادة الفلسطينيين الأصغر سنًا مثل “مروان البرغوثي” و”ناصر القدوة”.

شرعية “عباس” كانت أيضًا موضع شك.. فقد تم انتخابه في عام 2005 وحكم بمراسيم لأكثر من عقد بعد انتهاء فترة ولايته، مما يعني أنه لم يكن لدى أي فلسطيني دون 37 عامًا فرصة للتصويت، كما صرح متحدث باسم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد قرار “عباس” أنه لم يكن هناك إعلان إسرائيلي رسمي عما إذا كان سيسمح للفلسطينيين بالتصويت في القدس أم لا، وذكر مسؤولون إسرائيليون أن إسرائيل لم تقم بأي تغيير في هذه السياسة.

في الوقت نفسه، عزّزت حماس القدرات التسليحية لكتائب عز الدين القسام ومخزونها، فلقد استوردت وجمعت ما يُقدره البعض بأكثر من 10000 صاروخ بحلول أوائل عام 2021، وأنشأت شبكة متنامية من الأنفاق عبر الحدود من غزة إلى إسرائيل.

كانت الانتفاضات، وتقسيم الحركة الفلسطينية إلى “حكومة” للسلطة الفلسطينية و”حكومة” لحماس، فضلًا عن الحشود العسكرية الكبيرة في غزة، مدخلا لانهيار أي احتمالات لحل الدولتين، بما في ذلك معاملة إسرائيل لغزة، والضم الزاحف والحقائق على الأرض، والتحولات نحو جعل إسرائيل دولة يهودية.

والنتيجة النهائية هي وضع يوجد فيه الآن ما لا يقل عن ثلاث معادلات لـ”الدول الفاشلة” بالمعنى العملي، وخمس إلى حد ما. كل منها هو مصدر رئيسي للانقسام والتوتر.

“أول دولة” هي إسرائيل، وفشلها في منح الفلسطينيين الإنصاف والمساعدات التي يمكن أن تجلب الاستقرار والتسوية على ما يعادل حل الدولتين.

لقد تراجعت السياسة الإسرائيلية من ديمقراطية فاعلة، إلى شيء بدأ يقترب من “Chaos-Cracy”، أي نظام مبني على الفوضى، وركّز أكثر فأكثر على الضم الانتهازي، واستخدام القوة على عملية السلام.

أما “الدولة الثانية” فهي السلطة الفلسطينية، والتي أثبتت بنفس القدر عدم استعدادها لتقديم تنازلات، وحاولت استخدام العنف عندما كان لديها فرصة ضئيلة للنجاح، في حين أن لدى السلطة الفلسطينية و”فتح” العديد من الأصوات والمسؤولين الأكفاء والنزيهين، إلا أن الكثير من هذه القيادة ضعيفة، وعجوزة، وفاسدة، وغير كفؤة.

“الدولة الثالثة” هي حماس في غزة، التي اعتمدت على مستويات متزايدة من العنف أدت حتمًا إلى رد فعل إسرائيلي بالمثل، فتستخدم حماس مناطق مدنية وحضرية لتأسيس عملياتها وإنشاء مزيج هائل من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض داخل غزة وكذلك عبر الحدود مع إسرائيل.

تتكون “الدولة الرابعة” من مزيج من المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في (الأراضي المحتلة) وخارج الضفة الغربية وقطاع غزة. وبعد أن كانوا منقسمين، بدؤوا -مؤخرًا – في الظهور ككتلة أو هوية سياسية فعالة، مع واقع أنهم يواجهون تمييزًا خطيرًا كطبقة منفصلة داخل دولة يهودية بشكل متزايد.

“الدولة الخامسة” هي الدور غير المؤكد للدين في القدس، جنبًا إلى جنب مع بيت لحم وبعض المزارات والمساجد والمعابد اليهودية الأخرى.. فالدين ليس دولة أو حركة سياسية متماسكة، لكنه يُقسِّم بشكل متزايد اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين على أسس دينية.

من المُرجَّح أن يتفاعل كل ذلك مع مصادر التوتر والعنف الأخرى في المنطقة، ويمكن أن يتفاعل بشكل أكبر مع الجهود الإيرانية والتركية لتوسيع دورهما الإقليمي، وكذلك التنافس على النفوذ الإقليمي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، بينما تظل الحواجز الرئيسية أمام أي تسوية سلمية حقيقية ودائمة تحت سيطرة إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

إسرائيل كأول “دولة فاشلة”

يجب تصنيف إسرائيل على أنها العامل الأول من بين العوامل الخمسة الرئيسية، التي أغلقت كلا الجانبين في عملية مفتوحة من المواجهة والعنف.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي

إسرائيل هي القوة العسكرية المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.. إنها دولة تمتلك أسلحة نووية ولديها أكثر القوات التقليدية تقدمًا، ولها شبكة أمنية داخلية ضخمة من قوات الأمن والجدران والحواجز وأنظمة المراقبة.

تتهم بعض المنظمات الحقوقية إسرائيل بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية، وتتهمها بانتهاك قوانين الحرب أو اتخاذ إجراءات هي خيارها الرئيسي للدفاع عن النفس في عصر الحرب الشعبية.

لا يمكن خوض الحروب غير المتكافئة وفقًا لقواعد أحد الأطراف أو النظر إليها من منظور جانب واحد، فحكومة إسرائيل هي القوة العسكرية المهيمنة، ولديها الهيكل الأمني الأكثر فعالية في الشرق الأوسط، عندما لا تستطيع قواتها الأمنية السيطرة، يمكنها استخدام هذه القوات لاستهداف القوات أو الجماعات الفلسطينية المعادية بنجاح كبير، والتصعيد بطرق تخلق المزيد من الضغط على السكان الفلسطينيين لوقف حملتهم ضد إسرائيل، دون الحاجة إلى غزو واحتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية.

من ناحية أخرى، يتمتع الفلسطينيون بقدرات مضادة تحوِّل -إلى حدٍ ما- قوانين الحرب الأخيرة إلى سلاح يمكنهم استخدامه في الحروب الشعبية.

اعتمدت المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وبقية (الأراضي المحتلة) على احتجاجات شعبية ضخمة.. يمكن للفلسطينيين في غزة ومقاومتهم لإسرائيل الاستمرار في الاعتماد بشكل كبير على بناء مجموعة سرية من القوات العسكرية والبنية التحتية بالإضافة إلى أعمال العنف المتفرقة.

يشمل ذلك استخدام تكتيكات مثل الهجمات الصاروخية المكثفة والهجمات على المدنيين الإسرائيليين أو الأهداف المدنية.

ومع ذلك، فإن نجاح مثل هذه الهجمات يعتمد بشكل كبير على حماس والجماعات الفلسطينية الأخرى التي تستخدم سكانها كدرع، ومن أجل الحد من قدرة إسرائيل على الهجوم المضاد.

من السهل اتخاذ مواقف بشأن حقوق الإنسان وقوانين الحرب وكذلك مهاجمة إسرائيل لاستخدامها القوة التي تؤدي إلى خسائر في صفوف المدنيين.

من السهل أيضًا تصنيف القوات الفلسطينية بالإرهابيين، ومع ذلك، فإن الحرب هي حرب، ولا يخوضها المحامون أو العاملون في المجال الإنساني.

تكمن المشكلة المتزايدة في أن خطر حصول حماس على صواريخ باليستية وطائرات دون طيار موجهة بدقة، وحصول جميع الفصائل الفلسطينية المعادية على أنظمة أكثر فتكًا وأقصر مدى، ما يعني أن التصعيد المستقبلي شبه مؤكد على كلا الجانبين، كما هو الحال في أفغانستان والعراق، ففي العالم الواقعي، سيقاتل كل جانب ويدافع عن نفسه بأفضل طريقة ممكنة.

المقاومة الفلسطينية في غزة من قِبل الفصائل الفلسطينية المعادية لإسرائيل مثل حماس، هي مقاومة عسكرية، لكنها سرية للغاية، وتعتمد على استخدام صواريخ غير دقيقة لشن هجمات مباشرة، واستخدام أنفاق سرية مع فتحات ومنشآت انطلاق في مناطق مأهولة بالسكان لاختراق إسرائيل.

ومن الواضح نسبيًا أيضًا أن حماس تزيد الأمور سوءًا بمحاولة إخفاء العمليات الرئيسية بوضعها في مبان سكنية ومناطق ذات نشاط مدني.

لا يمكن لإسرائيل أن تستهدف حماس بطرق لا تنطوي على ضربات تؤدي إلى إصابة أو قتل مدنيين، ورغم أن إسرائيل تحاول تقليل تأثير مثل هذه الهجمات، فيجب أن يكون ردها هو تدمير مقر عمليات حماس ومناطق الأنفاق وتخزين الصواريخ ومواقع الإطلاق، كما كان الحال بالنسبة للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى، حيث واجهت الولايات المتحدة قوات وهجمات معادية مماثلة، يتعين على كل طرف خوض حرب شعبية بشروطه الخاصة، وهذا يعني أحيانًا قتل المدنيين الأبرياء وإلحاق أضرار جانبية.

القوة الاقتصادية لإسرائيل لا تقل عن قوتها العسكرية، وقد أساءت إلى حد ما استخدام هذه القوة في التعامل مع الفلسطينيين. في المقابل، الضفة الغربية الفلسطينية أضعف بكثير على هذا المستوى.

والتركيبة السكانية هي “سلاح” آخر، فمن الواضح أنّ السكان اليهود في إسرائيل يهيمنون على إسرائيل ذاتها، ويستفيد هؤلاء السكان اليهود من نجاحات إسرائيل الاقتصادية ومكانتها، باعتبارها الدولة الأكثر تطورًا في منطقة الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فقد أدى التقدم الذي أحرزته إسرائيل إلى توسيع مستويات معيشة اليهود الإسرائيليين بشكل مطرد دون تقديم تحسينات مماثلة في مستويات المعيشة للمواطنين الفلسطينيين، ناهيك عن سوء مستويات المعيشة في الضفة الغربية وغزة.

الدولة الفاشلة الثانية: السلطة الفلسطينية

لا تزال السلطة الفلسطينية تؤدي العديد من وظائف الدولة الكاملة في نحو 40٪ من الضفة الغربية، رغم أنها فقدت السيطرة على غزة لصالح حماس في 2006-2007.

تدعم السلطة الفلسطينية رسميًا حل الدولتين، رغم أنها لم تتوصل أبدًا إلى تسوية ذات مغزى مع إسرائيل بشأن الأراضي وتقاسم القدس كعاصمة.

ومع ذلك، تُعد قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية استثناءً جزئيًا، وغالبًا ما عملت بشكل جيد مع قوات الأمن الإسرائيلية لضمان وصول الضفة الغربية إلى المساعدات والتجارة والوظائف في إسرائيل.

وفقًا لإصدار 2021 من الميزان العسكري IISS، تم تقسيم قوات الأمن الفلسطينية إلى 3000 فرد من قوات الأمن الرئاسي، 1200 من القوات الخاصة، 10000 من قوات الأمن الوطني (9 كتائب)، 4000 من قوات الأمن الوقائي، 1000 من قوات الدفاع المدني.

بعض عناصر هذه القوات وسيلة لتوظيف الشباب وضمان دعمهم لفتح والحكومة أكثر من كونها قوة أمنية فعالة، ولم يكن لدى أي منها هياكل عسكرية حديثة أو أسلحة ثقيلة أو لوجستية، لكن العناصر الأكثر فاعلية -ضمنهم حصلوا على دعم من الاتحاد الأوروبي والأردن والولايات المتحدة.

وأجرت كتائب قوات الأمن الوطني التابعة للسلطة الفلسطينية والحرس الرئاسي والشرطة المدنية تدريبًا على الأمن الداخلي بتمويل من الولايات المتحدة في مركز تدريب الشرطة الدولية الأردني.

السكان الفلسطينيون صغار جدًا في السن ويتزايدون بسرعة نسبيًا.. لقد حوّلت هذه الزيادات عددًا كبيرًا من السكان الزراعيين إلى سكان حضريين يتمتعون بقدر أقل بكثير من النجاح الاقتصادي وفرص العمل مقارنة بالإسرائيليين، ويعمل هذا بمثابة ضغط مستمر يزيد من التوتر بين اليهود والعرب، وهو الأمر المرشح للتفاقم نتيجة القتال الأخير وتأثير فيروس كورونا.

أشارت دراسة للبنك الدولي في أبريل 2021 إلى أن معدل البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة بلغ 23.4٪ في نهاية الربع الرابع من عام 2020، وبلغ في غزة 43٪، بينما سجلت الضفة الغربية معدل 15% فقط، ونحو 22٪ من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر.

تتفاعل هذه العوامل المادية مع كل القضايا التاريخية والدينية والسياسية التي قسمت الفلسطينيين عن إسرائيل.. جزء كبير من هذه المشاكل هو خطأ القيادة الفلسطينية، لكن لا شك في أن إسرائيل بذلت جهودًا محدودة لتحسين الوضع، ومن غير المرجح أن يكون الفلسطينيون -الذين يعيشون في ظل هذه الظروف- موضوعيين في الحكم على درجة مسئولية إسرائيل.

الدولة الفاشلة الثالثة: غزة وحماس

غزة هي مركز القتال مؤخرا.. وهي الآن جزء -اسميًا فقط- من السلطة الفلسطينية، وتتنافس مباشرةً مع فتح، وهناك القليل من البيانات الموثوقة حول القوة العسكرية لحماس، حيث يقدر الميزان العسكري في IISS لعام 2021 أن قوة حماس تتكون من نحو 15000 إلى 20000 فرد، منتظمون في صفوف كتائب عز الدين القسام التابعة لها.

إسماعيل-هنية-رئيس-المكتب-السياسي-لحماس
إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس

توضح التقارير الإعلامية أن حماس لا تزال ملتزمة بالتحضير لصراع عنيف مع إسرائيل.. تختلف التقديرات حول حجم قوات حماس، وما تمتلكه من صواريخ وأسلحة أخرى، وحجم نظام أنفاقها تحت حدود غزة مع إسرائيل، واستعداداتها وقدراتها الأخرى للحرب.

من الواضح، مع ذلك، أن لديها بنية عسكرية جيدة التنظيم وشبكة سرية، وأنها تسيطر على غزة من الناحيتين السياسية والأمنية.

يبدو أن تحولات حماس نحو التوافق السياسي مع كل من فتح وإسرائيل كانت سياسية أكثر منها حقيقية، وقد أدى ذلك إلى قائمة طويلة من المشاكل في تمويل الحكومة والحصول على المساعدات، وخضعت غزة للعديد من القيود الإسرائيلية والأمريكية نتيجة للعنف والحشد العسكري.

من الواضح جدًا أن غزة عانت أكثر بكثير من الضفة الغربية أو المواطنين الفلسطينيين في (الأراضي المحتلة).

تشير بعض التقارير إلى أن معظم سكانها من الشباب، ونحو نصفهم تقريبًا من الأطفال، وأن 95٪ لا يحصلون على مياه نظيفة، وأن إمدادات الكهرباء محدودة وغير منتظمة، ويعتمد نصف السكان تقريبًا على شكل من أشكال المساعدة الدولية على الأقل.

حقيقة أن حماس أطلقت أكثر من 1000 طلقة صاروخية وذخائر أخرى على إسرائيل بحلول منتصف مايو 2021، لا تدل فقط على خطورة التهديد الذي تمثله لإسرائيل، بل تعمل أيضًا كحافز لإيران والدول الأخرى المعادية لإسرائيل لدعم حماس بمزيد من الأسلحة والأموال، ودعم حماس والفلسطينيين سياسيًا في الأمم المتحدة والمنتديات الدولية الأخرى، وهو وسيلة جيدة لدول مثل الصين وروسيا لوضع الضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل.

لقد استخدمت حماس بالفعل أنظمة بعيدة المدى مثل M-75 (الفجر الإيراني)، كما استخدمت صواريخ طويلة المدى في القتال الحالي مثل صواريخ R-160 صينية التصميم وسورية الصنع، وكذلك صواريخ M-302 Kaiber-1 الصينية الصنع.. هذه الأسلحة تمنح حماس القدرة على ضرب إسرائيل بعمق، لتصل إلى الحدود الشمالية.

إذا تمكنت حماس من الحصول على أنظمة أكثر دقة مع حمولات وسرعات أعلى، فإن نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي ذي الطبقات Arrow سيواجه تحديات كبيرة للغاية، ويمكن أن تضطر إسرائيل إلى توسيع نطاق الأهداف في غزة بشكل أكبر، وتنفيذ ضربات انتقامية كبيرة، أو تنفيذ عملية غزو واحتلال لقمع كل قدرات حماس العسكرية.

الدولة الفاشلة الرابعة: الفلسطينيون في الداخل

مرة أخرى، تختلف التقديرات، لكن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي قدّر أن عدد الفلسطينيين في الداخل بلغ 1.89 مليون نسمة في عام 2019، وهو ما يمثل 20.95٪ من سكان البلاد.

لم يقم هؤلاء المواطنون الفلسطينيون بأي محاولة لإنشاء نهجهم الخاص للحكم الوطني أو هيكل سياسي رئيسي، وربما أن إسرائيل لن تتسامح مع هذا الهيكل السياسي المفترض، ومع ذلك، فقد حافظوا بشكل عام على الهوية الفلسطينية وطوّروا المزيد من التماسك السياسي والتنسيق مع الوقت.

على عكس غزة والضفة الغربية، لم يخلقوا أي مقاومة عنيفة جادة لإسرائيل، رغم وقوع العديد من الحوادث الفردية على مر السنين.

ومع ذلك، كانت هناك درجة كبيرة من الانفصال، حيث يعيش الفلسطينيون في مجتمعاتهم وأجزاء من المناطق الحضرية.. لقد حصلوا بشكل عام على العديد من مزايا الجنسية الإسرائيلية الكاملة، لكنهم مُستهدَفون من قبل الأمن الإسرائيلي، ولم يكن لديهم العديد من الفوائد الرئيسية التي تُسبِّب التوتر بينهم وبين إسرائيل.

أحيانًا تبالغ منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في انتقادها لإسرائيل، لكنها تثير مجموعة من القضايا المهمة المتعلقة بالجنسية الفلسطينية، وتشمل: “سلب حق العودة من المواطنين الفلسطينيين، وحرمانهم من الحق في المطالبة بالسكن أو الممتلكات التي فقدوها عام 1948، وهناك قواعد خاصة في الكنيست الإسرائيلي تمنع الفلسطينيين من انتقاد إسرائيل، ولكنها لا تمنع الإسرائيليين من نقد الفلسطينيين… إلخ.

أدى هذا الاقتتال الداخلي بين اليهود والفلسطينيين، وإطلاق حماس لصواريخ بعيدة المدى في عمق إسرائيل، إلى خلق مستويات جديدة من التوتر في عدد من المدن الإسرائيلية مثل اللد وضواحي تل أبيب والمدن الساحلية في الشمال، حيث حقق كل من الإسرائيليين والفلسطينيين تقدمًا كبيرًا في العمل والعيش معًا.

لقد نشرت إسرائيل أعدادًا كبيرة من قوات الأمن في الداخل لأول مرة منذ بضع سنوات، ومن الواضح أن أي تقدم تحقق في السابق، كان تقدمًا هشًا.

تواجد عناصر الاحتلال الإسرائيلي في القدس
تواجد عناصر الاحتلال الإسرائيلي في القدس

الدولة الفاشلة الخامسة: القدس والدين

لا يمكن لأي شخص درس التاريخ الحديث للانقسامات الدينية حول القدس والأماكن المقدسة، أن يتجاهل التاريخ المأساوي للغضب الديني والعنف، والمنافسة للسيطرة على المزارات، حتى المنطقة الصغيرة من المسجد الأقصى (الحرم الشريف) أو جبل الهيكل كانت سببًا للانقسام والخطورة، مثلها مثل الانقسامات على بقية الضفة الغربية أو غزة.

ورغم وجود بعض العناصر الرئيسية لرسم حل وسط، فمن المشكوك فيه أن يتم إحراز أي تقدم حقيقي في حل هذه القضايا الدينية، وكل اندلاع جديد للعنف الإسرائيلي والفلسطيني يجعل أي تسوية دائمة -وتحديدًا فيما يتعلق بالحرم القدسي- أكثر صعوبة، حيث يرتبط العنف الحالي ارتباطًا مباشرًا بالانقسامات الفلسطينية واليهودية المتزايدة حول السيطرة على هذه المنطقة.

ختاما، من الواضح تمامًا أن وقف القتال الحالي لن يدوم، ما دامت التسويات تتجاهل حل الدولتين، فالنجاح الدائم لن يأتي إلا من خلال إنشاء -ثم تنفيذ- خطة موثوقة للتعامل مع جميع المشكلات السابقة بمرور الوقت. فالسياسة القائمة على “فرض الحقائق على أرض الواقع” لن تكون حلًا، فلا ينبغي لأحد أن يتخلى عن الأمل أبدًا، لكن التاريخ يحذر من أن حل “اللا حل” يبدو أنه النتيجة الأكثر احتمالية للمأساة العنيفة الحالية في العالم الحقيقي.

المصدر: (اضغط)

عمرو جمال صدقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى