وجهات نظر

كيف تضخمت معجزات الرسول في المدونات الإسلامية عبر الأجيال؟

لما كانت المعجزة، أحد أهم العلامات والسمات التي ميزت سير الأنبياء والرسل في مختلف الثقافات الإنسانية، فقد كان من الطبيعي والحال كذلك أن يهتم المؤرخون والعلماء المسلمون بجمع المعجزات المنسوبة إلى النبي الكريم، فنجدهم وقد دونوها في مؤلفاتهم، وأفردوا لها العديد من الكتب والمصنفات ذائعة الصيت.

في كتابه “المعجزة أو سُبات العقل في الإسلام”، يتناول المفكر السوري جورج طرابيشي المعجزات التي نُسبت لنبي الإسلام، فيبيّن الأُطر العامة المحددة لوجهة النظر القرآنية في معجزات الرسول، ويحلل أسباب تضخم تلك المعجزات في المدونات التاريخية على مر القرون، كما يعمل على وضع تلك المعجزات في سياقها التاريخي والظرفي لنفهم كيف تأثرت الروايات الخاصة بها بمذاهب وأفكار ورؤى المؤرخين الذين جمعوها جيلاً بعد جيل.

الرؤية القرآنية: نبي بلا معجزة

يذكر جورج طرابيشي في بداية كتابه أن الظاهر من الخطاب القرآني، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤيد بالمعجزات الباهرة، تلك التي وقعت على يد الأنبياء السابقين عليه، ومن هنا فإنه –أي طرابيشي- يطرح سؤاله الأول، فيقول: “إذا كانت المعجزة رفيقة درب كل نبي، فلماذا قضت المشيئة الإلهية أن ينفرد الرسول دون سائر الرسل والأنبياء بأن يكون نبياً بلا معجزة؟”

في رحلة بحثه عن إجابة لهذا السؤال، يذكر طرابيشي عدداً من المبررات، تلك التي يسوق الأدلة عليها تباعاً من القرآن الكريم:

التبرير الأول، هو التعليل بالكذب، فالمعجزة لم تمنع فرعون وقومه من الاستكبار، وذلك بحسب ما ورد في الآية رقم 39 من سورة العنكبوت “ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض”، أما التبرير الثاني، فهو التعليل بالتأويل السحري، بمعنى أنه كان من المتوقع أن تفسر قريش أي معجزة تحدث على يد الرسول بأنها ليست أكثر من نوع من أنواع السحر، وهو الأمر الذي تؤكد عليه الآية رقم 110 من سورة المائدة “إن هذا إلا سحر مبين”.

المبرر الثالث هو التعليل بالتعذيب، وتشهد عليه الآية رقم 211 من سورة البقرة “سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب”، ويورد طرابيشي العديد من القصص والروايات التي تتضافر جميعها على أن جبريل قد جاء إلى الرسول وأخبره أن الله عز وجل سوف يؤيده بمعجزة ما، ولكن بالمقابل سوف ينال كفار قريش عذاب شديد إن رفضوا التصديق بالمعجزة، فرفض عندها الرسول المعجزة خشية من عذاب قومه.

التعليل بعدم النجاعة وعدم العلية هو المبرر الرابع الذي يسوقه جورج طرابيشي، ويظهر هذا التبرير بشكل واضح في الآية رقم 100 من سورة يونس “ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله”، فالإيمان والإسلام ليس مرهوناً بوقوع المعجزة، بل هو أمر مقدور، والهداية من عند الله وحده، ويشير طرابيشي هنا إلى الأسئلة الكثيرة الشائكة التي يفتح هذا المبرر الطريق إليها، ومنها السؤال حول القضاء والقدر، والسؤال حول كون الإنسان مسيرا أم مخيرا، وجميع تلك الأسئلة ستدخل فيما بعد في البناء الكلامي والعقائدي عند المسلمين.

أما المبرر الخامس والأخير، فهو التعليل بالآيات الكونية، إذ يتساءل طرابيشي، ما الفائدة من الإتيان بآيات جديدة إذا كانت هناك الكثير من الآيات التي يشاهدها الإنسان صباح مساء في الأرض والسماء؟

ويستشهد المفكر السوري هنا بالآيات من 20-25 في سورة الروم “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ، وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ“.

معجزات الرسول في القرون الأولى: من ابن هشام إلى البيهقي

بعد انتهائه من الإجابة على السؤال الأول المهم، يعرج جورج طرابيشي على سؤال آخر، ألا وهو كيف تطورت النظرة لمعجزات الرسول؟ أو كيف وقع التضخم في السيرة الإعجازية للرسول؟

يجيب طرابيشي عن هذا السؤال من خلال عرض وتحليل لمجموعة من أهم المدونات التاريخية الإسلامية التي تعرضت لسيرة نبي الإسلام، فيستعرض المعجزات الواردة في كل مدونة، ويوضح أهم السمات المميزة في كل منها.

بدأ طرابيشي عمله على أقدم سيرة معروفة للرسول، ألا وهي سيرة ابن هشام المتوفى 218 هـ، فأكد على أنها قد ضمت ما لا يزيد على عشر معجزات، وبعدها تناول كتاب “أعلام النبوة” لأبي الحسن الماوردي المتوفى 450 هـ، فذكر أنه قد احتوى على أربعين معجزة.

الأمر المهم في المعجزات الواردة في “أعلام النبوة” أنها قد تشابهت إلى حد بعيد مع المعجزات المنسوبة لكل من موسى وعيسى، فعلى سبيل المثال، كان من تلك المعجزات معجزة تضاهي معجزة شق البحر، والتي هي أشهر معجزات النبي موسى على الإطلاق، فبحسب ما ورد في “أعلام النبوة” أن جيش المسلمين يوم خيبر قد وجد نفسه أمام ماء عميق في الوادي، فقالوا للنبي: “يا رسول الله، العدو من ورائنا والوادي قدامنا“، فسجد النبي ودعا الله، ثم أمرهم بالعبور في الماء، “وقال لهم: سيروا على اسم الله، فعبرت الخيل والإبل والرجال، فكان الفتح والغلبة له”.

كان منها أيضا أربع معجزات تضاهي المعجزات المنسوبة للمسيح عيسى بن مريم، وهي معجزة تكثير الطعام يوم غزوة الخندق، ومعجزة شفاء طفيل العامري المجذوم، ومعجزة إحياء طفلة بعد موتها، ومعجزة تسبيح الحصى بين يدي النبي.

المحطة الثالثة، التي يعرج عليها طرابيشي، هي كتاب دلائل النبوة لأبي بكر البيهقي المتوفى 458 هـ، فيقول إنه لا يأتي بجديد عما أورده الماوردي في كتابه “أعلام النبوة”، ولكنه رغم ذلك يتوسع في ذكر التفاصيل، ويأتي بمجموعة متعددة من الطرق عند الحديث عن كل معجزة.

أيضاً، يلاحظ طرابيشي أن البيهقي قد ذكر في كتابه الكثير من المعجزات –الكرامات- المنسوبة لأصحاب الرسول، ومنها ما جرى لكل من عباد بن بشر وأسيد بن حضير عندما خرجا من عند الرسول ليلاً، “فأضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها”، ومنها أن الصحابي زيد بن خارجة الأنصاري قد توفى في عهد عثمان بن عفان، وبعد وفاته تكلم فقال: “أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوي في أمر الله في الكتاب الأول، صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم، مضت أربع وبقيت اثنتان، أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة”.

ويلاحظ طرابيشي أن المعجزة الأخيرة لها جانب سياسي واضح، فقد جاءت العبارات على لسان “زيد” لتثبت شرعية حكم الخلفاء الثلاثة الأوائل –أبي بكر وعمر وعثمان- بينما لم تذكر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وتحدثت بدلاً من ذلك عن الفتن التي ستقع في بلاد الإسلام.

الطور الثاني من التضخم: من ابن كثير إلى الحلبي

أما المحطة الرابعة في طريق تطور المدونة الإعجازية، فتمثلت في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي المتوفى 744هـ، ويلاحظ طرابيشي أن ابن كثير في هذا الكتاب قد تفنن في عرض الطرق والروايات المختلفة لكل معجزة، وهو الأمر الذي يشير إلى أنه لما كان صاحب البداية والنهاية يعرف أن معظم المعجزات المنسوبة إلى الرسول ضعيفة من ناحية السند لكونها تحتج بخبر الآحاد في الغالب، فقد أراد أن يقوي تلك الروايات من خلال إيجاد مجموعة كبيرة من الشواهد والمتابعات على كل معجزة، بحيث يبدو للقارئ أن هناك نوعا من الإجماع المنعقد على تصديق تلك القصص.

وعلى الرغم من استماتة ابن كثير في الدفاع عن الكثير من المعجزات المنسوبة للرسول وللبعض من كبار الصحابة، فإننا نجده يرفض بعض المعجزات التي تميل لصالح التوجه الشيعي رفضاً مطلقاً، ومن ذلك معجزة رد الشمس بعد المغيب لعلي بن أبي طالب حتى يتمكن من أدائه الصلاة في وقتها، والمعجزات الكثيرة التي قيل إنها قد وقعت تزامناً مع مقتل الحسين بن علي، الأمر الذي يوضح دور العوامل المذهبية في انتقائية ابن كثير لما روى، وكيف أنه قد احتج أحياناً بكثرة الطرق رغم ضعف المتن وغرابته ليثبت مجموعة من المعجزات المتوافقة مع التوجه السني، بينما في أوقات أخرى تغافل عن تعدد الطرق وضرب بها عرض الحائط إذا ما مالت المعجزة لصالح التوجه الشيعي.

النقطة الثانية، التي يعلق عليها طرابيشي بخصوص تناول ابن كثير لمعجزات الرسول، هي اهتمامه المفرط بالنبوءات والأخبار المستقبلية، وذلك على الرغم من أن القرآن الكريم يزخر بالعديد من الآيات التي تؤكد أن الله وحده هو عالم الغيب، ويفسر طرابيشي تلك النزعة التنبؤية الواضحة بأهمية العامل السياسي، إذ إن تسعة من كل عشر نبوءات مستقبلية تأتي في ميدان السياسة، كما أن جميع النبوءات يتم تأويلها وتقديمها وصياغتها بحسب وجهة النظر السلفية السنية التي ينتمي إليها ابن كثير.

تلك النبوءات السياسية، قدمت تفسيرات مطمئنة للكثير من الأحداث الدامية التي وقعت في القرن الأول من التاريخ الإسلامي، والتي شهدت اندلاع الحروب الأهلية الدامية بين معسكري العراق والشام، ونهب المدينتين المقدستين في مكة والمدينة، وذبح حفيد النبي في كربلاء، وهو الأمر الذي فسره طرابيشي بقوله: “هذه الوقائع الجارحة للوعي الديني، كان لا بد أن تجد انعكاسا صادقا لها في نبوءات نبوية جرى اصطناعها لتتجرد تلك الوقائع من طابعها الرجيم ولتندرج في ضرب من حتمية إلهية لا يمكن للبشر، من حيث هم بشر، إلا التسليم بها دون أن يضعوا الوعي الديني الذي يصدرون عنه والذي يعطي المعنى لوجودهم موضع التشكيك”.

قائمة المعجزات النبوية ذات الصبغة السياسية عند ابن كثير، تتمدد لتتطرق إلى أحداث وقعت في عصر التابعين، وعصر تابعي التابعين، إذ تحدثت عن تأسيس الدولة الأموية وتأسيس الدولة العباسية، بل وصلت إلى حد الإشارة إلى محنة خلق القرآن التي وقعت في بدايات القرن الثالث الهجري، فعلى سبيل المثال، ذكر ابن كثير في كتابه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “السابع من ولد العباس يدعو الناس إلى الكفر فلا يجيبونه…”، وكان المقصود بتلك النبوءة الخليفة العباسي عبد الله المأمون واضطهاده للفقهاء والمحدثين الذين رفضوا القول بخلق القرآن.

أيضاً، كان علي بن برهان الدين الحلبي المتوفى 1044 هـ، أحد أهم من جمعوا المعجزات المنسوبة إلى الرسول في القرن الحادي عشر من الهجرة، وذلك في كتابه “إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون” المعروف باسم السيرة الحلبية.

الحلبي ذكر أن الرسول قد أوتي ثلاثة آلاف معجزة، ويعلق طرابيشي على هذا بقوله إن السيرة الحلبية “استفادت من كل التراكم في أدبيات السيرة لترقى بعملية الأسطرة إلى مستوى غير مسبوق، ولتحيط بهالتها لا الرسول وحده قبل مبعثه وبعده، بل كذلك قبيلته وجده وأمه ومرضعته”.

من ذلك ما نجده فيها من القول بأن عبد المطلب –جد الرسول-  لما أراد أن يذبح ابنه عبد الله وفاء بنذره، دُفع العباس لإنقاذه بصورة خارقة، تعيد إلى الأذهان الإنقاذ الإلهي لإسماعيل قُبيل ذبحه على يد النبي إبراهيم، أما أم الرسول آمنة بنت وهب، فقد تم تبشيرها بالحمل، كما وقع مع مريم العذراء قُبيل حملها بعيسى، وفي السياق نفسه،  يؤكد الحلبي أن الرسول كان يحدث أمه وهو في بطنها، وأنه قد تكلم ساعة ولادته فقال: “الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً”، هذا فضلاً عن تلك الروايات التي تذهب إلى أنه قد ولد مختوناً فلم يطلع أحد على عورته قط.

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى