وجهات نظر

كيف تضمُر فكرة الوطن في ذهنية الإخواني؟

يتعجب متابعو الإخوان المسلمين من كم وطبيعة الجرائم التي يرتكبونها ضد الوطن ومؤسساته، ويتعجبون أكثر لمدى قابليتهم للعمل ضده، سواء بالترويج ضده وضد مؤسساته القومية أو نشر الأكاذيب والشائعات حولها، وبالمقابل يمدحون أوطانا أخرى بحماسة منقطعة النظير، والسؤال الأهم هنا: كيف تحول العضو الإخواني من مواطن يحب وطنه وينتمي إلى شعبه ويحمل ذات القيم التي يحملها قومه إلى مواطن يرتكب جرائم بحق وطنه؟

علينا أولا التعرف إلى أسلوب تنشئة الجماعة لأتباعها، وكيف ينتقلون به من مربع الانتماء الطبيعي للجماعة الوطنية إلى الانتماء للجماعة فقط، فالفرد الإخواني لا ينضم للجماعة بإرادته أو برغبته، بل يتم تجنيده وسحبه من مجتمعه رويدا رويدا، عبر ما يسميه الإخوان (التربية)، وهي مجموعة من الممارسات المقصودة التي تتم على فترات طويلة، وبأشخاص مختلفين، وفي النهاية يتم تدجينه وقولبته، وعندما يتحول لشخص لا يشعر بأي انتماء لأي كيان حتى لأسرته الطبيعية (الأب والأم والأخوة والأخوات والأعمام والأخوال.. إلخ) يصبح قابلا للانضمام للجماعة والترقي في صفوفها.

تبدأ رحلة الجماعة في قتل الوطنية لدى أعضائها بتغيير البيئة الاجتماعية لهم، فالطبيعي أن ينشأ الفرد وسط بيئته الاجتماعية وفيها تتكون روابطه وقيمه وأخلاقه، هذا الانتماء الأولي يزعج الإخوان ويهدد الجماعة دائما، فالفرد الذي لا يقطع جذوره الفكرية أو العقلية مع بيئته لا يستمر كثيرا في التنظيم، فتعلم الإخوان أن أسهل طريق ليصبح الفرد خالصا للجماعة أن يتم عزله عن بيئته، فيسحبوه بالتدريج من أصدقائه ودائرة معارفه حتى من أصحاب المهن البسيطة التي يتعاون معها، مثل أصحاب محلات البقالة والسباكين والعمال الحرفيين.. إلخ، وبالتدريج تقوم الجماعة بتوفير بديل لهم من عناصرهم، بزعم أن التعامل مع أخ من نفس الجماعة أضمن وأفضل من الناس العاديين.

بعدها تغير الجماعة البيئة العقلية الفكرية التي كان ينتمي إليها قبل أن يوقعوه في شباكهم، فيبدلوا مفاهيم كانت ثابتة وراسخة لديه إلى مفاهيم مغايرة تماما، مثل الوطنية، فيتم تلقينه في لقاء الأسرة التربوي وفي الكتائب وفي المحاضرات وفي الندوات وفي المقالات المختلفة، مفهوما واحدا بأشكال متعددة، كلها تلف وتدور حول ما قاله سيد قطب في كتابه ظلال القرآن الكريم ج 2 -ص 183: “إن راية المسلم التي يحامي عنها، هي عقيدته، ووطنه الذي يجاهد من أجله، هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه، وأرضه التي يدفع عنها هي دار الإسلام، التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجا للحياة، وكل تصور آخر للوطن هو تصور غير إسلامي، تنضح به الجاهليات، ولا يعرفه الإسلام”، ومفهوم الحكم، بدلا من كونه أسلوبا لإدارة الدولة يحوله الإخوان في عقل العضو إلى ركن من أركان الإسلام، كما قال لهم حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس:

“والحكم معدود فى كتبنا الفقهية من (العقائد والأصول) لا من الفقهيات والفروع”، كذلك أيضا مفهوم الديمقراطية، رغم استغلال الإخوان للديمقراطية للوصول للحكم، فإنهم لا يعترفون بها في مؤسساتهم، ولا يعتمدون عليها في انتخابات الإخوان الداخلية لاختيار ممثليهم، بل تتم تولية المناصب في التنظيم عبر الاختيار من فئة بعينها، لها شروط محددة، ويغلب على الجماعة ثقافة التكليف والعزل، والتربية الإخوانية في هذا الشأن شفهية أكثر منها مكتوبة، فالقادة يلقنون أتباعهم من الإخوان، أن الديمقراطية عاجزة وقاصرة ليست هي مراد الله من الشورى وليست هي الأمر المقصود في الآية القرآنية الكريمة “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ”، سورة آل عمران – الآية 159، وأن استخدامهم لها هو أمر مؤقت لحين تغيير العرف العام.

كذلك من أخطر المفاهيم التي يتم تغيير مدلولها مفهوم الأخوة في الله، فحين أن المقصود في الآية القرآنية “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” سورة الحجرات – الآية 10، هو ربط كافة المؤمنين برباط الإخوة في الله، بينما يقصر الإخوان رباط الأخوة في الله بعناصر الجماعة فقط، ويقتلون أي شعور بالأخوة مع غيرهم/ حتى من أبناء الحركات الإسلامية الأخرى، فيتجهزون تلقائيا للمحاربة والمناوشة بينهم، وحدث ولا حرج فيما دار بين الإخوان والسلفيين في الثمانينيات بمساجد الجامعات المصرية ومساجد المدن الجامعية من صراع ومعارك على الإمامة في الصلاة، وأحقية كل تيار في تولي الإمامة والاستحواذ على الكلمة الوعظية عقب الصلاة (الخواطر الايمانية)، فإذا كانوا قد فقدوا الشعور بالأخوة مع رفقائهم من نفس التيار، فما بالك بباقي الناس العاديين!

من واقع التجربة أقول إن عضو الجماعة لن يشعر بأي شعور نحو أهله وجيرانه والمحيطيين به بأي أخوة في الله، ولن يتعاطف مع أي منهم، ولن يحصدوا منه سوى نظرات الازدراء لأنهم لم ينضموا للجماعة وهي الحق، بحسبهم، وانحازوا  للدولة والمجتمع وهو الباطل، حسب زعمهم.

أيضا تغير جماعة الإخوان مفهوم الدعوة إلى الله، فبعد أن كانت الدعوة مصطلحا يشير إلى عملية الوعظ والإرشاد بشكل عام، حولوها إلى طريقة لجذب عناصر جديدة وتجنيدهم في صفوف الجماعة، سواء بالانضمام في الهيكل الإداري والتربوي، أو بالتوظيف لخدمة أهداف الجماعة من خارجها، ونفوا أي علاقة بين مفهوم الدعوة وتقديم الوعظ والإرشاد، كما جعلوا مفهوم الدعوة يدل على الإخوان، فأصبحت الدعوة هي الجماعة والدعوة هو التنظيم، والدعوة هي جريدتهم.. إلخ، وما دونها فلا يحق له أن يكون دعوة إلى الله، وأن ما يقوم به الشيوخ الرسميون والوعاظ المعتمدون ما هو إلا عملا وظيفيا روتينيا للحصول على الراتب لا أكثر.

 وأخيرا تمكن الاخوان من تغيير مفهوم التدين، فحولوه من كونه التزاما بقيم الإسلام العليا، إلى نمذجة السلوك لشكليات، فجعلوا التدين مرتبطا بالشكل، سواء زي المرأة (الذي حددوه وفق رؤيتهم فقط) وطريقة ارتداء الرجل للجلباب مع ضرورة إغلاق أزرار القميص بالكلية، وتقصير البنطال إلى ما دون الكعب، وإطلاق اللحية وحف الشوارب.. إلخ، ومع التركيز على كل هذه الشكليات ضاع مفهوم التدين الحقيقي المرتبط بالتقوى ومخافة الله والحرص على زرع القيم والأخلاق وسط المجتمع، فشاع استخدام شكل التدين للوصول إلى مآرب خاصة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية.

مع تغيير البيئتين الاجتماعية والعقلية الفكرية، ينشأ سوء تفاهم بين العضو الإخواني وبين بيئته، ولا يجد من يفهمه إلا عناصر جماعته الملتفين حوله، فيزداد ترابطه بهم ويلوذ بهم في كل مسارات حياته، هنا يكون قد حان موعد تغيير البيئة القلبية والمشاعرية لعضو الجماعة، وتحت مفهوم الولاء والبراء يتم غرس الكراهية للمجتمع وللدولة وكافة المؤسسات، وبالمقابل يتم غرس المحبة والتفاني والذوبان في الجماعة أفرادا وتنظيما، ومع مد الخط على استقامته يتحول العضو الإخواني إلى شخص غير وطني بالمرة ولا ينتمي للوطن بأي شكل من الأشكال، ويبث كراهيته ضد كل ما يعيق الجماعة أو أفرادها.

وعلى مر تاريخهم قاموا ببث سمومهم في المجتمع ضد أي رمز أدبي أو اجتماعي أو سياسي، وغلفوا هذه السموم بأغلفة دينية، فهاجموا القوات المسلحة، المؤسسة الوطنية، وسخروا وتهكموا من أي شعار وطني يمكن أن يجتمع عليه الناس مثلما سخروا من شعار (تحيا مصر)، حتى أن ثلة من المصريين صارت تخاف أن تقول هذا الشعار حتى لا تقع ضحية هجوم الإخوان على صفحات التواصل الاجتماعي، وللأسف تماهى معهم بعض المتعلمين في السخرية من أفضل شعار رفعه المصريون.

إن جريمة الإخوان في المجتمع أكبر وأعمق من مجرد المظاهرات أو الهتافات المعادية للدولة، وخطورة الجماعة والتنظيم في تلك الأفكار والمفاهيم التي تمكنوا من تغيير دلالتها وأقنعوا المجتمعات بها، لدرجة أصبح من العسير استئصالها، واستعادة المصطلحات والمفاهيم لدلالتها الطبيعية عمل شاق وطويل ولن يتحقق بمجرد مقالة أو برنامج تليفزيوني، بل عبر مشروع قومي فكري شامل، يؤمن بالديمقراطية والحرية والتنوير، وتكاتف مؤسسات المجتمع، ونقاش مجتمع واسع حول دلالة كل مفهوم وتوضيحه للمجتمع وللشباب على وجه الخصوص، مستهدفين وقف نزيف المجتمع، ومنع انضمام عناصر جديدة إلى جماعات الإسلام السياسي، سواء الإخوان أو غيرها.

طارق أبو السعد

متخصص في الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى