ثقافة وفن

كيف جعلنا ماركيز نعيد اكتشاف العالم في “مئة عام من العزلة”؟

أحبّ ماركيز طموح تغيير العالم الخاص بالجمهورية، لكنه كان يتوقع موتها من البداية. لأنه قبل الجمهورية، نُفذت خطة الانفصال عن الماضي وإعادة تكوين المجتمع الكولومبي من البداية على يد الجنرال خوسيه ماريا ميلو في انقلاب عام 1854

جاء التغيير إلى كولومبيا عام 1959. تحديدا بعد أن بدأ الفلاحون المتمردون يتسللون إلى المناطق الجبلية النائية للأنديز في سبيل تأسيس “جمهورية ماركيتاليا“. كانت الجمهورية أعجوبة، ترعى العدل والحرية مع الغابات المطيرة وقمم الانهيارات الثلجية. وبالرغم من أن حجمها كان متواضعًا، كان لمواطنيها بالمئات خطط جريئة للتوسّع. لقد محو النظام القديم لسطوة المال وحضارة الفرمانات، عن طريق بناء يوتوبيا.

لكن بشكلٍ مفاجئ، في أواخر ربيع عام 1964، انتهت اليوتوبيا. توجهت الحكومة الكولومبية بستة عشر ألف جندي مدعومين بمروحيات “هيو” الأميريكية تصخب بغضب في السماء. واقعين في الكمين، أُجبرَ المتمردون على ترك الجمهورية، حاملين المناجل والمولوتوف، وهم يهربون متسللين إلى المرتفعات.

حركة فارك
حركة فارك

هناك بين الجبال كوّن المتمردون “القوات الثورية الكولومبية المسلحة” (حركة فارك) ولستون عامًا قادمة، سيشن جيش العصابات مقاومة تزداد شراسة ضد الرأسمالية العالمية. خطفَ جنودها وزراء، ودرّبوا الأطفال من سن الثامنة ليحاربوا باستخدام الكلاشنكوف. حتى جاءت النهاية، ومزّقت القوات الثورية نفسها بمرارة الخلافات الداخلية وبسفك الدماء.

لكن برغم فناء الجمهورية المحزن، صمدَ هذا الأمل في التغيير عند حي منهك يبعد عدة أميال نحو الشمال الغربي، حيث جلسَ متمرد كولومبي آخر: جابرييل جارثيا ماركيز.

أحبّ ماركيز طموح تغيير العالم الخاص بالجمهورية، لكنه كان يتوقع موتها من البداية. لأنه قبل الجمهورية، نُفذت خطة الانفصال عن الماضي وإعادة تكوين المجتمع الكولومبي من البداية على يد الجنرال خوسيه ماريا ميلو في انقلاب عام 1854، وعلى يد الليبراليين الراديكاليين في حرب الألف يوم عام 1899، وعلى يد الجنرال جوستافو روجا بينيلا في انقلاب 1953.

في كل مرة، وُعِدَ سكان كولومبيا بطريقة حياة مختلفة كليًا. وفي كل مرة، كانوا يحصلون على المذابح والبؤس والفوضى عوضًا عن ذلك.

لذلك، بينما كان جابرييل جارثيا ماركيز يفكر في تاريخ التغيير الفاشل ذلك، قرر أن يتخذ طريقًا ثوريًا مختلفًا. بدلاً من محاولة الهروب من الماضي، كان يعيد النظر فيه مرة أخرى.

بدايات العالم الجديد

مئة عام من العزلة
مئة عام من العزلة

حدث في يوليو عام 1965، أي بعد مرور عام واحد على فناء جمهورية ماركيتاليا، أن تحوّلَ ماركيز بفِعل الذاكرة:

في ومضة أدركتُ: عليّ أن أقول الحكاية بنفس الطريقة التي قالت جدتي حكايتها بها، بداية من ذلك الأصيل حين يأخذ الأب ولده ليكتشف الجليد.

من هذه “الومضة” خرج السطر الأول من رواية نشرت عام 1967 بعنوان Cien Años de Soledad “مئة عام من العزلة”: بعد أعوام طوال، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد حيث أخذه فيه أبوه لاكتشاف الجليد.

ستُذهل تلك الافتتاحية المذهلة ملايين القراء حول العالم، لتساهم في فوز ماركيز بجائزة نوبل في الأدب. وستصل براعتها المميزة إلى أوجها مع النهاية التي أشار إليها ماركيز سريعًا في البداية: “اكتشاف الجليد.” تلك الكلمتان هما بهدوء أمر واقع- وفي نفس الوقت شيء محيّر. كيف يمكن اكتشاف الجليد؟ أليس الجليد شيء يعرفه العالم بأكمله؟

الإجابة هي أن الكولونيل أوريليانو بوينديا ووالده لم يكتشفا حقًا الجليد. لقد أعادا اكتشافه، تمامًا مثلما نتذوق الجوافة لأول مرة أو نقرأ عن جمهورية ماركيتاليا، نحن نعيد اكتشاف شيء اكتشفه آخرون قبلنا. وفي الحقيقة، هذا ما نفعله نحن حين نقرأ “مئة عام من العزلة”. في نفس اللحظة التي يتذكّر فيها الكولونيل إعادة اكتشافه للجليد، فنحن نعيد اكتشاف إعادة الاكتشاف تلك. نحن نعرف لأول مرة شيء عرفه الكولونيل بالفعل.

تحدثُ تجربة إعادة الاكتشاف تلك مرة تلو أخرى في الصفحات الأولى من “مئة عام من العزلة”. في البداية، نعيد اكتشاف كيف أعاد والد الكولونيل اكتشاف العالم: “كان العالمُ حديثًا للغاية لدرجة أن أشياء كثيرة كانت تفتقد إلى الأسماء، ولكي يشير المرء إليها، كان عليه أن يشير بإصبعه.” ونتج عن ذلك المزيد من إعادة الاكتشاف:

“كل عام خلال شهر مارس، تنصب عائلة من الغجر المشعثين خيامهم قرب القرية، وتدعو بأبواقها المدوية وطبولها الصاخبة، إلى التعرف على اختراعات جديدة. في البداية أحضروا المغناطيس.”

المغناطيس اكتشاف قديم للغاية لدرجة أنه كان معروفًا لتجار سفن الجنك من سلالة هان الصينية في القرن الثاني قبل الميلاد. لكنها بالنسبة لوالد الكولونيل مازالت “اختراع جديد” رائع. وإعادة اكتشافه لروعته متبوعة بوقت قصير بإعادة اكتشافه للتلسكوب، والأسطرلاب، والبوصلة، وآلة السدس الفلكية. كل تقنيات الملاحة القديمة تلك هي اكتشافات جديدة لوالد الكولونيل، وبها، يقوم بإعادة اكتشاف رائعة: “الأرض كروية، كالبرتقالة.” لأن طوال أعوامه السابقة، كان يقطن والد الكولونيل أرضًا مسطحة. لكنه الآن قد عثر على عالمنا الكروي مرة أخرى.

لماذا تقودنا “مئة عام من العزلة” عبر كل إعادات الاكتشاف تلك؟ لماذا تقدم وتعيد تقديم العالم القديم لنا بلا رحمة على هيئة عالم جديد؟ يعود ذلك إلى “الومضة” التي أعاد من خلالها ماركيز اكتشاف طريقة حكي جدته. لأن في هذه الومضة، حدث شيء خاص إلى عقله.

علم إعادة الاكتشاف

جابرييل جارسيا ماركيز
جابرييل جارسيا ماركيز

عقلنا قادر على فعل عمل غريب معروف باسم إعادة التعلم

تستفيد عملية إعادة التعلم من قدرتنا على النسيان، وهو العصب المقابل، لكن ليس تمامًا، للتعلم. يحدث التعلم حين تصنع أعصابنا روابط متشابكة جديدة، ويحدث النسيان حين تتقلص هذه الروابط. لكن ما يثير الفضول، أن عقلنا ينسى بمعدل مذهل أكثر مما يتعلم: يمكن للروابط المتشابكة الأولى أن تذبلَ في دقائق، بينما قد تظل آخرها لأعوام، متشبثة بشذرات مبعثرة من دروس الحياة القديمة.

لماذا تعمل أعصابنا هكذا؟ لماذا لا تختار أن تتذكر أو تختار أن تنسى؟ إذا فكرت أعصابنا أن تلك الذكرى المعينة قد يكون لها أهمية في المستقبل، لماذا لا تتمسك بها وتحافظ عليها؟ أو إذا فكرت أن تلك الذكرى الأخرى ليس لها أهمية بعد الآن، لماذا لا تحذفها تمامًا؟ لماذا يبني عقلنا مكتبة من الكتب بصفحات نصف محذوفة؟

لا يوجد حل لهذا اللغز. تبلور عقلنا عشوائيًا عن طريق الانتخاب الطبيعي، لهذا فهو لا يعرف  الحل (ولم يعرف أبدًا). لكن برغم أن السبب المنطقي وراء طريقة أعصابنا في النسيان هو في الحقيقة غير موجود، فإن له مزاياه.

حين لا ننسى طوال حياتنا، يمكننا أن نوفر الوقت: الأسرع أن نعيد تعلم ركوب الدراجة من أن نتعلمه مرة أخرى من البداية. وإعادة التعلم له فائدة أخرى أيضًا: إنه يتيح لنا أن نتعلم بشكل مختلف في الجولة الثانية.

 في إعادة التعلم، تصنع أعصابنا روابط جديدة توجدُ مع الروابط المتبقية، صانعة مزيجًا من التعلم القديم والجديد. وأحيانًا يؤدي هذا الهجين إلى إنجاز إبداعي: كأن نخترع طريقة جديدة لركوب الدراجة مختلفة عن تلك التي يعرفها عقلنا.

لذا، بالنسيان ثم إعادة التعلم، نصنع فرصة لنوع خاص من الإكتشاف الذي يقدم لنا الحكمة من الماضي لكن أيضًا نظرة جديدة من الحاضر. إذا لم نكن قد تعلمنا من البداية، فلن يكون لنا سوى منظورنا الحالي ليرشدنا. إذا لم ننسى أبدًا، فسنكرر تاريخنا في حلقة لا نهائية.

تثري عملية إعادة التعلم تلك حياتنا كل يوم. إذا كنت تريد أن ترى لمحة منها الآن، فقط اذهب إلى مكتبتك وامسك رواية قرأتها منذ أعوام. بينما تقلب الصفحات، ستشعر بعقلك يضفّر تفاصيل مازال يتذكرها مع تفاصيل أخرى جديدة لم يستوعبها من قبل، خالطًا النوستالجيا بلحظات الإدراك، جاعلًا الرواية تشعر بأنها رواية مرة أخرى.

وإعادة التعلم ليس فقط شيئًا نفعله بشكل فردي. إنه شيء نفعله بشكل جماعي أيضًا. شيء يمكن أن يغيّر عالمنا.

أن نعيد التعلم معًا

الأسطرلاب العربي
الأسطرلاب العربي

على كل جيل أن يعيد تعلم الخبرات من الجيل السابق. وقد اكتشف علماء الأنثروبولوجيا أن تلك العملية الإجتماعية تحاكي عملية إعادة التعلم في عقلنا. يكتسب كل جيل الخبرات الموجودة بشكل أسرع، بمساعدة توجيه الجيل السابق. لكن كل جيل يأتي ومعه وجهات نظر جديدة قد تُثمر اكتشافات أصلية.

واحدة من تلك الاكتشافات حدث عن طريق تلك الأدوات الفلكية –الإسطرلاب وآلة السدس- التي أعاد والد الكولونيل اكتشافها في مئة عام من العزلة. كانت تلك الأدوات تستخدم في القرن السادس عشر في مدينة بشمال بولندا من قِبل نيكولاس كوبرنيكوس، عالم فلك أمضى لياليه يدرس أماكن الأبراج.

قبل ثلاث مئة عام، تم تسجيل هذه الأماكن عن طريق علماء الفلك العرب في كتاب ضخم، هو “جداول ألفونسين”، الذي كان يرجع إليه كوبرنيكوس كل ليلة بعناية. لكن حين أخذ كوبرنيكوس الإسطرلاب وآلة السدس الخاصين به لكي يراجع قياسات السماء من الماضي، اكتشف اكتشافًا غير مسبوق: الأرض ليست في مركز الكون، كما فكر علماء الفلك العرب. لا، كانت الأرض تدور حول الشمس.

كان ذلك تبصّرًا مذهلًا- مذهلًا للغاية لدرجة أن كوبرنيكوس قد انتظر لأكثر من عشرين عامًا، حتى الدقائق الأخيرة من حياته، ليعلن: “لقد أدركت كم سيكون هذا الإعلان غريبًا لهؤلاء الذين عرفوا أن حكمة القرون السابقة قد وضعت الأرض ثابتة في منتصف الكون، لو أنني، على العكس، أكدتُ أن الأرض تتحرك”.

وما جعل اكتشاف كوبرنيكوس غريبًا بالتحديد هو أنه لم يكن مبنيًا على أي دليل جديد: الأبراج كانت في مكانها الذي حدده علماء الفلك العرب قبل قرون. الأمر الوحيد المختلف هو منظور كوبرنيكوس. لقرون، كان علم الفلك محبوسًا في عُرف متزمت داخل العقل: الأرض ثابتة.. الأرض ثابتة.. الأرض ثابتة.. الأرض ثابتة. لكن بإعادة تعلم فهرس النجوم من جديد، أرشدنا كوبرنيكوس إلى عالم جديد.

عالم قد حلّقَ.

إعادة الاكتشاف الكوبرنيكية في “مئة عام من العزلة”

جابرييل جارسيا ماركيز
جابرييل جارسيا ماركيز

نشأت “مئة عام من العزلة” في إعادة الاكتشاف الكوبرنيكية الخاصة بجابريل جارثيا ماركيز: “عليّ أن أقول الحكاية بنفس الطريقة التي قالت جدتي حكايتها بها”.

عن طريق إعادة تعلم طريقة جدته القديمة في الحكي، بدأ ماركيز يسرد حكاية لا تشبه أي حكاية سابقة. وتلك الحكاية مترعة بإعادة الاكتشافات الكوبرنيكية الخاصة بها، حينما تسافر والدة الكولونيل، أورسولا، إلى الأراضي خارج قرية ماكوندو. لتقوم بتلك الرحلة، تتتبع أورسولا آثار الأقدام المبكرة لزوجها. لكن على عكس زوجها، لا تعود خاوية الوفاض. إنها تعود مع حفنة من البشر يبدون متشابهين، لكن مختلفين في نفس الوقت:

لقد جاءوا من الجانب الآخر من المستنقع، فقط على مسافة يومين، حيث كانت مدن قد تلقت البريد كل شهر من العام وحيث كانوا يعرفون وسائل العيش الكريم.

مثل كوبرنيكوس، أخذت أورسولا المسار القديم إلى المكان القديم-ووجدت عالمًا جديدًا.

تلك هي اللحظة الأكثر أملًا في رواية ماركيز. ببطء، سينحسر جو إعادة الاكتشاف بعيدًا. ستنسى الشخصيات أكثر وأكثر عن الماضي، مصيبين كل جيل لاحق بلعنة تكرار التاريخ بدلًا من إعادة تعلّمه. لكن برغم أن شخصيات “مئة عام” تنتهي في دوائر مفرغة إلى اللامكان، تتغير الرواية نفسها عن طريق تقديم خريطة ثورة أورسولا.

يحدث هذا التقديم عن طريق اختراع أدبي نشأ عن طريق خطوات استرجاع أخرى، هذه المرة نعود إلى الاكتشاف الأدبي القديم أن اللغة الشعرية ليست مشابهة تمامًا للغة العادية. اللغة العادية هي: “وردة زرقاء”. “a blue flower” اللغة الشعرية: “زرقاء الوردة”. “a flower blue”

لماذا تعمل اللغة الشعرية هكذا؟ لماذا تضع الكلمات في أماكن غير معتادة؟ الشعراء، ربما مدفوعين مثل عقولنا بقوى تطويرية عمياء، لم يشرحوا لنا ذلك. لكن قبل قرنين، افترض الشاعر الغنائي الإنجليزي صمويل تايلر كولريدج في مذكراته المترعة بالأفيون Biographia Literaria (1817) أن اللغة الشعرية تعيد ترتيب الحديث العادي من أجل “إعادة التكوين”. إذا كتب الشعراء ببساطة “وردة زرقاء”، فسنمر عليها سريعًا، خالطين الوردة مع كل الورود الزرقاء التي رأيناها من قبل. لكن لأن الشعراء كتبوا “زرقاء الوردة”، ترى عينانا الوردة في ضوء أصلي، بعد أن أعدنا تكوين جمالها في عقلنا.

أكد علماء النفس منذ ذلك الوقت أن كولريدج كان على حق: تُطلق العبارات الشعرية دفقة من الدوبامين المهدء للعقل الذي يخلط ذكرياتنا الموجودة بمنظور عقلي جديد. يكسر ذلك الخليط عاداتنا السابقة في القراءة، يغيّر شكل الأشياء التي رأيناها عادية ومملة، ويلهمنا لكي نرى تفاصيل جديدة، نقاط تركيز جديدة، فرص جديدة للاكتشاف.

تلك الدَفعة الشعرية من أجل إعادة التعلم يمكن أن نجدها على طول “مئة عام من العزلة”. من افتتاحية الرواية، يندفع النثر بالصياغات غير المتوقعة: “نهر من شفافية المياه”…”بيضاء الحجارة وضخمة، كبيض من عصر قديم”…”أيادٍ عصفورية”…”الكيميائيين المحنكين”…”يأس المسامير والبراغي”. وهذا الاختراع القديم لم يتم إعادة اكتشافه من قبل “مئة عام من العزلة” فقط. لقد تم تطويره أيضًا.

المصدر: Poetic Language and the Science of Rediscovery in One Hundred Years of Solitude

 إقرأ أيضا: قضايا العرب لاتينيًّا.. الأدب والسياسة في أمريكا الجنوبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى