وجهات نظر

كيف ساعد المال والإمبراطورية والدين في تأسيس رؤية إنسانية عالمية؟

متى ظهرت فكرة الرؤية الإنسانية العالمية؟ وكيف تحولت المجتمعات البشرية القديمة من حالة العزلة والانغلاق والتوحد التي عاشت فيها لفترات طويلة، لتؤسس لنظام إنساني يجمع البشر من مختلف الأعراق والأجناس والثقافات ليصهرهم جميعاً في بوتقة واحدة؟

هذا السؤال المهم تعرض له المؤرخ يوفال نوح هراري، وأفرد مساحة واسعة لمناقشته في كتابه ذائع الصيت “العاقل”.

 هراري، هو مؤرخ متخصص في تاريخ القرون الوسطى والتاريخ العسكري، وقد حظي كتابه “العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري” بشهرة واسعة في الأوساط الأكاديمية الغربية، فتمت ترجمته لما يزيد عن الأربعين لغة، في الوقت الذي حقق فيه ترتيباً متقدماً في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً حول العالم.

للإجابة على السؤال السابق، يؤكد هراري في كتابه أن البشر قد اعتادوا منذ آلاف السنين على تقسيم العالم إلى معسكرين، نحن وهم، وقد بقي هذا التقسيم قائماً بشكله النمطي الاعتيادي حتى الألف الأول قبل الميلاد.

في تلك الألفية تحديداً، بدأ شكل العالم في التغير من خلال “ثلاث أنظمة عالمية محتملة، استطاع أنصارها ولأول مرة تخيل العالم بأكمله والبشرية جمعاء كوحدة واحدة محكومة بمجموعة واحدة من القوانين… النظام العالمي الأول كان اقتصادياً: النظام النقدي، أما النظام العالمي الثاني فكان سياسياً: النظام الإمبراطوري، وكان النظام العالمي الثالث دينياً: نظام الديانات العالمية كالبوذية والمسيحية والإسلام”.

العامل الأول: المال

 لم تكن هناك حاجة مُلحة لظهور المال في عصر الجمع والالتقاط، وكذلك في بدايات عصر الثورة الزراعية. التغير الحقيقي وقع مع بدايات نمو المدن والممالك، لأنه وفي تلك المرحلة التاريخية تحديداً، ومع تزايد أعداد السكان من جهة، وتنوع أوجه النشاط الاقتصادي من جهة أخرى، أدركت المجتمعات الإنسانية أن نظام المقايضة التقليدي، لم يعد يفي باحتياجات التبادل التجاري، ومن هنا ظهر المال.

يضرب هراري مثالاً توضيحياً ليبيّن عجز المقايضة في تلك الفترة، فيقول “تخيّل أنك تملك بستان تفاح في بلدة… وأنك تعمل بجد حتى أن حذائك قد بلي، فتذهب حينها لصانع الأحذية، فكم عليه أن يطلب من التفاح مقابل الحذاء؟”

المقايضة لن تتم بتلك البساطة، فسيكون على كل من بائع التفاح وصانع الأحذية التفكير جيداً، وربط السعر النسبي لخدماتهما مع عشرات الخدمات الأخرى المعروفة في المدينة، قبل أن يحدد أي منهما المقابل الذي يطلبه للحصول على التفاح/ الحذاء.

لتوضيح حجم المشكلة، يقول هراري إن في اقتصاد كاقتصاد المقايضة، لو افترضنا أن هناك 100 سلعة/ خدمة مختلفة في السوق، فعلى كل من البائعين والمشترين أن يعرفوا 4950 نسبة تبادل مختلفة، أما لو افترضنا أن هناك 1000 سلعة/ خدمة، فهذا يعني أن 499500 نسبة تبادل، وهو أمر من المستحيل الإحاطة به بطبيعة الحال.

المال ظهر للتغلب على تلك المشكلة، في بلاد الرافدين، وفي 3000 ق.م تقريباً، اعتمد أهل سومر على نظام السيلة، والتي هي عبارة عن طاسات موحدة، تُقاس بها كميات الشعير، وكان سعر كل سلعة يُحدد بناء على ما يكافئها من طاسات الشعير، بمعنى أن الشعير كان هو النظام المالي الأول في التاريخ.

الصعوبات المرتبطة بعمليات نقل وتخزين الشعير، تسببت في التحول إلى الفضة، فظهر ما عُرف بالشيكل الفضي.

الشيكل الفضي لم يكن عملة معدنية بل كان 8.33 غراماً من الفضة، أما القطع النقدية الأولى فقد ضُربت في حدود 640 ق.م من قِبل الملك ألياتس من مملكة ليديا الواقعة في غرب الأناضول.

يتحدث هراري عن مزايا العملات المعدنية التي سمحت لها بالبقاء على مدار آلاف السنين، فيقول إن العلامة المطبوعة على العملة المعدنية تشهد على قيمتها بالضبط، بدون الحاجة إلى وزنها من جديد للتعرف على عدد جراماتها.

من هنا نشأ الارتباط الوثيق بين العملة والسلطة، فالناس اعتادت أن تقبل على التداول بعملة معينة لثقتهم في الجهة التي وضعت ختمها عليها، وهو الأمر الذي يفسر اعتبار “تزوير النقود دائماً جرماً أخطر من غيره من أعمال الخداع، فالتزوير ليس مجرد خداع، فهو خرق للسيادة، وهو عمل من أعمال التخريب ضد سلطة الملك وامتيازاته وشخصه…”.

بحسب هراري، فأن شيوع نظام مالي موحد في العالم القديم –أفريقيا وأسيا وأوروبا- قد عبّد السبل لتوحيد تلك المنطقة من خلال التعاملات التجارية واسعة النطاق، والتي نقلت السلع بين الهند والقارة الأوروبية عبر طريق الحرير المار في بلدان الشرق الأدنى القديم، ومن هنا، فلم يكن من الغريب أن نجد أن الناس في تلك الأقاليم وإن اختلفت في الألهة التي تعبدها، وفي الملوك الذين يحكمونهم، إلا أنهم جميعاً في نهاية المطاف، كانوا يتعاملون بسلة من العملات الذهبية والفضية، ويفسر هذا لم شاع استخدام الدينار المرابطي الذهبي المربع بين الدول الأوروبية المسيحية، في الوقت الذي تعامل المسلمون على حوض البحر المتوسط مع التجار الإيطاليين بالدنانير المسيحية التي دونت عليها عبارات التثليث.

العامل الثاني: الإمبراطورية

يُعرّف هراري الإمبراطورية على كونها نظام سياسي يتمتع بخاصيتين متمايزتين، الخاصية الأولى، أنه يضم عدداً كبيراً من الشعوب والأقاليم المتباينة اللغة والمختلفة الثقافة، أما الخاصية الثانية، فتتمثل في حدوده المرنة بشكل لا يصدق، إذ بوسع هذا النظام دائماً أن يتمدد ليضم أجزاء من الأقاليم والبلدان والمناطق المتاخمة له.

المساحة ليست المحدد الأهم للإمبراطورية، فقد تظهر إمبراطوريات ضخمة كما فعل الفرس في القرن الخامس قبل الميلاد، وكما فعل الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، وقد تظهر إمبراطوريات محدودة المساحة، كما وقع في إمبراطورية الأزيتيك التي ضمت ما يزيد عن ثلاثمائة شعباً ومجموعة عرقية مختلفة، في وحدة سياسية واحدة، على مساحة أصغر من مساحة المكسيك الحالية، في القرن الخامس عشر الميلادي.

تُعدّ الإمبراطورية الأكادية التي أسسها سرجون العظيم في حدود 2250 ق.م، أول إمبراطورية تصل أخبارها إلينا، وقد ضمت أجزاء واسعة من الخليج الفارسي وبلاد الرافدين وسوريا. رغم أن تجربة سرجون لم تظل قائمة لفترة طويلة، إلا أن خلفائه من ملوك أشور وبابل وفارس، قد اقتدوا به، ليصبح ملهمهم الأول، فعمل أباطرة تلك الدول على توسيع نفوذهم لأقصى حد ممكن، لدرجة أن كورش الفارسي قد فرض سلطانه على مساحات واسعة من أسيا، بما يزيد أضعافاً مضاعفة عن مساحة إمبراطورية سرجون نفسه.

يؤكد هراري أن هذا التحول الإمبراطوري قد أثر كثيراً في تطور النظرة الإنسانية إلى العالم، فمثلاً، نجد كورش يسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين، ويمنحهم الأموال اللازمة لإعادة بناء هيكلهم المقدس “لم ير كورش نفسه ملكاً فارسياً يحكم اليهود، بل كان أيضاً ملكاً لليهود، لذا كان مسؤولاً عن رفاههم”.

ليس معنى هذا أن التحول الإمبراطوري قد وقع بشكل بسيط أو سلس، بل على العكس تماماً، فقد عانت الكثير من المجموعات البشرية التي رفضت الانضواء تحت لواء الحكم الإمبراطوري، واستغرقت عملية الاستيعاب الثقافي سنين طويلة في الكثير من الحالات “كانت عملية الاستيعاب مؤلمة وصادمة غالباً، فليس من السهل التخلي عن التقاليد المحلية المألوفة والأثيرة، تماماً كما أنه من الصعب والمُجهد فهم وتبني ثقافة جديدة، والأسوأ من ذلك، أنه حتى عندما نجحت الشعوب الخاضعة في تبني الثقافة الإمبريالية، فربما أستغرق الأمر عقوداً إن لم يكن قروناً حتى قبلتها النخب الإمبريالية كجزء من نحن…”.

من هنا فأن هراري يضع ما يسميه “بمخطط الدورة الإمبراطورية”، والتي تبدأ أولى مراحلها بتأسيس مجموعة بشرية صغيرة لإمبراطورية تكبر وتتضخم مع مرور الوقت، بعدها تُصاغ ثقافة إمبريالية مميزة، وهي الثقافة التي ستتبناها الشعوب المغلوبة والخاضعة بمرور الوقت وتعاقب السنين، وبعدها تطالب تلك الشعوب بحقوقها بموجب الثقافة الإمبراطورية المشتركة وهو الأمر الذي يحاول أصحاب الإمبراطورية عرقلته ولكنهم يفشلون في نهاية المطاف، فتنتهي سيادتهم المطلقة وتشاركهم العناصر الأخرى الحكم، وتبقى الإمبراطورية قائمة مع وقوع تغير كبير في هوية الحكام.

إذا ما حاولنا تطبيق القاعدة التي قال بها هراري على الإمبراطورية الإسلامية كمثال سنجد أنها صحيحة إلى حد بعيد، فقد بدأت تلك الإمبراطورية على يد العرب الخارجين من شبه الجزيرة العربية والذين تمكنوا خلال فترة قصيرة، من التوسع في كل من مصر والعراق والشام وفارس والمغرب الكبير، وقد رفعوا راية الإسلام الذي يدعو للمساواة بين البشر، وبعد فترة قصيرة تحولت الشعوب المغلوبة إلى الإسلام وطالبت بحقها في التساوي بالعرب، ورغم الرفض ومحاولة الحفاظ على المسافة التي تفصل بين العرب من جهة وبقية الشعوب من جهة أخرى، فقد تمكنت تلك الشعوب في نهاية الأمر من الوصول للحكم، فظهرت السلالات الحاكمة الفارسية والتركية.

إذن، رغم كل سهام الانتقاد التي توجه للنظام الإمبراطوري، فقد كانت له أهمية كبرى في التقريب بين البشر إذ “كانت الإمبراطوريات أحد أهم أسباب التقليص الحاد للتنوع البشري، طمست آلة الرصف الإمبراطورية تدريجياً الخصائص الفريدة للعديد من الشعوب، مشكلة منهم مجموعات جديدة أكبر بكثير”.

العامل الثالث: الدين

يبدأ المؤلف حديثه عن الدين بقوله “غالباً ما يُعتبر الدين هذه الأيام مصدراً للتمييز والخلاف والفرقة، مع ذلك كان الدين في الواقع الموجد العظيم الثالث للبشرية، جنباً إلى جنب مع المال والإمبراطوريات”.

من المعروف أن البشر قد عرفوا الدين في صورته الأولى من خلال مجموعة من المعبودات الوثنية المحلية المستمدة بالأساس من قوى الطبيعة التي تحيط بالإنسان، مثل الشجر والبرق والقمر والماء والنار، ولكن بعد فترة طويلة، انتقل البشر للأديان التوحيدية التي عُبد فيها إله واحد فقط، وكان المعبود المصري أتون المُمثل في قرص الشمس، هو مركز أول ديانة توحيدية معروفة، إذ نادى الملك المصري أمنحتب الرابع -إخناتون- بعبادته، ونجح في دفع  الدولة المصرية دفعاً ناحية التوحيد، ولكن كل هذا أنتهى بعد فترة قصيرة على يد كهنة أمون الذين كرهوا اجتماع كل المعبودات في إله واحد.

يرى هراري أن الشكل الوثني التعددي للدين قد تطور في شكل مرحلتين متمايزتين، وهما الأديان الثنوية، والأديان التوحيدية، على الترتيب. الأديان الثنوية هي تلك التي تؤمن بوجود سلطتين في الكون، الأولى هي قوة الخير والثانية هي قوة الشر، ويؤمن أتباعها بأن هناك صراعاً يدور بين القوتين على مر التاريخ.

تُعدّ الديانة الزرادشتية -التي ظهرت في مكان ما من أسيا الوسطى في وقت غير محدد ما بين 1500-1000ق.م- أهم الديانات الثنوية التي ظهرت على الأرض، وفيها يظهر الصراع بين الإله أهورا مزدا إله الخير، والإله أهرمان إله الشر، وتفسر الزرادشتية حركة التاريخ الإنساني على كونها نتائج للصراع المحتدم بين الإلهين.

طبعاً، كانت تلك النظرية التفسيرية حاضرة لدعم فكرة التمايز بين نحن وهم، وتناغم هذا مع التنافس البشري في الكثير من المراحل التاريخية، ولكن الصيغة الأكثر تطوراً من الدين -وهي الصيغة التوحيدية- مالت أكثر لصالح الجمع والوئام بين البشر.

الأديان التوحيدية التبشيرية الكبرى، والتي تمتعت بالصفة التبشيرية، قدمت رؤيتها التي تقول إنه بوسع أي إنسان أن يعتنقها وأن ينضم لجماعتها، وهو الأمر الذي لم يكن متاحاً لبعض الديانات التوحيدية الأخرى الأقدم، ومنها اليهودية التي عرفت نفسها على كونها ديانة عرقية لشعب بني إسرائيل المختار.

البوذية والمسيحية والإسلام، هم أهم الأديان التوحيدية العالمية التي ساعدت في خلق وحدة هائلة بين مجموعات مختلفة من البشر. على سبيل المثال، كافح شاؤول الطرسوسي -الذي عُرف بعد تحوله للمسيحية باسم بولس- في سبيل نقل المسيحية لأوروبا والأناضول، وبذلك خرجت المسيحية من كونها ديانة محلية لليهود، لتنتشر بشكل سريع للغاية بين مختلف الشعوب، في خطوة تمهيدية للتطور الأهم الذي سيلحق بها عندما يعتنقها الإمبراطور قنسطنطين الأول، وما سيلحق بذلك من اعتمادها كدين رسمي للإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور ثيودسيوس العظيم.

الإسلام أيضاً قدم نفسه على كونه ديناً عالمياً، فهو وإن انبثق في لحظته الأولى من رحم شبه الجزيرة العربية، إلا أنه استهدف الناس من جميع الأجناس ومن شتى الأعراق، ويظهر ذلك في عدد كبير من الآيات القرآنية وفي الكثير من أحداث ووقائع السيرة النبوية، ومن ذلك ما ورد في سورة الأنبياء “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”، وكذلك ما جرى في العام السابع من الهجرة النبوية، عندما أرسل الرسول بعدد من الرسل لحكام وملوك مصر وفارس وبيزنطة والحبشة، لدعوتهم ودعوة شعوبهم لاعتناق الإسلام.

الإسلام تمكن من الانتشار فعلاً بين تلك الشعوب في مرحلة تاريخية لاحقة، وذلك بعد انتهاء موجات التوسع الإسلامي الإمبريالي، والتي تمكنت من نشر الإسلام في مساحات هائلة تمتد من الصين والهند في أقصى الشرق إلى شبه الجزيرة الأيبيرية في أقصى الغرب.

وهكذا يؤكد يوفال نوح هراري على أهمية العوامل الثلاثة -المال والإمبراطورية والدين- في تشكيل رؤية موحدة للعالم، تعتمد على وجود نظام عالمي يستبدل نظرة الأنا والأخر/ نحن وهم، بنظرة مقابلة تقوم على الدعوة لوحدة الجنس البشري.

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى