سياسة

كيف ستتعامل حكومات الشرق الأوسط مع حركة طالبان؟

في تطور دراماتيكي، استطاعت حركة “طالبان” – والتي أطيح بها من الحكم في بداية الألفية الثانية -أن تعود مرة أخرى إلى السلطة بعد استيلاءها على العاصمة كابول وعلى معظم الأراضي الأفغانية، بعد الانسحاب الأمريكي، وهزيمة القوات الحكومية، وكان أحد أبرز الأسئلة المطروحة هو كيف ستتعامل دول العالم مع حكومة طالبان المتشددة بعد أن أصبح وجودها أمرا واقعيا، وهيمنتها على إدارة الأمور وحدها هناك.

موقع (  The National Interest) نشر مقالا للكاتب الخليجي خالد الجابر، يناقش فيه المواقف المركبة المحتمل اتخاذها من قبل بعض أبرز دول الشرق الأوسط حيال حكومة طالبان، ومدى إمكانية التكيف مع هذا المتغير الجديد في السلطة.

ـــــ

منذ أن سيطرت حركة «طالبان» على العاصمة كابول في 15 أغسطس (آب) الماضي، لم تعترف أي حكومة بـ«الإمارة الإسلامية» كحكومة شرعية لأفغانستان. وفي هذه اللحظة الفارقة، تعمل الحركة جاهدة لانتزاع اعتراف رسمي على الصعيد الدولي، على الرغم من أنه ليس واضحًا ما إذا كانت جهودها ستكلل بالنجاح أم لا. إن إرث الحركة الناتج عن حكمها البلاد (1996-2001)، واستيلاءها على السلطة بالقوة بدلًا من المفاوضات، والشكوك التي لا حصر لها على الأرض، تساعد جميعها في تفسير سبب عدم اعتراف أي دولة حتى الآن بـ«النسخة الثانية من حركة (طالبان)» كإدارة شرعية للبلاد.

ومع ذلك، فإن تلك المقاربة –الرافضة للتعامل مع «طالبان» على أمل زوالها- أصبحت مستبعدة على نحو كبير؛ حيث تعزز «طالبان» نفوذها على مكتسباتها الإقليمية. وباستثناء مقاطعات رافضة صغيرة مثل «حركة المقاومة الوطنية» في وادي بنجشير، فإن معظم البلاد قد اعترفت عمليًّا بالفعل، إن لم يكن قبلت أيضًا من حيث المبدأ، بأن «طالبان» تشكل الحكومة الجديدة في أفغانستان. وربما ترى هذه الدول أن إقامة علاقات مع الحكومة الجديدة في كابول هو أكثر مسار عمل حكيم، وإن كان غير ملائم لهم. ومع ذلك، هناك أسباب وجيهة لتوقع انقسام المجتمع الدولي حول هذه المسألة.

الموقف الدولي من طالبان

لقد أوضحت معظم الحكومات الغربية بالفعل أنها لا تنوي الاعتراف بـ«الإمارة الإسلامية» المتشددة؛ بينما تحتفظ الصين وإيران وباكستان وروسيا بخيار الاعتراف رسميًّا بحركة «طالبان» على الطاولة، ولكن أيًّا من هذه الدول لم تتخذ تلك الخطوة بعد. الغريب أن الولايات المتحدة قد اتخذت موقفًا وسطًا بين هذين الموقفين. فعلى الرغم من أنها نأت بنفسها عن حركة «طالبان»، أشار المسؤولون الأميركيون إلى أن واشنطن قد تعترف بالحركة إذا كانت تعمل على حماية حقوق الإنسان، وقطعت علاقاتها مع تنظيم «القاعدة». في غضون ذلك، يمكن وصف موقف الهند بأنه غامض في أفضل الأحوال؛ حيث لا توجد التزامات أو رفض من جانب نيودلهي.

ربما تكون الحالة الأكثر إثارة للاهتمام هي حالة دول مجلس التعاون الخليجي. تجد دول الخليج نفسها في مواجهة معضلة جديدة وصعبة فيما يتعلق بنظام «طالبان»؛ حيث إنهم قلقون من عودة «الإمارة الإسلامية» إلى السلطة لأسباب عديدة، بما في ذلك الخوف من تسرب عدم الاستقرار من أفغانستان إلى الخليج، وأن تصبح الدولة الواقعة في غرب آسيا مرة أخرى أرضًا خصبة للجماعات الإرهابية، وهي تهديدات ليست بالجديدة على دول مجلس التعاون الخليجي التي انضم بعض مواطنيها إلى مثل هذه الجماعات، وقاموا بتمويلها في الماضي، بحسب المادة.

خلال الفترة الأولى من حكم حركة «طالبان» (1996-2001)، اعترفت دول ثلاث بسيادتها. الأولى كانت دولة باكستان المشتبه في أنها تسلح الحركة وتمولها منذ فترة طويلة. والاثنتان الأخريان هما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكلتاهما من أعضاء مجلس التعاون الخليجي. ومثلما تفعل روسيا والصين، تراقب هاتان الدولتان العربيتان عن كثب الموقف في أفغانستان، وتتبنيان مقاربة براغماتية للتعامل مع الحكومة الجديدة.

تواجه طالبان أزمة الاعتراف الدولي منذ السيطرة على الحكم

المقاربة البراغماتية تفرض ذاتها

حتى لو تباطأت دول مجلس التعاون الخليجي في اتخاذ قرارات بشأن الاعتراف الرسمي بـ«طالبان»، فمن المرجح أن تجري محادثات غير رسمية بين حكومات دول الخليج العربية وحكام كابول الجدد. بالنسبة إلى السعوديين، من المرجح أن تمر قنوات اتصالهم بحركة «طالبان» عبر باكستان التي نجحت في تحقيق إنجاز غير متوقع، يتمثل في الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل من دول مجلس التعاون الخليجي، ومنافستها الإقليمية إيران. وبحسب أحد الدبلوماسيين الأجانب في المملكة العربية السعودية، لن يكون أمام الرياض «خيار آخر» سوى قبول «طالبان» مرة أخرى، لا سيما عند أخذ «العلاقة التاريخية» بين البلدين بعين الاعتبار.

من المرجح أن تسلك المملكة العربية السعودية نهجًا معتدلًا. ونظرًا لأن القيادة السعودية الجديدة دافعت عن «الإسلام المعتدل»، فقد تحاول الرياض استخدام نفوذها للضغط على «طالبان» من أجل دفع الجماعة في اتجاه بعيد تمامًا عن التطرف الذي وسم «الإمارة الإسلامية» في التسعينات، وأوائل القرن الحادي والعشرين. كان السعوديون هم الطرف الملام بسبب الإرهاب الإسلاموي على مدى العقود الثلاثة الماضية، ومن مصلحتهم الحد منه أو القضاء عليه. في الوقت نفسه، تُجري الرياض محادثات مع واشنطن، وقد يكون دعم الرؤية الأميركي بشأن أفغانستان مفيدًا سياسيًّا لقيادة البلاد.

من ناحية أخرى، فإن القيادة السياسية في أبوظبي التي تعارض بشدة جميع أشكال الإسلام السياسي تقريبًا، لن ترحب بالتأكيد بعودة «طالبان» إلى السلطة. إن استضافة الإمارات للرئيس السابق أشرف غني، المتهم بالاستيلاء على ما يقرب من 170 مليون دولار نقدًا من البنك المركزي للبلاد لدى هروبه، تؤكد هذه النقطة.

ومع ذلك، فإن الإماراتيين معروفون باتباعهم لسياسة خارجية واقعية. وقد أظهرت الإمارات قدرتها على العمل براجماتية مع أنواع مختلفة من الأنظمة السياسية، بغض النظر عن الاختلافات الأيديولوجية. وحتى لو كان من الصعب أن نتخيل وجود اعتراف رسمي من أبوظبي بـ«طالبان»، فمن الآمن افتراض أن الإمارات العربية المتحدة ستتعامل مع «طالبان» على مستوى ما، في حالة إحكام قبضتها على السلطة في أفغانستان، البلد الذي بدأ فيه الإماراتيون دورًا عسكريًّا في عام 2001.

تمثل قطر حالة مثيرة للاهتمام. فمنذ عام 2013 فصاعدًا، احتفظت «طالبان» بمكتب لها في العاصمة القطرية الدوحة، ولعبت قطر دور الوسيط في المفاوضات التي جرت بين الحركة والولايات المتحدة وإدارة الرئيس غني قبل حلها في أغسطس الماضي. وكجسر دبلوماسي بين «طالبان» والغرب، تجد الدوحة نفسها في موقف مميز، بعد أن أبرزت نفسها من خلال المساعدة في عمليات الإجلاء من مطار كابول؛ إذ تعمل على جعل نفسها مفيدة على نحو متزايد للولايات المتحدة خلال هذه الفترة الصعبة في أفغانستان.

تمتلك قطر ميزة استضافة مباحثات السلام بين طالبان وأمريكا

اقرأ أيضا: الشوبكي لـ”ذات مصر” : طالبان ستلجأ للمواءمات السياسية دون التخلي عن أفكارها المتشددة

أول المعترفين بطالبان

لكن هل ستكون قطر هي الدولة الأولى التي تعترف بـ«طالبان»؟ من الصعب قول ذلك. فمن ناحية، تبذل الدولة الخليجية الغنية بالغاز جهودها لإظهار دعمها لضامنها الأمني، الولايات المتحدة، وهو الطرف الملتزم بمحاولة عزل «طالبان» دوليًّا. ومن ناحية أخرى، إذا كانت «طالبان» ستحتفظ بالسلطة على المدى الطويل، وإذا أرادت قطر زيادة نفوذها في أفغانستان، فإن المسؤولين في الدوحة يدركون أنه سيكون من الصعب تحقيق هذا الهدف دون وجود علاقة رسمية مع حكومة الأمر الواقع في كابول. وتتمثل إحدى طرق فهم الإجراءات المحتملة لقطر في أفغانستان في النظر إليها في سياق الصراعات الجيوسياسية الأوسع، مثل الحصار الذي دام 4 سنوات على الدولة، من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر، والذي ظلت التوترات بشأنه قائمة حتى بعد انفراج الأزمة رسميًّا في يناير (كانون الثاني) 2021.

في الوقت الراهن، يتصرف القطريون، مثلهم مثل السعوديين والإماراتيين، بحذر فيما يتعلق بأفغانستان. وبينما واصلت الدوحة لعب دور الوساطة في عملية الإجلاء، من المرجح أن تتخذ قطر قرارها بشأن مسألة الاعتراف الرسمي بالحركة في المستقبل. وبغض النظر عن كيفية تعامل الدوحة مع التطورات في أفغانستان، فإن الدور الإنساني الذي لعبته الدولة خلال الفوضى المستمرة أكسبها كثيرًا من النظرة الإيجابية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.

ينظر العالم اليوم بقلق إلى أفغانستان. الدول المجاورة للدولة التي مزقتها الحرب لديها مخاوف جدية بشأن تدفق اللاجئين والأسلحة والمخدرات غير المشروعة والإرهابيين من أفغانستان. وهذه الحكومات لديها أسباب وجيهة للقلق من أن يؤدي حكم «طالبان» إلى اندلاع اضطرابات في جميع أنحاء أفغانستان، ستكون لها تداعيات خطيرة على الإقليم الأوسع.

إن الجدل حول ما إذا كان يجب على الحكومات أن تعترف بـ«طالبان» كحكومة شرعية في البلاد حساس، ومن غير المرجح أن يلقى إجماعًا عالميًّا. ويبدو من المحتمل أن تكون الدولة الأولى التي تدشن رسميًّا علاقات دبلوماسية مع «الإمارة الإسلامية» دولة أوراسية قريبة جغرافيًّا من أفغانستان، ولن يتم تأجيل هذه العلاقات بسبب التفسير الانتقائي لـ«طالبان» لحقوق الإنسان. بدلًا من ذلك، من المحتمل أن تكون الاعتبارات الاقتصادية والأمنية هي الدافع وراء سياساتهم الخارجية تجاه أفغانستان.

في هذه الأثناء، واستنادًا إلى النهج الحالي، ستواصل الحكومات الغربية استخدام أي نفوذ لا تزال تتمتع به لمحاولة الضغط على الدول في جميع أنحاء العالم، لدعم الجهود لعزل «طالبان»، بدلًا من إضفاء الشرعية على الحركة الإسلاموية من خلال الاعتراف بها. ولكن دول الخليج وباكستان والقوى العالمية، مثل الصين وروسيا، تنظر إلى الموقف في أفغانستان مع مراعاة مصالحها الخاصة، مما يعني أنها قد تتعامل مع كابول بشروط مختلفة، ومن شبه المؤكد أن المحاولات الغربية لعزل الحركة، سواء من واشنطن أو لندن أو باريس أو برلين، سوف تفشل.

إجمالًا، في حين أن العمل مع «طالبان» أمر غير معقول بالنسبة لكثيرين في الغرب، فإن بعض التعامل مع الحركة سيؤدي إلى أفضل النتائج للغرب. وفي محاولتها للتأثير على سلوك «طالبان»، يجب أن تكون الولايات المتحدة قادرة على الاعتماد على بعض الحلفاء الإقليميين، وبالتحديد تركيا وقطر، اللتين حافظتا على علاقات جيدة نسبيًّا مع الحركة. وإذا تمكنت واشنطن من تقديم استراتيجية موحدة بالتنسيق مع هؤلاء الشركاء، فقد تكون قادرة على منع «طالبان» من تلقي أجندتها من دولة أخرى مثل إيران أو روسيا أو باكستان، مما يجعلها أقل تقبلًا للمصالح الأميركية. ومع ذلك، إذا لم تفعل الولايات المتحدة شيئًا لتحقيق أهدافها، فلن يكون لها رصيد كافٍ للشكوى إذا عادت أفغانستان لتشبه حالتها المؤسفة التي كانت عليها في التسعينات.

المقال الأصلي: اضغط هنا

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى