وجهات نظر

كيف عقلن مزاجنجي الضحكة؟

كان فيلم «الكيف» المنبه الأول لوعي جيلنا. كيف يتاح للخفة أن تكون وازنة بقدر ما هي ساخرة! وكيف يمسي الثقل عاجزًا بقدر ما هو جاد وحازم! وكيف تهترئ القيم فلا تكاد تصمد أمام لكزات الفكاهة!

تتبَّع الكاتب والسيناريست محمود أبو زيد ما صنفه برجسون عن «الضحك»، مقررًا أنه «لكي يصيب الضحك عليه أن ينطلق من عمل فكري»، فهو عملية عقلية أكثر منها وجدانية؛ إذ يتسم الضحك بالمعقولية حتى في أبعد فلتاته، لينفي عنه الفيلسوف الفرنسي ما ألصق به من لهو وعبث، على اعتبار أن الضحك مسألة اجتماعية تحدد أطرها الثقافة، وفن يُستخدم للترويح عن النفس، وتعبير عن الذكاء البشري لا يكون إلا عند اتصال عقل بعقول أخرى.

أجاد أبو زيد عرض نصه بعدما عبر هذا الباب، وجاءت الضحكة المستخرجة من المشاهد على غرار صورة التقطها شوبنهاور للضحك، أنه يكون نتاجًا لمفاجأة تقع عند إدراك عدم التطابق بين الفكرة التي ترد إلى الذهن والشيء المضحك؛ حيث كان من المفترض أن يتشابها.

في تلك الناحية امتاز بطل أبو زيد، مزاجنجي، فبرزت قدرته على صياغة هذا الشكل للمفارقة، فتجنبت عروضه الساخرة إفيهات مقحمة على سيناريو الأحداث، أو أن يتكلف حركات ومواقف تستحث الجمهور على الضحك؛ بل قدَّم نوعًا مختلفًا، عقلن فيه الضحكة، حينما أتقن فن اللعب بالأفكار والألفاظ، وأحكم فن إنتاج المفارقات.

كان متواضعًا -خلافًا لأخيه صلاح- إلى حد السخرية من نفسه، قبل أن يسخر من المجتمع وتقاليده، وتوالت مفاجآته بتوليد المضحك من خلال قلب الأفكار التي ترد إلى الأذهان على غير المتوقع، ورغم مأساويتها النابعة من مفارقة الواقع لقيمه المدعاة، تلونت سخرية مزاجنجي بالتفاؤل والأمل، وعبرت ببلاغة مفجعة عن أزمة الواقع من خلال «مرح كئيب» خالط الوعي فنبهه إلى واقع الأزمة.

رفض مزاجنجي عبر إطلالته السينمائية مسايرة قيم بالية، عجزت عن انتزاع اعتراف حقيقي من مجتمعها، تحرضه روح المشاغبة على الهزء بالجدية والصرامة والوقار التي تلبست حارس القيم «أخاه صلاح»، ليطلق وابلًا من السخرية، أصاب هذه القيم في مقتل، فاضحًا ثغراتها، كاشفًا عيوبها، نافيًا بفعله أي شبهة عن اعتناق إيمان زائف ادعاه غيره.

من خلال تطويع اللغة وتذليل المنطق، شعر مزاجنجي بالتفوق، ليوجه في ثقة نقدًا لمسلَّمات الآخر، وما اعتنقه من رؤى، أو خضع لأحكامه من تقاليد وأعراف. استخدم مزاجنجي الاختزال الذي يتيح له إعادة صياغة الأفكار بصورة فكاهية، لتتعارض العبارات مع مضمونها، فجاءت عباراته الساخرة «مُحِّسنًا أسلوبيًّا» الكلام فيه ليس الجوهر؛ بل ضده ونقيضه.

ومن دقق النظر في سيناريو أبو زيد، سيبصر خطًّا فاصلًا وضعه بين الفكاهة والسخرية، ففكاهته رغم قدرتها على تفادي القيود الأخلاقية، وتخطي عقبات العادات، لـ«تفتح في وجهنا أبوابًا للبهجة، كانت موصدة دوننا في حالة الجدية»؛ لكنها لم تكن معنية باقتحام العالم أو مشاكسته، بينما سخرية أبو زيد على لسان مزاجنجي نشدت تغيير ذلك العالم، لهذا فهي للمفارقة حملت قدرًا لا يستهان به من الجدية.

في إطار تلك الجدية، اعتمد مزاجنجي في محاوراته مع أخيه على السخرية، كاستراتيجية حجاجية تسمح له بالسير البهلواني على حبل اللغة، مستخدمًا التورية المستندة إلى المواربة والتعارض، والمقابلة المريرة بين واقع الحال والمثل العليا، فاضحًا الواقع مدينًا عجز المُثل.

كانت سخرية مزاجنجي بتوصيف الفيلسوف الروسي فلاديمير يانكيليفيتش «تُضحك دون أن تكون لها رغبة في ذلك، وتمرح دون أن تتسلى، بمعنى أنها هازئة، لكن في الوقت ذاته قاتمة، ومرد هذا إلى أنها تُطلق الضحكة لتجمدها فورًا، وتذهب من النقيض إلى النقيض».

إلى جانب ذلك فطبيعة مزاجنجي الساخرة سمحت له -خلافًا لأخيه صلاح- بأن يقف على مسافة من ذاته، ليتعرف على حقيقة ما يؤمن به، وعلى حدود أفكاره وأبعادها، فيقر بكل تواضع نسبية الحقيقة، ما أعفاه من أن يظهر بمظهر المتصلب المتشنج الذي لازم الدكتور صلاح في جميع حواراته مع أخيه الأصغر، وأتاح نزوع مزاجنجي للانفتاح على كل ما هو جديد ومغاير، وكان غاية مراده -كما يذهب كيركجارد- الاستمتاع عبر الشعور بحريته الداخلية التي تكرس للاكتفاء الذاتي.

لم تقف سخرية مزاجنجي بذلك عند عتبة الاستهزاء أو تسفيه النموذج غير المرغوب فيه؛ بل حاصرت التقليدي والمألوف والمكرور والنمطي، فعبثت به وسفهت من قيمته، من خلال استراتيجيتها الحجاجية المشجعة على الشك والباعثة على التساؤل.

ما قدمه أبو زيد من كوميديا تَمَثَّل صورتها الأشد نقاءً، سائرًا على درب ديمقراطيس الذي رأى أن التفلسف هو بالأساس تعلُّم الضحك، فكان للفكاهة التي قدمها مزاجنجي هدف تبتغيه، وقدرة تتحايل لتحقيق ذلك الهدف، من خلال السخرية التي تولِّد المعنى، وتنبه الوعي، وتفضح الزائف، وتُقصي الملتبس، وتحث الآخرين على نزع الأقنعة.

سعى مزاجنجي -متسلحًا بالسخرية- لتأكيد حريته في مواجهة قمع الثوابت وأَسْر التقاليد، نافرًا من الرضوخ لأي سلطة، رافضًا الاعتراف بأية قيمة أو ضرورة. وبينما حاول أخوه صلاح التأكيد على ثبات الحقائق اندفع هو لفضحها، ساخرًا من كل شيء، حتى من ذاته، في تعبير عن مدى الالتباس الذي حكم نظرته لكل شيء. ورغم مأساوية ما انتهى إليه الأخوان؛ فإن ذلك لم ينل من وهج الحياة وعنفوانها الذي امتزج بسخرية مزاجنجي، فانتزع منا الضحكات، بقدر ما بث فينا الأمل والتفاؤل.

 

اقرأ أيضا: في محبة دي مونتين.. الملوك يجلسون على مؤخراتهم أيضا

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى