كيف واجه المصريون فيضان النيل؟

في بلدتي حيث أسكن في شمال الجيزة، في قرية تاريخها قديم للغاية، حيث ورد ذكرها في التحفة السنية ضمن أعمال الجيزة، وذكرها مرتضى الزبيدي في “تاج العروس”، روى لنا الأجداد والجدات حكايات عن كيف كان الفيضان يغمر قريتنا في الأزمنة القديمة، حينها كان كل سكان القرية يتمحورون حول منطقة مرتفعة للغاية -أقرب لتبة- حول ضريح قديم، لا يعرف الناس متى تم بناؤه، يقول البعض من أهل القرية المعمرين إنه لرجل مبروك، يسمى “الشيخ هرميس”، موجود هنا منذ قديم الأزل، يظهر الأمر باديًا في اسمه ذي الأصل الفرعونيِّ.

كان معظم أهل القرية في تلك المنطقة المرتفعة، لأن نهر النيل حينما كان يفيض في فترات الصيف، كان يغمر غالب أراضي البلدة، حينها كان يقوم الأهالي بوضع السدود الصغيرة حول المنازل المبنية بالطوب اللبن والقش، يسهرون ليلًا خوفًا من أن تغمر المياه مساكنهم البسيطة، يتحلقون في المساء يبتهلون لله أن يحفظ الأرض والزرع والماشية الصغيرة.

كل ذلك كان قبل أن يُبنَى سد أسوان في أوائل القرن الماضي، والسد العالي الكبير بعدها بأكثر من خمسين عامًا، لتنتشر بعدها البيوت في كل أراضي القرية المستوية، لكن يبقى الضريح والتبة المرتفعة شاهدين على الملاذ الذي كان يُؤوي الناس من الفيضان الكبير.

يحكي لنا الأجداد أن الفيضان رغم قسوته كان يأتي حاملًا الطمي الغنيّ، والذي كان يعتبر أقرب للسماد الطبيعي، فكان المحصول يخرج وفيرًا مثمرًا.

فيضان النيل قديما

من المعروف أنَّه مع بداية شهر أغسطس من كل عام، تبدأ سنة مائية جديدة، حيث تنهمر الأمطار بغزارة فوق هضبة الحبشة في إثيوبيا، لتنتقل عبر مجرى فروع النيل إلى السودان ومصر. وقد لاحظ المصريون القدماء فيضان النيل وانحساره في أوقات مناسبة، إذ يفيض في الصيف والأرض في أشد الحاجة إلى الماء، وينحسر في وقت يناسب الزراعة، فتُبذر الحبوب، فكانت بداية اهتداء المصريين لفكرة التقويم. ووضع المصريون ما يُعرف بـ”التقويم النيلي”، الذي يبدأ ببداية الفيضان، عندما تصل المياه إلى منطقة استراتيجية مهمة.

لذا اجتهد المصريون القدامى في ابتكار طرق تهدف إلى الاستفادة من مياه النهر، وتنظيم الري وحفر الترع لزراعة أكبر مساحة ممكنة من أرض الوادي، ولم يبالغ العالم الفرنسي “جاك فاندييه” في دراسته “المجاعة في مصر القديمة” عندما أشار إلى أن “النيل هو الأساس الذي اعتمدت عليه الحياة المادية والاجتماعية في مصر”. وفي 15 أغسطس من كل عام كانت تُقام احتفالات المصريين بعد جبر النيل بالقرب من جزيرة الروضة، وهو العيد الذي يطلق عليه عيد وفاء النيل. وقد ذكر كافة المؤرخين والرحالة هذا الاحتفال في كافة العصور التاريخية؛ حيث تنساب المياه الجديدة في القنوات، وبالغ البعض فقال إن المصريين القدماء كانوا يقومون بإلقاء عروس جميلة من بناتهم في النيل لإرضائه، لكن هذه السردية لم يتم التحقق منها تاريخيًّا. وفي القديم كان من الممكن أن يؤدي زيادة فيضان النيل أو انحساره الشديد إلى حدوث مجاعات كبيرة، وكوارث اقتصادية لا مثيل لها، فقد كشفت فترة فيضانات النيل من القرن الخامس عشر إلى القرن العاشر عن حلقات واضحة من انخفاض النيل. أدت بعد ذلك لأسوأ المجاعات المعروفة على الإطلاق.

الجيزة قرية الكوم الأخضر سنة 1880 مصدر الصورة: صفحة الباحث عماد هلال

الدكتور “قاسم عبده قاسم” ذكر في كتابه “النيل والمجتمع المصري في عهد سلاطين المماليك” أنه كانت هناك مجاعة وقت سلطنة الظاهر بيبرس، بسبب انحسار مياه النيل، وتبع ذلك ارتفاع أسعار الغلال، وقَلَّ الخبز في الأسواق وكاد يختفي، وأكل الناس حشائش الحقول، واستمرت الأسعار في تصاعدها، وبعدها بنحو 25 عامًا أثناء حكم السلطان العادل توقفت زيادة النيل، وحلت بالبلاد مجاعة أعقبها وباء “أسكن الألوف التراب، وفيها كثر الشح، ووقفت الأحوال واشتد البكاء، وعظم الضجيج في الأسواق من شدة الغلاء، ووصل الأمر بالناس إلى أكل الكلاب والقطط والحمير والبغال، ولم يبقَ عند أحد شيء، وقيل إن الكلب السمين صار يُباع بخمسة دراهم، والقطة بثلاثة دراهم، وتساقط الناس صرعى الجوع في الطرقات، فامتلأت بجثث الموتى، وانتشر الوباء الذي قضى على عدد كبير من السكان”. وروى المقريزي عن مجاعة عظيمة أخرى استمرت لمدة عشر سنوات تقريبًا حين توقف النيل عن الزيادة، فشرقت أكثر الأراضي ولم تزرع، وفي هذه الأزمة “مات أكثر من نصف سكان مصر، ونفقت الماشية والحيوانات”، وخلال هذه المجاعات، اضطر السلاطين للهروب مع الأمراء من القاهرة إلى سرياقوس أو الطور وغيرهما، كانوا يفرون فرارًا من جوع الناس، كما يهرب الأعيان و”مساتير الناس”، ويبقى العامة غذاء سهلًا للكوارث.

ولمقاومة شدة الفيضان كان الناس والحكام يقومون ببناء الجسور لوقف حدة زيادة الفيضان، يقول الباحث عماد هلال: كان المصريون أثناء الفيضان يقومون بالسيطرة الكاملة على نهر النيل، فكانوا يحيطون شاطئيه بجسرين ترابيين عاليين ممتدين من النوبة إلى البحر المتوسط، وكانت وظيفة هذين الجسرين أنهما يحصران المياه في داخل مجرى النهر، والترع المتفرعة منه، وكان هذا “الجسر السلطاني” معجزة هندسية، فكان ارتفاعه ثلاث قصبات (تسعة أمتار)، وقاعدته ثماني قصبات، وفوقه طريق عمومي عرضه قصبتان، وكان هذا الطريق هو وسيلة المواصلات الرئيسية بين مدن مصر وقت الفيضان، ثم قاموا بتقسيم أرض مصر إلى أحواض كبيرة، متوسط مساحة كل حوض ألف فدان تقريبًا، وأحاطوا كل حوض بجسر ترابي عال، فهو معجزة هندسية لا نظير لها في الدنيا فهو يحيط بثمانية ملايين فدان.

وكانت هناك وظيفة حساسة في الدولة لم يكن يرقى إليها أيُّ موظف صغير، وهي وظيفة كاشف الجسور. فمن بين موظفي الإدارة المركزية في ولاية المماليك كان كاشف الجسور أو “كاشف التراب” يُعين من قبل الأمراء مباشرة، وكانت مهمته الإشراف على “الجسور السلطانية” ذات النفع العام، ويتم دعمها ماليًّا من الديوان السلطاني.

ويقول عماد هلال أيضًا، كان المصريون إذا اقترب موعد الفيضان أعلنوا حالة الطوارئ، ووزع الفلاحون أنفسهم فرقًا ومناوبات، وكانوا يجمعون أكوام القش وأعواد الذرة والفئوس والمقاطف لترميم الضعيف من الجسور، والسهر على حراسة الجسور والسدود، فإذا انكسر جسر من ناحية هبت القرية كلها بما جمعوه من قش وحطب وطين، وتظل مصر في حالة طوارئ مشددة لمدة ثلاثة أشهر، ولا أحد ينام إلا في نوبة راحته، وتُحدد (لائحة زراعة الفلاح) التي أصدرها محمد علي باشا سنة 1830 مهمة كل فلاح وخفير وعمدة ومأمور بدقة شديدة، ثم تلتها لوائح كثيرة وفرمانات عديدة، أشهرها الأمر العالي الصادر سنة 1887 بجواز طلب المديرين والمحافظين المساعدة من كل إنسان قادر على العمل بنفسه عند بلوغ مياه النيل 24 ذراعًا في مقياس مصر.

فيضان النيل في أسوان 29 أغسطس عام 1931.. المصدر: Getty image

ويقف التاريخ الحديث في القرنين الماضيين عند عدة حوادث شهيرة بسبب زيادة فيضان النيل، ولعل أشهرها ما حدث في سنة 1863، حيث بلغ ارتفاع النيل خمسة وعشرين ذراعًا وثمانية قراريط، فهدد القطر المصري برمته بدمار عاجل، فأصدر الخديوي إسماعيل أوامر مشددة على المديرين بالإسراع في إنهاء الأشغال اللازمة لحفظ الجسور، حفظًا فعالًا بحيث تكون على أتم ما يرام وقت الفيضان، غير أن الزيادة استمرت مطردة اطرادًا غريبًا، فرأى “إسماعيل” وجوب إجراء أشغال تقوية أخرى في الجسور.

السويس سنة 1869 (مصدر الصورة صفحة الباحث عماد هلال)

وبينما الناس ينتظرون أن يعوض عليهم الفيضان التالي الأضرار التي لحقت بهم من جراء قلة الفيضان السابق، إذا بمياه النيل ترتفع في سنة ١٨٦٩ ارتفاعًا كبيرًا، فغرقت السواحل، وتلف كل الزرع الذي عليها، وانهارت الجسور، وكان “إسماعيل” قد اتفق مع فرديناند دليسيبس على أن يكون فتح قناة السويس للملاحة والتجارة العالميتين في نوفمبر من ذلك العام، فرأى أن أقل تهاون يبدو من حكومته في أمر مقاومة مهاجمة ذلك الفيضان المريع يؤدي حتمًا إلى إفساد مجرى الحفلات الفخمة، والتي كان سيحضرها الأمراء والملوك من أوروبا، فأصدر الأوامر المشددة إلى جميع المديرين ومأموري المراكز بعدم مفارقة الجسور، لا نهارًا ولا ليلًا، والعمل باستمرار على تقويتها وتعليتها، وسرعة تصليح ما ينهار منها، حتى تسنى له جزئيًّا إنقاذ البلاد من الغرق، لكنه لم يستطع أن يخلصها من الغلاء الذي أعقب ذلك الفيضان الطاغي، ففشا التضخم، وانهارت الأسعار.

ثم أتى فيضان عام 1878، الذي كان أعنف من سابقيه، حيث دمر القرى، وأتلف الزرع، وطغى على المساكن حتى وصل لمقر “الكتبخانة” الأثرية التي أنشأها الخديوي إسماعيل، فدُمِّرت الآثار وغرقت قاعة المتحف، وفُقدت بعض الآثار التي لها قيمة، حيث كانت الكتبخانة الأثرية مبنية على النيل، كما توقفت بسببه حركة المواصلات، وحملت الجثث من السودان إلى مصر.

والصحف الصادرة عام 1878 تحدثت عن أن طغيان فيضان النيل في ذاك العام أجبر قطارات الركاب الليلية التي تسافر مرتين من منطقة بولاق الدكرور إلى أسيوط على التوقف، لافتة إلى أن توقفها سيكون لفترة مؤقتة.

وقد قامت الحكومة المصرية كرد فعل لمجابهة الفيضانات المستقبلية بعد فيضان 1878 ببناء مرصد في السودان، وهو مرصد الخرطوم، وتأسيس مرصد أسوان، كما قامت أيضًا بإنشاء مقياس حلفا عام 1890.

فيضان في عام 1946، وجسور النيل (مصدر الصورة: صحيفة الأهرام)

وذكرت مجلة «المصور» في عدد قديم لها أنه بين عام 1869 وعام 1900 وقع 19 فيضانًا، وكان فيضان 1878 أخطرها، إذ فاضت المياه كالسيل، وغمرت البلاد إلى حد أنه كان الميسور معه السفر بالقوارب فوق الأراضي المغمورة من المنيا إلى القاهرة، بينما لم يقع في الفترة بين عامي 1901 و1940 سوى 6 فيضانات، كان أعظمها ذاك الذي حدث في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي.

مصدر الصورة: طارق قابيل موقع flicker

وفى عام 1935، شهدت مصر فيضانًا عاليًا، لم تشهد البلاد مثله منذ إنشاء مقياس حلفا في عام 1890، الأمر الذي دفع وزارة الأشغال إلى عمل إجراءات مهمة للتخفيف من خطورته، وفي عام 1946، كانت مقاومة الفيضان قائمة على إقامة الجسور، وكانت صيانتها تكلف أموالًا طائلة كل عام، وكانت هذه الجسور قد حطمها الفيضان مما نشر الرعب بين الأهالي. ويظل فيضان 1946، من أقوى الفيضانات التي شهدتها مصر، باعتباره الفيضان الذي أحدث ضجة سجلتها صفحات الصحف والمجلات نظرًا لكثرة وقوع الضحايا التي كانت تشبه إلى حد كبير في عددها ضحايا فيضان عام 1887 الذي حمل الجثث من السودان والصعيد إلى القاهرة.

المصدر

[1] وائل جمال الدين، كيف كشف نهر النيل بعض أسرار المصريين القدماء؟، BBC عربي،17 أكتوبر 2019،https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-50072032

  • 2Fekri hassan،Extreme Nile Floods and Famines in Medieval Egypt (AD 930-1500) and Their Climatic Implications,      173-174:101-112, DOI: 0.1016/j.quaint.2007.06.001

3 هيثم خيري، النيل وعصر المماليك.. حين فاض النهر وشح، موقع أصوات، 30 أكتوبر 2019: https://cutt.us/LC3QR

4 المصدر نفسه

5 إلياس الأيوبي، تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل باشا، مؤسسة هنداوي للتعليم والنشر، القاهرة، 2013، ص: 601

6 المصدر السابق، ص : 603-604.

7 نهر النيل يسجل أعلى منسوب منذ 100 عام.. إضاءة على فيضان 1878، صحيفة البيان، 28 أغسطس 2020، https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2020-08-28-1.3946853

 

8 محمود الدسوقي، قصة فيضان عام 1946م في مصر.. هدد بإغراق الدلتا وحطم الجسور وأشاع الرعب، بوابة الأهرام،24 أغسطس 2017:http://gate.ahram.org.eg/News/1570950.aspx

9 نهر النيل يسجل أعلى منسوب منذ 100 عام ..إضاءة على فيضان 1878، صحيفة البيان، مصدر سبق ذكره.

10 محمود الدسوقي، صحيفة الأهرام، مصدر سبق ذكره.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمل أبو حسين

باحثة مهتمة بالتاريخ

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search