ثقافة وفن

كيف وصلنا إلى “نسل الأغراب”؟.. عن صعيد نسكنه ولا نعرفه

كلما ذكر الصعيد بين زملاء الدراسة والعمل في شمال مصر، أبتسم بهدوء وأنا أعقد مقارنة بين تصوري عن  صعيد نشأت وأسكن فيه، وبين تصوراتهم “السطحية”، التي استقوها عن ريف الصعيد من الدراما المحلية.

فقد كُتب على مجتمعنا المحلي ألا يُروى عنه غير قصص العنف، فلا فرق بين مسلسل “موسى” و”نسل الأغراب”، أو ما سبقهما في الدراما والسينما خلال الأعوام الأخيرة، نفس القالب النمطي، وإن اختلف مذاق عمل عن آخر.

على الشاشة تظل البيئة القبلية وشخصياتها على حالها منذ قرن تقريبا بلا تغيير يُذكر -عكس الحاصل في الواقع- بيئة قاسية، تُخرج أبناء منقادين خلف تقاليدهم، قتلة ولصوص آثار، وتجار مخدرات وسلاح.

تركيبة اجتماعية بسيطة: أعيان وفقراء، عُمد وخدم، شخصيات حادة ومسطحة، شهامة تصل حد التهور، وغضب قد يُشعل قرية، لذلك لا أحاول هنا نقد دراما الصعيد خلال الموسم الرمضاني الحالي، بل فهم القوى والفاعلين الذين شكلوا هذه الصورة الزائفة.. مَن صنعوا على الشاشة “صعيد أسطوري”.

التقاط الأسطورة.. بحثًا عن متخلفين لتحضيرهم

شادية من فيلم شيء من الخوف
شادية من فيلم شيء من الخوف

نضجت السينما في الخمسينيات والستينيات على يدي مبدعين كبار، تزامنت طفولتهم ومطالع شبابهم مع موجة من جرائم العنف ضربت البلاد بين الحربين العالميتين.

طالعتهم أخبار الحوادث محملة بجرائم أدهم الشرقاوي، بمحافظة البحيرة في شمال مصر، الذي قاده الثأر لعمه إلى التحول إلى قاطع طريق، وحوادث مجرم آخر بمحافظة أسيوط، “محمد منصور”، الشهير بـ”خُط الصعيد”، الذي عاش تجربة مشابهة للشرقاوي.

وبينما تحول الأول إلى أسطورة شعبية تتغنى به المواويل، تحول الثاني إلى مثال العنف والإجرام.

جُسدت ملحمة الشرقاوي الشعبية في فيلم باسمه، قامت دولة يوليو برعايته لمزج صورة البطل الشعبي لدى الشارع بصورة عبد الناصر، أما “الخُط” فقد استوحى منه نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف صورة السفاح في فيلم “الوحش” عام 1954، الذي يُقبض عليه في النهاية بجهود ضابط جاء حديثًا من القاهرة.. دائمًا يأتي القانون والتحضر في الأفلام من العاصمة.

وبعد فيلم “الوحش” انفجرت موجة أفلام الصعيد طوال الخمسينيات والستينيات، مُركزة على تقاليده الحاضنة للعنف والثأر، فعرفنا الثأر للأب في “صراع في الوادي“، والثأر للزوج في “دماء على النيل“، والثأر للشرف في “البوسطجي“، والثأر للجد من القرية بأكملها في “شيء من الخوف“، حتى الثأر في سياق كوميدي تأسس منذ هذه المرحلة في فيلم “الجريمة الضاحكة“.

هذه الأفلام كتبتها أسماء بوزن نجيب محفوظ وعلي الزرقاني، وأخرجها أمثال صلاح أبو سيف ويوسف شاهين، وحملت أفيشاتها وجوه أشهر ممثلي المرحلة: فريد شوقي وشكري سرحان وهند رستم وسعاد حسني. باختصار؛ قُيد لها كافة العوامل، التي تجعلها تدخل الوعي الجمعي بسهولة.

تلاقت رغبة رجال يوليو ووعي مبدعي الطبقة الوسطى بشأن صورة الصعيد السينمائية، فقد رأى الضباط دورهم في تحديث المصريين ودفعهم نحو التحضر، وهو دور تتخيل الأنظمة المتعاقبة منذ نشأة الدولة الحديثة أنه قدرها، لكنهم لم يتدخلوا في ملابس المصريين كما فعل نظام يوليو، الذي قام بتشكيل “لجنة الزي”، التي حاربت ارتداء الطربوش، والملاية اللف، والترويج للبدلة الشعبية بديلًا عن الجلابية، المعبرة عن الثقافة المتجذرة في ريف الدلتا وبشكل أعمق في الصعيد.

معركة التحضر هذه تطلبت وجود مواطنين غير متحضرين، وقد فُرض على الصعيد أداء هذا الدور على الشاشة.

قرية “الجرنة”.. صعيد بـ”سوابق”

المعماري حسن فتحي
المعماري حسن فتحي

كان تمرد قرية الجرنة، الواقعة في جبانة طيبة الفرعونية، على الضفة الغربية لنيل الأقصر، حدثًا مركزيًا آخر في تدعيم صورة الصعيد على الشاشة. فبعد سرقة جدار مقبرة فرعونية بالقرية، كانت تحت حراسة الحكومة، ألقت الأخيرة باللائمة على الأهالي جميعًا، وأرسلت إليهم عام 1945 حسن فتحي، المهندس النابه، ليخرجهم من ظلمة الهمجية إلى نور الحضارة، من قريتهم القديمة إلى قرية نموذجية جديدة تبعد عنها كيلومترات قليلة.

كانت الفكرة طموحة وقفت وراءها حكومة أرادت إثبات كفاءتها في حماية التراث الفرعوني وإدارته، ودعمها أفندية المدن وأبناء أعيان الريف، الراغبون في الإحساس بالندية أمام الأجانب.

فمنذ اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون 1922، زادت رغبة الطبقة الوسطى المتعلمة في ربط حاضرها بالحضارة الفرعونية، للتفاخر بتاريخ أمتهم الأكثر عراقة من تاريخ الأمة المستعمرة بلادهم، فوجب عليهم حفظ الآثار من اللصوص.

اتفق الجميع على الهدف، إزالة أهالي الجرنة المُسيئين لصورة مصر الحضارة. لكن الأهالي رفضوا وتمردوا عام 1948، وثقبوا السد الحامي لقرية حسن فتحي فأغرقوها.

في كتابه “التراث والحداثة” يقول تيموثي ميتشل: “لقد كان فتحي يرغب في إحياء ثقافة أصيلة كوسيلة لاستحداث تراث قومي مصري، ولتأدية هذا الإحياء، كان بحاجة إلى سكان الجرنة، لكنه كان بحاجة إليهم كجماعة خارج الأمة، من شأن إزالتها المساعدة على إظهار الأمة وماضيها إلى الوجود.

وكان لا بد من تصوير الجرنويين في صورة الجهلاء، غير المتحضرين، المفتقرين إلى كل فردية وقدرة على اتخاذ القرار، العاجزين عن صون تراثهم المعماري الخاص. وطبيعي أنه لم تكن هناك أدلة تدعم هذه الصورة، فما كان هناك هو مجرد أوهام المهندس المعماري المثقف المنتمي إلى الطبقة العليا”.

أصبح حسن فتحي فيما بعد أحد أهم معماريي مصر والعالم، وكتب في نهاية الستينيات كتابا ذاع صيته عالميًا بعنوان “عمارة الفقراء“، شرح فيه فلسفته في البناء بمواد محلية بسيطة ورخيصة، ومزجها بذكرياته عن تجربة قرية الجرنة في الأربعينيات، وفي الكتاب حاول فهم دوافع سكان القرية التخريبية قائلًا: “إن النظام الأبوي نظام قوي، كل فرد فيه يطيع رؤوس العائلات، وهؤلاء لصوص مقابر”.

كانت رؤية “فتحي” لأهالي الجرنة أساس فيلم سيكتب له شهرة عالمية، حتى أن بعض النقاد يعتبرونه أفضل فيلم في تاريخ السينما المصرية.

فيلم “المومياء”.. صعيد غير مؤتمن على آثاره

فيلم المومياء لشادي عبد السلام
فيلم المومياء لشادي عبد السلام

في كتابه “الاستشراق” يقول إدوارد سعيد: “إن البشر هم الذين صنعوا ويصنعون المحليات، والمناطق، والقطاعات الجغرافية من أمثال الشرق والغرب”، وكما صنع الغرب تعميمات عن الشرق الساحر المليء بالكنوز، لكنه غير متحضر، صنعت العاصمة تعميماتها عن الصعيد.

لا يمكن لوم شادي عبد السلام على استشراقه في المومياء، مثلما لا نستطيع لوم شيكسبير على صورة اليهودي في “تاجر البندقية“، لأن مسرحيته تتعارض مع معايير “الصوابية السياسية” اليوم، كل فنان ابن جيله، ما يهمنا هو النمط الذي نقله شادي عبد السلام عن الصعيد، لا عن جودة الفيلم الفنية.

اختار شادي عبد السلام واقعة اكتشاف مومياوات الدير البحري بقرية الجرنة عام 1881، وصنع منها قصة شاب يحاول منع أهالي قريته من نبش قبور أجدادهم الفراعنة وسرقة كنوزهم، فيُقتل أخوه في هذا الصراع، لكنه يحاول إبلاغ البعثة الأثرية بموقع المومياوات، وينجح أخيرًا في حماية التراث بوضعه بين أيادي السادة الأفندية القادمين من العاصمة، الأيادي الأمينة حاملة عبء مصر الحضاري.

نقل شادي عبد السلام في فيلمه رؤية حسن فتحي، وهذه ليست مجرد تكهنات، فبخلاف احتمالية تأثر مهندس شاب ذي ثقافة أوروبية كشادي عبد السلام بحسن فتحي، نجم العمارة في زمنه، وكلاهما ينحدران من نفس الطبقة الاجتماعية، فقد كان شادي تلميذ فتحي في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، حينما تولى الأخير رئاسة قسم العمارة بها عام 1955.

النافذون بين أهالي الجرنة شكلوا جزءًا من الشبكات العالمية لتجارة الآثار بلا شك، لكنهم وغيرهم من لصوص الآثار بالصعيد، لم يسرقوا الجزء الأكبر من جملة آثار بلادنا المهربة للخارج، فمعظم الوقائع تشير إلى خروج أغلبها من مخازن مُلحقة بمتاحف ومواقع أثرية تحت الحراسة، كان آخرها ما كشفت عنه وزارة الآثار في عام 2017، حيث ذكرت أن نحو 33 ألف قطعة أثرية قد فُقدت من مخازنها، ما يقارب معروضات متحف كامل اختفى.

ورغم أن بناء قرية “فتحي” النموذجية سبقه انتشار وباء الملاريا بين عامي 1942 و1944، وقبل عام من إغراقها حصد وباء الكوليرا ثلث سكان القرية، لم تشفع مصائبهم لدى “فتحي” في تخفيف درجة حكمه عليهم، رغم أن الامتثال لما كان يطلبه منهم، إخلاء قرية بها ذكرياتهم مع من دفنوهم توًا، وترك المكان الذي يقربهم من السائحين، مصدر أرزاقهم في ظرف كهذا، يعني الموت وخراب الديار.

“ذئاب الجبل”.. الصعيد كـ”فيتيش درامي”

عبد الله غيث في دور علوان أبو البكري في مسلسل ذئاب الجبل
عبد الله غيث في دور علوان أبو البكري في مسلسل ذئاب الجبل

تأسس التليفزيون المصري في الستينيات، ومع مرور الوقت انتشر في منازل المصريين، وتدريجيًا اكتسب مساحة أكبر في تشكيل الوعي الجمعي، تضاعف هذا الدور مع تحول دولة يوليو من الاشتراكية إلى الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، حيث بات الذهاب إلى السينما ترفا لغالبية الأسر من الناحية المادية، بخلاف صعوبة الانتقال في بلد أهملت الدولة فيها الشوارع، وقلصت إنفاقها على شبكة المواصلات العامة، وتقلصت بالمثل دور العرض مع تخلي الدولة عنها، حتى كادت تختفي في الصعيد وبعض المناطق البعيدة عن العاصمة.

أصبح التليفزيون وسيلة أسهل وأوفر، وامتلأ بصور الصعيد النمطية مُستغلًا المخزون الذي راكمته السينما قبله، إلا أن تحول الصعيد لـ”تصنيف درامي”، جاء مع عرض مسلسل “ذئاب الجبل” عام 1992، للكاتب محمد صفاء عامر، ذي الأصول الصعيدية.

حقق المسلسل نجاحًا مدويًا، فكانت الشوارع تفرغ من المارة في مواعيد عرضه، وقد لعبت أخبار رحيل الفنان صلاح قابيل، الذي كان مقررًا له أداء دور “علوان البكري”، وجسده بدلًا منه الفنان عبد الله غيث، ثم رحيل “غيث” بعدما صور ثلثي العمل، دور الدعاية القدرية للمسلسل.

صب “عامر” قصصه في قالب قديم، لكنه تماس مع قضية محلية لها حضور إلى اليوم في الصعيد، الحب حينما يصطدم بالعادات والتاريخ العائلي لأحد الحبيبين، وأعاد هذه التيمة في مسلسل “الضوء الشارد“، و”الفرار من الحب“، و”الحب موتًا“.

كان صفاء عامر كاتبًا رومانسيًا في زمن لا يشبع من قصص العشق الممنوع، ربما لارتفاع تكاليف الزواج هذه الفترة، مع عودة الجيل المصري الثاني من المهاجرين إلى الخليج، محملين بمدخرات كدّهم.

جذب “عامر” بأعماله، التي انطلقت من التسعينيات، جمهورًا جديدًا لها في أرجاء الوطن العربي، خاصة البلدان التي تتقاطع مع ثقافة الصعيد القبلية، وخير دليل على ذلك، إسناد بطولة مسلسل “حدائق الشيطان” عام 2006 للمثل السوري جمال سليمان، رغم صعوبة أدائه لهجة مصرية محلية، فقد دخل فاعلون جدد مع ظهور الفضائيات، هم المعلنون، وصاحب رأس المال سيفرض كلمته على السياق الدرامي.

في كتابها “الدراما التليفزيونية: رحلة نقدية” تقول الدكتورة عزة هيكل عن هذه المرحلة: “غاب النص الدرامي مع نهاية التسعينيات، تعددت القنوات الفضائية، وبدأت حقبة الإنتاج من الباطن، أو ما يسمى (المنتج المنفذ)، وذلك مع بداية انفصال مدينة الإنتاج الإعلامي عن التليفزيون الرسمي، وطرحها كشركة قابضة”.

ولأن “عامر” ابن المؤسسة القضائية، تدرج بها من وكيل نيابة بمحافظة بني سويف في صعيد مصر، ثم رئيس محكمة بالإسكندرية منذ نهاية السبعينيات، حتى استقال ليتفرغ للكتابة، فقد كان عمله مُحتكا بعالم الجريمة، وهي سمة واضحة في كتاباته، ما أسهم أكثر في ربط الجريمة بدراما الصعيد.

صعيد لا وجود له.. أن يختفي العادي

مسلسل يونس ولد فضة.. جسّد قصة أحد أباطرة الصعيد
مسلسل يونس ولد فضة.. جسّد قصة أحد أباطرة الصعيد

حتى الآن لا يوجد عمل درامي عن مدينة في صعيد مصر، الشاشة السينمائية أو التليفزيونية لا تصوّر إلا ريف الصعيد، مهما تقلصت مساحته قياسًا بتوسع المدينة الصعيدية، وانحسار منظومة القيم المرتبطة بالريف، مقابل انتشار ثقافة المدينة.

لم يُنظر بعين الاعتبار لما أسهمت فيه نشأة المدينة الحديثة بالصعيد من تغير في نمط الإنتاج، من الزراعة إلى الصناعة والقطاع الخدمي والتعدين.

تغيرت العديد من العادات مع تضخم المدن بما خلقته من وظائف بعيدة عن الزراعة، أنهت تقريبًا نمط الإنتاج العائلي، وهدأت حدة الثأر، نتيجة لتقلص عدد أفراد الأسرة، وظهور الأسرة النووية، واختراق التعليم أبعد الجيوب المعزولة في الصعيد، تسبقها أجهزة الأمن وممثلو الجهاز البيروقراطي.

حتى الجلباب الصعيدي أصبح مشهدًا عارضًا في الصعيد، تزداد هامشيته كلما ابتعدت عن الريف، واقتربت من قلب المدينة.. خلقت المدينة طبقة وسطى كبيرة متدرجة في شرائحها، لا تختلف همومها عن مثيلاتها في القاهرة.

من الصعب تجاهل محاولات كسر النمط، أهمها محاولات عبد الرحيم كمال الدرامية في الألفينيات، الذي نبش تاريخ الصعيد ليوسع من حدود قالب هذا التصنيف الضيق، فاستخرج بعض قصص أبطاله كـ”شيخ العرب همام“، ومتصوفيه كـ”الخواجة عبد القادر“، بعدما ترك هموم أصحاب المال في مسلسل “الرحايا“، الذي افتتح به كتاباته عن الصعيد، لكنه رجع في آخر أعماله عن الصعيد، “يونس ولد فضة“، للقصص المضمون بيعها: تجار السلاح والآثار الصعايدة.

صعيد “نتفليكس”.. “فقرة الساحر”

نسل الأغراب..طرح تساؤلات كثيرة حول الأعمال الدرامية التي تتناول مجتمع الصعيد
طرح تساؤلات كثيرة حول الأعمال الدرامية التي تتناول مجتمع الصعيد

إخراج الصعيد بهذا الشكل أكثر تعقيدًا من كاتب مميز ومخرج عظيم تحت يديه ممثلون موهوبون، فقد تدخلت قوى وفاعلون كثر لخلق صورة الصعيد، منذ ظهوره على شاشة السينما في أصعب لحظات تشكل الهوية المصرية.

سؤال الهوية المأزومة منذ تشكل الطبقة الوسطى تحت حكم الاستعمار الإنجليزي حتى اللحظة الراهنة، حدد جزءا كبيرا من شكل الصعيد على الشاشة، مركز متحضر في مقابل صعيد متخلف، كما لعبت إملاءات الأنظمة السياسية المتعاقبة دورًا جوهريًا ضمنَ استمرار الصورة على حالها مع تشوه أركانها بمرور الزمن.

ولا يمكن تجاهل الفاعل الاقتصادي في تنميط الصعيد من أجل استثماره والتحكم فيه، خاصة رؤوس أموال القطاع السياحي، أحد أكثر القطاعات المصرية ارتباطًا بالاقتصاد العالمي.

أوضح الأمثلة لهذا الدور، تكاتف شركات سياحة محلية ومستثمرين من الخارج، مع المؤسسة الأمريكية للتنمية وصندوق النقد والبنك الدولي، لإعادة بعث فكرة تهجير أهالي الجرنة، بعد نصف قرن على فشل مشروع حسن فتحي.

صراع امتد بين الأهالي والحكومة خلال عقد التسعينيات، وانتهي بمقتل 4 مواطنين جورنيين وإصابة العشرات، وكان الرأي العام المتابع للأحداث في صف الحكومة، حتى أكثر المتعاطفين مع الأهالي كانوا مُوقنين بأنهم لصوص.

ولا غرابة في ذلك، ففي ذاكرتهم ووعيهم كثير من الأفلام والمسلسلات التي تصور الصعايدة كلصوص آثار، يمكن رؤية ذلك بشكل أكثر وضوحًا في مسلسل “حلم الجنوبي” لمحمد صفاء عامر عام 1996، والذي تدور أحداثه عن بطل صعيدي ينقذ بردية من تاجر آثار بمحافظة الأقصر، تشير إلى مكان مقبرة الإسكندر الأكبر، ويسافر بها إلى الإسكندرية بحثًا عن شخص يستطيع مساعدته وإيصاله بالمسؤولين.

في كل أعمال الصعيد الدرامية يظهر الصعيد كموطن بدائي للعنف والكراهية، أما المدن في الشمال تظهر كموطن للقانون وحكايات الحب والمشكلات الاجتماعية العادية والواقعية جدًا، وملجأ الفارين من الصعيد أيضا. (“البدري” بطل “ذئاب الجبل” التقى حبه في الإسكندرية أثناء هروبه من الثأر، و”نصر وهدان” بطل “حلم الجنوبي” وجد المساعدة والأمان في الإسكندرية كذلك) ولا يمكن اعتبار ذلك محض صدفة.

حتى اللهجة الصعيدية المستخدمة في دراما الصعيد حتى اللحظة (مع كل الأخطاء الفادحة التي تحفل بها) تعود إلى لهجة عبد الرحمن الأبنودي الذي أسهم في صناعة وتنميط شكلها الأدبي والفني النهائي قبل 40 عامًا على الأقل، بقصائده والحوارات السينمائية والدرامية التي أعدها.. وهي لهجة مهجورة بالنسبة إلى سكان الصعيد المعاصرين.

دخلت دراما الصعيد حاليًا مرحلة جديدة، تحاول فيها الدراما المصرية منافسة منتجات “نتفيلكس” العالمية، بعد أن انتشرت الأخيرة مؤخرًا في المنطقة العربية، فأدى ذلك إلى انفصال الدراما كليًا عن بيئة الصعيد وليس مجرد تنميطه أو إساءة تصويره.

وجهت هذه المنافسة، غير المتكافئة، اهتمام صناع الدراما المصرية إلى العناصر التقنية بأعمالهم، بينما لا أهمية لأي شيء آخر.. ما يهم هو أفضل صورة، وأجمل كادر، وأروع ديكور، بينما أصبحت الكتابة، وفلسفة الإخراج، وأداءات الممثلين، فضلًا عن صلاحيتهم للدور المطروح عليهم غير ضروري (تحول اختيار أحمد مالك وأحمد داش لأداء دور شابين صعيديين في مسلسل “نسل الأغراب” إلى كوميك سريع الانتشار، وهو مضحك بشكل لا يُصدق) المهم هو الإبهار، والإكثار من أعداد القتلى، وخلق جو أسطوري في المسلسل.

في مسلسل “نسل الأغراب” تشعر أن ديكور وجرافيكس بيئة الغجر، لم يُكتب إلا من أجل خلق بيئات متمايزة تنتقل بينها الكاميرا، تشبهًا بما كان موجودًا في مسلسل “صراع العروش” من إنتاج HBO  المنافسة لـ”نتفليكس”.

قد يسفر كل ذلك: إنتاجات نتفيلكس المبهرة، وانعزال الكاتب وباقي صناع السينما والدراما مع طبقتهم في المدن المسورة، عن ابتكار تصنيف جديد يربط دراما الصعيد بالخيال العلمي.. مؤكد أن الاهتمام بتصنيف مُهمَل في السينما والدراما المصرية كالخيال العلمي أمر جيد، لكن الأكثر تأكيدًا أن أسوأ الأمور هو تحوّل الصعيد على الشاشة إلى “فقرة الساحر”.

اقرأ أيضًا:

ملحمة موسى.. ولادة جديدة لـ محمد رمضان بديلة للعبة “نمبر وان”

القاهرة كابول.. حين تتوقف الدراما تبدأ الموعظة

معتز حجاج

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى