"كيم كي دوك":

وجه السينما الكورية المنبوذ

“وحدها الحقيقة هي كل ما يهمني. لقد قلتها منذ زمن ليس ببعيد: كيم كي- دوك هو كيم كي- دوك. الأمر كله يدور حول صناعة فيلم صادق، ففي اللحظة التي سأقارب فيها فيلمي حسب ذوق الجمهور  أو ذوق السوق، سأختفي وتختفي حقيقتي من الفيلم. أريد أن أقول إنني أسمع فقط نبض قلبي في أفلامي” المخرج كيم كي- دوك.

بعيدًا عن السائد.. قريبًا من الأصالة

في فيلمه (Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring) يعود كاهن سابق (يؤدي دوره في هذه المرحلة العمرية كيم كي دوك نفسه) إلى المعبد العائم الذي نشأ فيه بعد أن قضى زمنًا في السجن من أجل جريمة ارتكبها. يسعى الكاهن لنوع من الخلاص من خطاياه السابقة، وميلاد روحي جديد عبر طقوس شتى. أحد هذه الطقوس أن يصعد إلى قمة جبل قريب من المعبد حاملاً بين يديه تمثال بوذا ويسحب جسده حجرًا ثقيلاً يُمثِّل خطاياه.

يرى “Hye seung chung” في كتابه عن “كيم كي دوك” الذي غيبه الموت صبيحة الجمعة الماضية من جراء مضاعفات إصابته بفيروس كورونا، أن هذا المشهد هو مجاز الرحلة نفسها التي قطعها “دوك” في عالم السينما، فقد كان عليه أن يتجاوز العديد من العقبات والمصاعب الهائلة في حياته قبل أن يصل إلى هذه القمة، كأحد أهم مخرجي السينما في كوريا الجنوبية.

لم تكن حياة “كيم كي دوك” بتقلباتها الدرامية أقل إثارة من سينماه. عاش حياة شديدة الفقر والبؤس، خرج من الدراسة مبكرًا بعد أن تعرّض للتمييز الطبقي الذي خلف أثرًا لا يزول في نفسه كما في سينماه لاحقًا. تنقل من عمل إلى آخر، من مصنع إلى ساحة خردة قبل أن يلتحق بجيش كوريا الجنوبية كأحد مشاة البحرية. 

ترك الحياة العسكرية لاحقًا ليتطوع بإحدى الكنائس ويبدأ الدراسة ليكون كاهنًا. خلال السنوات الثلاث التي قضاها بكنيسة للمكفوفين استيقظ داخله شغفه الطفولي بالرسم الذي سرعان ما دفعه لترك كوريا والسفر إلى باريس ليعيش هناك كفنان شوارع مُشرَّد يحصل على قوته من رسم بورتريهات للعابرين.هناك في أوروبا التي أخذ يتنقل عبر مدنها، اكتشف السينما وقرر أن يعود إلى بلده من جديد.

من رسام إلى سيناريست إلى مخرج دون أن يكون قد تلقى أي دراسة أكاديمية، بدأت المسيرة السينمائية لكيم كي دوك بفيلم Crocodile الصادرعام 1996 وهو في سن 36 عامًا، وعبر ما يزيد على عقدين من الزمن صار أحد أهم مخرجي السينما في كوريا الجنوبية، ومن أكثرهم تقديرًا ومديحًا في العالم الغربي إلى جوار مخرجين مثل بونج جون هو، وبارك شان ووك.

على الرغم من القبول الواسع والمديح الذي نالته علاماته السينمائية مثل samaritan girl 3-iron وPieta في المهرجانات الدولية الكبرى، فإن أفلامه داخل كوريا الجنوبية ظلت دون جمهور تقريبًا، ولم تحقق أي نجاحات تذكر في شباك التذاكر باستثناء النجاح النسبي لفيلمه Bad Guy وهو ما أبقاه طيلة مسيرته بعيدًا عن السينما السائدة وأفلام الميزانيات الضخمة.

حقق “دوك” غالب أعماله التي كتب نصوصها الأصلية جميعًا بميزانيات محدودة للغاية وبممثلين غير معروفين. أطلق على نفسه المخرج البروليتاري، فقد كان يرى أنه بدلاً من أن يضيع وقته مع ممولين محتملين ووكلاء أعمال النجوم، عليه أن يبدأ مباشرة بتصوير أفلامه بما يتاح له من ميزانية وممثلين، مكتفيًا بما يتيحه له هذا الوضع من حرية إبداعية كاملة على منتجه النهائي. 

يقول الناقد الكوري Myung ja kim عن مأزق ومنحة كيم كي دوك: “لم ترغب السينما السائدة في أن تضع يدها في يده. وعلى نحو ساخر، منحنا هذا السبب تحديدًا أحد أهم المخرجين وأكثرهم أصالة في السينما الكورية المعاصرة”.

المخرج الكوري كيم كي دوك
طبيعة رائقة وذهنية مضطربة

يمكننا أن نصف سينما كي دوك بأنها سينما التناقضات، سرديات شديدة الحسية والعنف، صورة وحشية وآسرة معًا، يجبر مشاهديه خلالها على مسائلة الخط الفاصل بين هذه المتناقضات: الحب والكراهية، الفناء والخلود، السعادة والبؤس، الحقيقة والخيال. 

يجاور بين  مشاهد الطبيعة الرائقة والمسالمة وبين الحالات الذهنية شديدة الاضطراب لشخصياته الغاضبة. شخصياته غالبًا هي شخصيات القاع، لصوص ومشردون وعاهرات، كاشفًا من خلال حيواتهم شديدة البؤس والقسوة عن الظلام الذي يسكن أعماق كوريا المعاصرة، عن مجتمع شديد الطبقية ولا يكف عن ممارسة هذه الطبقية تجاه ضحاياه.

شخصياته صامتة في الغالب بلا أي تاريخ شخصي أو خلفية اجتماعية، كأنها نبْت هذا القاع. لا تمتلك هذه الشخصيات كودًا أخلاقيًّا واضحًا ولا تحاول أن تفسر دوافعها وأفعالها العنيفة رغم أنه من الواضح أن لها تاريخًا مع الصدمات النفسية. 

يخلق عوالمه خارج ما هو عادي وما يوافق الحس العام. وجلبت عليه سردياته العنيفة، خاصة في ما يتعلق بالعلاقات بين الرجال والنساء، الكثير من النقد خاصة النقد النسوي، الذي وصمه بالعداء للمرأة والسيكوباتية وغيرها من الأوصاف. نقد في غالبه يتجاوز عناصر القوة في سينماه، شاعريته الغريبه ومجازاته الروحية والزخم التعبيري لصوره. 

كان كيم كي دوك خلال مسيرته الفتى الشرير في سينما كوريا الجنوبية. يشعر دائمًا بأنه منبوذ داخل الصناعة أو غريب، فيصرح في أحد حواراته: “أنا مسكون بهذه الفكرة: أنني مهما حاولت لن أكون مقبولاً أبدًا”.

أخرج كيم كي دوك خلال ما يقرب من الثلاثة عقود، هي عمره السينمائي، ما يزيد على 20 فيلمًا منها علامات سينمائية لا تنسى وبعضها كان متفاوت المستوى إلا أنها ظلت في مجملها محل إثارة وجدل. هذه 4 علامات سينمائية تصلح كمدخل جيد لسينماه الاستثنائية:Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring 2003

أفيش فيلم "الربيع والصيف والخريف والشتاء... والربيع"

يمكننا اعتبار “الربيع والصيف والخريف والشتاء… والربيع” أكثر أفلامه الشاعرية إدهاشًا على الصعيد البصري. تكوينات بصرية أخاذة ذات حس تشكيلي. معبد عائم في قلب بحيرة تتتابع الفصول عليه وعلى ساكنيه، راهب عجوز وطفل. 

نشاهد الطفل يلهو في الطبيعة المحيطة بالمعبد، نشاهد القسوة البشرية الساكنة فيه، حين يعلق حجرًا في جسد سمكة وضفدعة وثعبان. يعاقبه الراهب بأن يجعله هو الآخر يجر حجرًا ويرسله للبحث عن هذا الكائنات التي عذبها من أجل تحريرها. يقول له: “إذا مات أحد هذه الكائنات فإنك ستحمل هذا الحجر إلى الأبد في قلبك”. شخصيات كيم كي دوك تحمل الكثير من الحجارة في قلوبها. 

يُقسّم كي دوك فيلمه إلى 5 فصول هي عمر هذا الطفل من الطفولة إلى الشيخوخة، يختبر خلالها كل شيء: الإيمان والشك، الحب والكراهية، العنف والغيرة، الغموض والخلاص. يتأمل تحولات الطبيعة البشرية التي تتقلب وتتبدل كالفصول. إنه فيلم ذاتي أيضًا كغالب أفلامه، فهو يجسد بنفسه شخصية الراهب خلال الجزء الأخير من الفيلم.

في حواره مع مجلة Sight and sound يقول: “طوال حياتي علمت أني لا يزال بداخلي غضب وتمرد، ولهذا السبب حققت هذا الفيلم، إنه جزء مني ومن صيرورتي. الإحساس بالغضب لا يفارقني، إنه يتوارى ليعود ثانية، غير أنني توصلت إلى فهم هذا الإحساس وقبوله، إن تحقيق الفيلم هو أشبه بمهمة حمل التمثال إلى أعلى الجبل، التي يقوم بها الراهب في النهاية، إنه الشيء الذي يتعين عليك فعله فحسب”.

مشهد من فيلم iron
3-iron.. شاعرية وغموض

حكاية حب غير تقليدية تمامًا. لدينا فتى مُشرد يدعى “تاي سوك” يعيش حياته متنقلاً بين البيوت التي تركها أصحابها من أجل العمل أو العطلات. إنه ليس لصًّا، ففي مقابل إقامته في هذه البيوت يتولى غسل الثياب أو تصليح الآلات المعطلة. 

يدخل إلى أحد البيوت التي يظنها خالية ليقابل “صن هوا” وهي امرأة عالقة في زواج سيئ. يقتحم عليها الفتى البيت كشبح ليحررها من جحيم زواجها. الصمت هو إحدى الموتيفات المتكررة في سينما “كي دوك”، هناك ينجز فيلمه بأقل قدر من الحوار، فبطله لا ينطق بكلمة طيلة الفيلم وبطلته تكاد تكون صامتة طيلة الفيلم، يترك كي دوك لغة الجسد عبر الإيماءات وانفعالات الوجة تعبر عن دواخل شخصياته وتطور العلاقة بينهما. 

يمنح كي دوك بطليه المحاصرين بقضبان حقيقية ومجازية القدرة على التخفي وعلى تجاوز الحالة المادية للجسد والعالم. ينتهي الفيلم بلقطة للبطلين على ميزان يشير مؤشره إلى الصفر كأنهما قد صارا روحين بلا جسد. الفيلم عذب وشاعري وغامض، ويظل عالقًا طويلاً بالذاكرة كحلم جميل.

مشهد من فيلم Pieta
Pieta.. إطلالة على عالم مظلم

“وما هو المال؟ إنه بداية ونهاية كل شيء: الحب، الشرف، العنف، الغضب، الكراهية، الغيرة، الانتقام، الموت”.. مقتطف من حوار الفيلم.

إنه فيلمه الحائز على الأسد الذهبي في فينيسيا عام 2012، وأول فيلم كوري يفوز بهذه الجائزة. اسم الفيلم مستوحى من اسم تمثال شهير لمايكل أنجلو، فيه تحمل العذراء الباكية جسد ابنها المصلوب. 

من هذه الصورة الدينية التي يستدعيها عنوان الفيلم يدخلنا المخرج إلى عالمه المظلم. شريط سينمائي شديد العنف والإثارة. لدينا “كانج دو” وهو شاب ثلاثيني يعمل جامع قروض يستخدمه الدائنون لاستعادة أموالهم ممن عجزوا عن سدادها. 

أفيش فيلم Pieta

يتفنن الفتي في القسوة والعنف الذي يمارسه علي المدينين دون أدنى إحساس بالشفقة أو الذنب. يبدو كما لو كان وحشًا غير آدمي خلقته الآلة الرأسمالية التي تسيطر على المجتمع. 

تنقلب حياته رأسًا على عقب حين تظهر في حياته امرأة تدعي أنها أمه التي هجرته صغيرًا. يقدم هنا كيم كي دوك حكاية انتقام كابوسية يختلط فيها العنف بهواجس الخلاص والذنب.

أفيش فيلم Arirang
Arirang.. بوتريه لعقل مُشوش

صحيح أن غالبية أفلام كيم كي دوك بها عناصر من ذاته ومن خبراته الحياتية، إلا أن الوضع هنا مختلف تمامًا. ففي فيلمه الوثائقي Arirang يدير المخرج الكاميرا نحو ذاته، نحو أعماقه، مباشرةً، مصوِّرًا حالة التية والتخبط التي أصابته بعد حادث أصاب إحدى ممثلاته في أثناء تصوير فيلمه dream إذ كادت تموت خلال تصوير أحد المشاهد. 

دخل بعدها المخرج في حالة صدمة ممتدة وعزلة ربما فقد خلالها إيمانه بالفن وجدواه. فيلم تجريبي صوره بكاميرا ديجيتال من دون سيناريو، هو أقرب إلى يوميات أو بورتريه ذاتي لهذه الفترة من حياته. 

نشاهد كي دوك في عزلته الاختيارية يعيش حياة شديدة التقشف، نراه وهو يشاهد أفلامه، يسأل نفسه أمام الكاميرا ويجيب، يسأل الباب أحيانًا! يغني الأغنية الفلكلورية التي يحمل الفيلم اسمها بصوت مشروخ، نراه يبكي في لقطات قريبة ثم يتساءل ما الذي يفعله هذا الأحمق؟ 

إنه تعبير عن رغبته في الاستمرار في العمل كمخرج. يعرى هنا كيم كي دوك الكثير من مشاعره بأسلوب حميمي، ويمنحنا نظرة عن قرب إلى عقله المضطرب.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد عزت

صحفي مصري

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram