"كيورفاك" الألمانية المُصنِّعة للقاح كورونا

خاص| ليس لألمانيا أو أمريكا بل لجميع البشر

تَصَدّر اسم الشركة الألمانية “كيورفاك” عناوين الصحف حول العالم مؤخرًا، بعدما تواردت أنباء عن محاولة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” شراء حقوق اللقاح الذي تطوره الشركة لفيروس كورونا (كوفيد-19).

في حوار خاص مع “ذات مصر”، يُعلق “تورستن شولر” -المتحدث باسم الشركة- على هذا الأمر، كما يجيب عن أهم الأسئلة التي تشغل أذهان معظم الناس، مثل: متى ستطرح الشركة اللقاح؟ وهل سيتم تصديره للخارج أم لا؟ .. وإلى نصّ الحوار:

إلى أي مرحلة وصل تطوير لقاح ضد فيروس كورونا؟

نحن بدأنا مشروع تطوير لقاح ضد فيروس كورونا (كوفيد-19) في شهر يناير الماضي، وذلك بعدما تمكّنا من الحصول على تسلسل الحمض النووي الخاص بالفيروس، ومنذ ذلك الوقت وهذا المشروع له الأولوية في شركتنا، نحن نعمل بأقصى سرعة ممكنة، وكرّسنا كامل جهودنا لتطوير اللقاح.

المشروع حاليًّا في مرحلة ما يُسمى “ما قبل التجارب السريرية”، ما يعني القيام بالبحث عن متطوعين وإجراء فحوصات طبية لهم. نحن قمنا بذلك، واخترنا منهم أفضل شخصين من المتطوعين، ثم قمنا باختيار أفضلهما، والآن نحن لدينا أفضل متطوع جاهز للتجارب السريرية للقاح.
الخطوة التالية ستكون البدء في المرحلة الأولى من التجارب السريرية للقاح على البشر، وهو ما ننوي القيام به في شهر يونيو.

هل يُمكن أن تُعطي لنا تاريخًا لبداية إنتاج لقاح لفيروس (كوفيد-19)؟

الإجابة على هذا السؤال صعبة، نحن نعمل على المشروع بأسرع ما يمكن، ونركز كامل جهدنا عليه. كل الخبراء يقولون إن الأمر يحتاج على الأقل ما بين 12 إلى 18 شهرًا حتى يكون هناك لقاح متوفر في الأسواق، نحن بدأنا في شهر يناير، إذا قمنا بإضافة 12 إلى 18 شهرًا على هذا التاريخ، فسيكون التاريخ التقريبي لطرح اللقاح في الأسواق العام المقبل 2021.

لكن يجب ألا ننسى أن الأمر عادةً يتطلب عدة سنوات لتطوير وإنتاج لقاح، لذا فإن فترة 12 إلى 18 شهرًا هي إنجاز سريع للغاية، لكن ربما تسمح السلطات المختصة بتنفيذ دراسة على مستوى واسع للقاح. على سبيل المثال، المرحلة الثانية أو الثالثة من التجارب السريرية، ما يعني أن اللقاح لن يكون متاحًا بعد في الأسواق، لكن يتم اختباره على آلاف الأشخاص، وهذا الأمر سيكون نصف خطوة تجاه طرحه في الأسواق.

هلّا شرحت لنا بشكل مبسّط كيف يعمل اللقاح الذي تعمل عليه شركتكم..

نحن نستخدم تكنولوجيا خاصة تسمى مسينجر آر إن إيه (Messenger RNA technology)، والـ(آر إن إيه) هو عنصر وسيط عابر موجود في أجسامنا، نحن نقوم باستخدام هذا العنصر وبرمجته بالمعلومات الجينية الخاصة بالفيروس، ثم نقوم بعد ذلك بحقنه في الشخص المتطوع، والذي يقوم الجهاز المناعي لديه بالتعرف على هذا العنصر كمصدر غير معروف، وينشط الآليات الدفاعية الخاصة به لمواجهة العنصر وإنتاج أجسام مضادة له.

هذه التكنولوجيا لا تَستخدم الفيروس الأصلي أو جزءًا منه كما يتم في الطريقة التقليدية لإنتاج لقاح، نحن نعمل فقط بالمعلومات الجينية الخاصة بالفيروس، الأمر يُشبه برمجة كمبيوتر، نحن نقوم ببرمجة الـ(آر إن إيه) ثم نضعه في الجسم، والجسم يُنشط الآليات الدفاعية لديه وإنتاج أجسام مضادة.

ما الذي يُميز هذه التكنولوجيا عن الطرق الأخرى لإنتاج لقاح؟

الطريقة التقليدية لتطوير لقاح ضد فيروس تعتمد على أخذ جزء من الفيروس الأصلي، ثم تطويره في عينات لخلايا، وهذه العملية تستغرق وقتًا أكبر لإنتاج المادة الفعّالة، بينما نحن لا نحتاج للقيام بكل هذا، لأن تكنولوجيا الـ(آر إن إيه) تعتمد على عدم التعامل مع الفيروس الأصلي، وإنما المعلومات الجينية الخاصة بالفيروس. 

ما هي أهم التحديات التي تتعاملون معها خلال تطوير اللقاح؟

بالتّأكيد تحدي الوقت، خاصة مع الجائحة حاليًّا، فالجميع ينتظر لقاحًا، لذا يجب أن يتم الأمر بأسرع ما يمكن، وهذا يعني أننا نعمل بسرعة عالية، والكثير من الضغط يقع علينا، لكن لدينا أيضًا الحماسة لإنتاج اللقاح، بالإضافة إلى ذلك نحن لدينا تاريخ مع التكنولوجيا التي نستخدمها، نحن لدينا 20 عامًا من الخبرة في تكنولوجيا الـ(آر إن إيه)، لذا من حيث الجانب التكنولوجي نعلم أننا يمكننا القيام بالمهمة.

الوقت والسرعة عاملان مهمان بكل تأكيد، ثم يأتي بعد ذلك التحدي الخاص بإمكانية التصنيع والإنتاج، لأنه من جهة يجب علينا تطوير لقاح، ومن جهة أخرى نحتاج إلى توفيره في كميات كبيرة.

لدى شركتنا منشآت تصنيع في مدينة تيبنين في وسط ألمانيا، وفيها يمكننا إنتاج ما يصل إلى بعض مئات الملايين من جرعات اللقاح خلال عام واحد.

شركة كيورفاك
هل سيكون اللقاح متاحًا على مستوى العالم أم في ألمانيا فقط؟

هذ الأمر سوف تتم مناقشته في المستقبل مع الجهات المختصة وبالطبع مع السياسيين، ما نقوم به نحن هو تطوير وتصنيع اللقاح، وهذا ما نفعله في مقرنا الرئيسي في مدينة تيبنين، ثم في المستقبل بالتأكيد سيكون هناك سؤال ذو شق سياسي: كيف يتم توزيع اللقاح ومن يحصل على اللقاح أولًا؟ من جانبنا، نحن نيتنا هي صنع لقاح لجميع البشر حول العالم. 

هل هناك عواقب محتملة في حال تم الإسراع في عملية إنتاج اللقاح؟

بالنسبة للطريقة التي نتّبعها في شركتنا، نحن لدينا عشرون عامًا من الخبرة في تكنولوجيا الـ(آر إن إيه)، لذا نحن تعلمنا دروسنا في الماضي، وأصبح لدينا فهم جيد حول كيف تعمل وكيف يمكن تحسينها.

بجانب السرعة التي نعمل بها، نحن ننظر بالتأكيد إلى الجودة، الجودة هي أهم شيء فيما يتعلق بإنتاج اللقاحات، لذا نحن قمنا بتجارب على الحيوانات، وسنقوم بتنفيذ المرحلة الأولى من التجارب السريرية والمرحلة الثانية، وربما المرحلة الثالثة إذا تطلّب الأمر، كل هذا يجب أن نفعله، لأن اللقاح في النهاية سيتم حقنه في أجساد أشخاص أصحاء، ونحن لا نريد أن نجعلهم مرضى، بل نحن نريد أن نُحصّنهم. السرعة عامل مؤثر، لكن جودة المنتج هي أيضًا مهمة للغاية.

ما هو تعليقكم بخصوص محاولة أمريكا الحصول بشكل حصريّ على اللقاح؟

حسنًا، نحن قمنا بشكل واضح بنفي هذا الأمر، هذا ببساطة لم يكن حقيقيًّا، الرئيس التنفيذي السابق لشركتنا السيد “دانيال مينيشيلا” تلقّى دعوة لزيارة البيت الأبيض في بداية شهر مارس الماضي مع قيادات من شركات أدوية أخرى، وقام كل من حضر منهم بشرح الطريقة التي يعتمدون عليها لتطوير وإنتاج لقاح ضد الفيروس، بعد هذا الاجتماع لم نسمع أي شيء آخر، لم يُقدَّم لنا أي عرض لشراء شركتنا أو التفاوض على حق حصري لاستخدام اللقاح الخاص بنا، هذا لم يحدث، معظم موظفينا يعملون هنا في ألمانيا في مدينة تيبنين، هنا نحن نقوم بتطوير وإنتاج اللقاح، وكما قلت هدفنا هو صنع لقاح ليس لألمانيا وليس للولايات المتحدة فحسب، بل لكل البشر حول العالم. 

فيما يخص التعاون المشترك بينكم وبين الجهات الأخرى، مع من تتعاون "كيورفاك"؟

نحن نتعاون مع التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة (CEPI)، وهي منظمة دولية خاصة باللقاحات، بالإضافة إلى ذلك يوجد تعاون مع حكومات، على سبيل المثال الحكومة الألمانية والنرويجية، وهناك تعاون مع مؤسسة بيل وميليندا جيتس.

نحن كذلك لدينا اتصالات قريبة من معهد بول إيرليخ، وهو الهيئة الحكومية المختصة هنا في ألمانيا، وبالطبع قمنا بالتواصل مع مؤسسات حكومية مختلفة حول العالم، ومع جامعات وعلماء.

هناك تعاون وثيق في المجتمع العلمي، وهو ما كنا نحتاجه، نحن نحتاج لمساهمات العديد من العلماء للحصول على معلومات متعلقة بكيف يعمل الفيروس، وفي النهاية نحن نتعاون لتمويل مثل هذا المشروع الضخم.

إجراء التجارب بالشركة
هل لدى شركة "كيورفاك" ما يكفي من مصادر تمويل للمشروع؟

عملية تطوير وتصنيع لقاح تكلف الكثير من المال، ونحن شركة طبية صغيرة، لذا فالمال دائمًا موضوع محل نقاش، صحيح أن المساهم الرئيسي في شركتنا هو شركة “ديفيني هوب بيو تك”، المؤسس السابق لشركة “ساب إس إي” عملاق البرمجة الألماني. لكن تظل هناك حاجة للمال لزيادة قدرتنا الإنتاجية وللقيام بالمرحلة الثانية في التجارب السريرية والمرحلة الثالثة، وهو أمر مكلف للغاية، لذا نعم بالتأكيد نحن نحتاج استثمارًا يوازي عملية تطوير وتصنيع اللقاح. 

هل تلقيتم أي عرض للمساعدة من قبل الحكومة الألمانية بخصوص التمويل؟

نحن في تواصل وحديث مع مؤسسات ومنظمات عديدة، لكن نحن عادة لا نتحدث عن مفاوضات ما زالت تجري، عندما يتم الاتفاق بشكل نهائي على أمر ما سنقوم بالإعلان عنه. 

أحد أطباء شركة كيورفاك
ما هي خططكم المستقبلية في حال انتشار فيروسات أخرى من عائلة "كورونا"؟

التكنولوجيا الخاصة بنا، تكنولوجيا الـ(آر إن إيه)، توفر لنا ميزة القيام برد فعل مرن وسريع في حال حدوث حالة تفشٍّ جديدة، لأننا حينها سوف نحتاج فقط إلى معلومات تسلسل الحمض النووي للفيروس الجديد، ثم بعد ذلك يمكننا تركيب هذه المعلومات على عنصر الـ(آر إن إيه) لدينا، نحن نمتلك الأساس الذي يمكن الاعتماد عليه إذا حدثت طفرات لفيروس كورونا (تغير التركيب الجيني للفيروس)، ونحن واثقون من أنه يمكننا أن نتصرف بشكل سريع. 

أخيرًا.. كيف ترى المستقبل بعد جائحة كورونا؟

أنا متفائل، نحن جميعًا رأينا التحديات الموجودة حاليًّا والتأثير الاقتصادي والاجتماعي، وهو ضخم للغاية، لذا أعتقد أن علينا إيجاد الخط الفاصل بين مواجهة الفيروس وكذلك المحافظة على الاقتصاد والحياة الاجتماعية، لأنه لا يُعقل أن نهزم الفيروس ويكون الاقتصاد قد مات.

أظن أن حياتنا خلال الشهور القليلة المقبلة ستكون مختلفة عما كانت عليه من قبل، مع استمرار بعض القيود حتى يكون هناك لقاح في الأسواق، حينها أعتقد أنه ربما يمكننا استعادة حياتنا القديمة، ونعود للحياة التي عرفناها في الماضي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد لملوم

ألمانيا

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search