حركة كيو - آنون

هل تقود "مؤامرة الجنون" ترامب للفوز الثاني؟

في الجزء الأول من سلسلة أفلام (شيرلوك هولمز)، التي قام ببطولتها الممثل الأمريكي “روبرت داوني جونيور”، يقوم ساحر من الموت بطريقة غريبة، ليبدأ سلسلة عمليات قتل ضد مسئولين بريطانيين، ويتبنى مع أتباعه مؤامرة الغرض منها السيطرة على إنجلترا، ويقوم بجذب أعضاء من مجلس العموم البريطاني لصالحه، ويحاول ضمن مؤامرته قتل بقية أعضاء المجلس غير الموالين له، قبل أن يتصدى “هولمز” لمؤامرته.

قصة الفيلم تشبه -إلى حد ما- الصعود الأخير لحركة تُطلِق على نفسها اسم “كيو – أنون”، التي انتشرت في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي لمساندة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، داعمة إياه في مواجهة مؤامرة مجهولة يقودها أشخاص بارزون من الحزب الديمقراطي، وهي الحركة التي لقيت دعوتها صدى واسعًا لدى التيارات اليمينية في الولايات المتحدة.

تُروّج حركة (Q- Anon) لمؤامرة افتراضية مضمونها أن هناك جماعة غامضة سريّة تحكم الولايات المتحدة الأمريكيّة من وراء الستار، وأن هذه المجموعة هي عبارة عن شبكة أفراد من النخبة من أصحاب النفوذ الواسع، تضم سياسيّين ورجال أعمال وإعلاميين في مناصب كبيرة، ويأتي على رأسهم “بيل كلينتون” وزوجته، و”باراك أوباما” وزوجته “ميتشيل”، ونجوم هوليود، وعائلة “روتشيلد” وشخصيات أخرى أمريكيَّة وعالمية نافذة، واعتبرت الحركة أن الرجل الوحيد القادر على مواجهة هذه المجموعة بمؤامراتها هو الرئيس “دونالد ترامب”.

وبحسب موقع “BBC” -النسخة الإنجليزية– تدِّعي الحركة أن المواجهة بين “ترامب” وبين هذه المجموعة السرية ستقود لما اعتبرته بـ”يوم الحساب”، حيث ستنتهي تلك المواجهة بالقبض على قادة المؤامرة، وعلى رأسهم “هيلاري كلينتون” و”باراك أوباما”.

وتعتبر السردية السابق ذكرها هي السرديَّة الأساسية التيِّ يروج لها مجموعة (Q-anon)، لكنّ هناك كثيرًا من الشعارات والدعاوى الأخرى التي تروج لها المجموعة، بعضها متناقض للغاية، كغالب كل دعاوى الحركات الأصوليّة الشعبوية.

يعتقد مؤيدو الحركة أن هناك مؤامرة من دولة عميقة ضدهم- BBC

قد يبدو الأمر مضحكًا للوهلة الأولى، أو دعوى لا يمكن النظر إليها بجديّة، خصوصًا مع محتوى الخطاب الحاد غير العقلاني الذي تتنباه “كيو – أنون”، لكن المفاجأة أن الحركة تلقى تجاوبًا كبيرًا داخل قطاعات محافظة معتبرة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ويؤمن بها سياسيون وعسكريون وأفراد من الشرطة من صغار ومتوسطي الرتب، وقطاعات واسعة من الحزب الجمهوري، و”دونالد ترامب” نفسه أثنى في تصريحات مقتضبة له على وطنية الحركة وأتباعها.

في 30 نوفمبر من عام 2018  نُشرِت صورة على حساب نائب الرئيس الأمريكي “مايك بنس” أثناء زيارة له لمنطقة حكومية بمقاطعة بروارد، بولاية فلوريدا، يظهر “بنس” في الصورة وهو يصافح فردين من مجموعة جنود قوات التدخل السريع SWAT، وأحدهما يضع على مقدمة سترته حرف (Q) باللونين الأحمر والأسود وهو الشعار (اللوجو) الخاص بمجموعة (Q- Anon) السريّة.

الصورة التي انتشرت على حساب “بنس” على موقع “تويتر” وحُذفت بعدها مباشرة، أثارت تساؤلات عديدة حول الشعبية التي حازتها الحركة التي توصف بـ”المُريبة” في أوساط قيادات وزارتي الدفاع والداخلية.

أحد أفراد قوة التدخل السريع يضع شعار الحركة خلال لقاء مايك بينس (المصدر The new York Times )

كما أن قناة (سي إن إن) وصحيفة “نيويورك تايمز” نشرا تقريرين مطولين احتويا على معلومات هامة للغاية عن مرشحين محتملين للكونجرس من داعمي مؤامرة (Q-Anon)، منهم على سبيل المثال “مارجوريّ تايلور جرين”، وهي المرشحة التي فازت على جمهوري (من جناح الحزب الأكثر ليبرالية ولا يدعم ترامب أو حركة كيو آنون) في انتخابات الإعادة التمهيدية لمجلس النواب.

“مارجوري” لم تُخفِ دعمها التام لـ(كيو آنون) فقد أعلنت بصورة خاصة خلال الحملة الانتخابية أن “كيو آنون” كانت “فرصة فريدة للتخلص من الزمرة الشيطانية لمستغلي الأطفال” التي تسيطر، على حد قولها، على دهاليز السلطة.

وحسب “النيويورك تايمز” الأمريكية، فصعود “جرين” المؤيدة لنظرية المؤامرة مثل “كيو أنون” على حساب مرشح آخر أقل محافظة، سيكون مزعجًا إلى حد كبير لبعض مسئولي الحزب الجمهوري، الذين سعوا إلى إبعاد أنفسهم علنًا عن مؤيدي (Q-Anon) الذين يترشحون للمناصب في الكونجرس، خصوصًا وأن الحركة أحدثت توترًا كبيرا بمنشوراتها، وبالمبالغة الكبيرة في الدعاية السلبية التي تطلقها.

مارجوري تايلور جرين، المؤيدة الجمهورية لحركة كيو آنون المؤيدة لترامب (المصدر: النيويورك تايمز)

في المقابل، هناك حفاوة يبديها ترامب ومعه مسئولون آخرون بمجموعة “كيو آنون”، حيث وصفهم ترامب بأنهم “جماعة من الوطنيين” كما قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكتابة تويتة تهنئة لتخطي مارجوري جرين الانتخابات التمهيدية، يُظهر فيها الترحاب المبالغ فيه، قائلًا: “تهانينا للنجمة الجمهورية المستقبليَّة مارجوري تايلور جرين على فوز كبير في الانتخابات التمهيدية للكونجرس في ولاية جورجيا، ضد خصم قوي للغاية وذكي، مارجوري قوية في أمور عِدة، ولا تستسلم أبدًا. تستحق الفوز حقيقةً”.

في المقابل، هناك حفاوة يبديها ترامب ومعه مسئولون آخرون بمجموعة “كيو آنون”، حيث وصفهم ترامب بأنهم “جماعة من الوطنيين” كما قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكتابة تويتة تهنئة لتخطي مارجوري جرين الانتخابات التمهيدية، يُظهر فيها الترحاب المبالغ فيه، قائلًا: “تهانينا للنجمة الجمهورية المستقبليَّة مارجوري تايلور جرين على فوز كبير في الانتخابات التمهيدية للكونجرس في ولاية جورجيا، ضد خصم قوي للغاية وذكي، مارجوري قوية في أمور عِدة، ولا تستسلم أبدًا. تستحق الفوز حقيقةً”.

الصعود الغامض للحركة اليمينية

في أكتوبر من عام 2017 قام مستخدم مجهول بوضع سلسلة من المشاركات على منصة (4 chan)، وهي منصة شهيرة تنشر رسائل مختلفة لمشتركين مجهولين، وقد قام المستخدم المجهول حينها بالتوقيع بعلامة (Q)، وادَّعى حينها أن لديه مستوى من الموافقة الأمنية معطاة له من السلطات الأمريكية، ويُعرَف هذا المستوى بمستوى (Q Clear)، وأصبحت هذه الرسائل تعرف باسم “قطرات Q” أو “فتات الخبز”، وغالبًا ما تُكتب بلغة غامضة مليئة بالشعارات والتعهدات والموضوعات المؤيدة لدونالد ترامب، بعدها انفجرت تلك الرسائل في مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى مثل “فيسبوك” و”تويتر” ويوتيوب” و”ريديت”، واليوم يمكن الحديث عن مئات الآلاف في الولايات المتحدة الأمريكية المؤمنين بكثير من النظريات التي تقوم بترويجها حركة (Q-Anon)، والتي طوال الوقت تقوم بالهجوم على السياسيين والإعلاميين وحتى محققين تابعين لجهات حكومية أمريكية، يقومون بالتحقيق في اتهامات وجهت لإدارة ترامب، كقضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية على سبيل المثال، حيث وصفت تغريدات (كيو- أنون) بأن هذه التحقيقات تتم بغرض التغطية على المسئولين الحكوميين المتهمين بالتجارة في الأطفال.

فيما تحدثت شبكة (يورونيوز) عن أن المجموعة ظهرت في عام 2016، وتحديدًا في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث قام مروجو نظرية مؤامرة (كيو- أنون) بنشر شائعات عن هيلاري كلينتون، قالوا فيها إن هيلاري من أفراد عصابة تقوم بتهريب الأطفال.

"حيثما نذهب، نذهب جميعًا" الشعار الأساسي الذي ترفعه المجموعات الداعمة لمؤامرة "كيو آنون"

وبالفعل بدأت المجموعات الداعمة لمجموعة مؤامرة (Q-Anon) بالانتشار على الشبكة الافتراضية أولًا، وتحديدًا على منتديات تنشر رسائل لمجهولين مثل (4Chan) و(Chan 8) قبل أن تتحول حركتهم لاحقًا من الإنترنت للواقع، حيث ظهر مؤيدون للحركة نفسها في تظاهرات أو مسيرات داعمة لدونالد ترامب وهم يرتدون قمصانًا عليها حرف (Q)، الذي يمثل شعار (Q-Anon).

وفي مارس 2019، أطلق رجل النار على زعيم عائلة وقتله، لأنه كان يعتقد أن الأخير عمل مع “المتآمرين في النظام” لإيذاء دونالد ترامب، كما أن امرأة أخرى في مونتانا اختطفت طفلها الذي فقدت حضانته، لأنها كانت تعتقد أن سلطات شئون الأسرة تتاجر بالأطفال لصالح تلك “النخبة الشيطانية المتخفية”.

وحسب “فرانس 24” فقد اعتبر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) رسميًّا حركة (كيو آنون) “تشكل خطرًا محتملًا لنشر الإرهاب المحلي”. كما اعتبرت المباحث الفيدرالية أيضًا دخول “ذئاب كيو آنون” إلى حظيرة الحزب الجمهوري بمثابة “الخطر الداهم”.

مؤيدو مؤامرة كيو آنون يرفعون لافتات عليها شعار المؤامرة أو المجموعة في التجمعات الداعمة لترامب (المصدر Getty image)

افتراضيَّا، تُواجِه حركة “كيو آنون” في المقابل حملة مضادة من قبل موقعي “فيسبوك” “وتويتر”، اللذين قاما بإزالة آلاف الحسابات (الأكونتات) الوهمية التابعة للحركة، والتي تقوم بنشر أخبار وفيديوهات تحمل مضامين سياسية وصفت بـ”الكاذبة”. وفي بيان لموقع (تويتر) أكّد الموقع أنه أزال آلاف الحسابات المرتبطة بمجموعة نظرية مؤامرة (Q-Anon) قائلًا إن المجموعة وداعميها يقومون بكتابة نصوص يمكن أن تؤدي إلى أضرار خارج شبكة الإنترنت”.

موقع تويتر يتخذ إجراءات قاسية ضد حسابات تابعة لحركة مؤامرة كيو أنون (المصدرUSA today)
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد عبدالحميد حسين

باحث مهتم بدراسة الأنثروبولوجيا

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search