مختاراتوجهات نظر

كُتب عليكم التحرش

محمد السيد الطناوي

 

تهديدات بالقتل وتشويه للسمعة وحملتي دعم، واحدة للمتهمين في الجريمة وأخرى للفتاة المعتدى عليها، جعل حادثة التحرش الجماعي بميت غمر ـ الدقهلية تلقى صدى أكبر من سابقاتها، ومنهم واقعة بعاصمة المحافظة مازلت تحتفظ بها الذاكرة، تعرضت بطلتها لتشويه وهجمة مماثلة.

تكرار هذه الحوادث وتواترها رغم تعديل القانون وتغليظ العقوبة يؤشر على أنها ليست ظاهرة عابرة بل مقيمة وممتدة، ووفق التقارير الأممية تتقدم مصر ومنطقتنا العربية بصفة عامة  دول العالم في نسب التحرش الجنسي، هذا معناه أن الظاهرة تتطلب تناولا يبتعد بها عن المرئي من أسبابها الذي ترصده أعين الكافة إلى غير المرئي الذي يحتجب فيحتاج إعمالا للفكر في إدراكه، وأول خطوة على هذا السبيل تقف عند عتبة الاستبداد.

يستدعى ذكر الاستبداد أول ما يستدعي اسم عبد الرحمن الكواكبي في دراسته التأسيسية المتقصية طبيعة الظاهرة “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” حيث نبه المفكر العربي الكبير إلى أن الاستبداد “يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة فيضعفها..” في حين أن “أسير الاستبداد العريق فيه يرث شر الخصال، ويتربى على أشرها.. ولا يملك شيئا ليحرص على حفظه؛ لأنه لا يملك مالا غير معرض للسلب ولا شرفا غير معرض للإهانة، ولا يملك الجاهل منه آمالا مستقبلية ليتبعها..”.

هذه الحال تجعل “الأسير لا يذوق في الكون لذة نعيم، غير بعض الملذات البهيمية، بناء عليه يكون حريص على حياته الحيوانية وإن كانت تعيسة، وكيف لا يحرص عليها وهو لا يعرف غيرها”.

تعقد معالجة الكواكبي بذلك صلة وثيقة بين الاستبداد وسلوكيات فيها من إطلاق العنان للغريزة بقدر ما فيها من العنف انتقاما من الفرد لحاله ولاستباحة إنسانيته، وهي رؤية تتفق مع طرح أرسطو أن “الإنسان حيوان سياسي”، فرضية استقاها الفيلسوف الإغريقي من واقع مدينته أثينا، التي تقرر نظامها على أساس ممارسة مواطنيها للفعل السياسي، فكان في جوهره فعل الحرية.

في تلك المدينة  (polis)الأعجوبة، مثّل المجال الخاص للفرد عالم للقيود وللاحرية بينما تبدى المجال العام كمجال لممارسة الحرية!، لهذا أدرك الإغريق، مثلما صورت حنة آردنت، أن تعاطيهم مع المدنية ككيان سياسي كان مرهونا بإشباع الحاجات الجسدية أولا، فجعلوا هذا العمل موقوفا على العبيد على اعتبار أنهم محرومون من “اللوجوس” وليس لديهم قدرة على ممارسة السياسة حيث لم يتحرروا من “عبودية الضرورة”

أصّلَ النظام السياسي اليوناني كذلك لقيمة الحوار، ومن خلاله تعلم الأثيني أن يستمع ليتعرف على وجهات النظر الأخرى بعيدا عن علاقات القمع والهيمنة وفرض الرأي الواحد، تعلم أن ينتصر للمنطق والعقل وأن شئونه العامة لا يستطيع تسييرها إلا بإسهام الجميع على اختلاف آرائهم، فروّضه هذا على احترام الآخر وأن وجوده ضروري.

وهو النموذج الذي استلهمه الغرب في بناء تجاربه الديمقراطية وفي ترسيخه لمفاهيم الحرية والتسامح والعقلانية، لكن عندما تتحول السياسة من ساحة لفعل الحرية إلى ميدان لممارسة العنف والقمع والترهيب يفقد الإنسان حريته، مرتدا إلى دائرته البيولوجية، مما يؤشر بالطبع على تراجع العقل في المجال العام وتقدم الغريزة.

هذا معناه أن الاستبداد  في عصفه بحرية الإنسان من حيث هو “حيوان سياسي” يوفر مناخا مشجعا على حوادث مثل المشار إليها، لأن أسير الاستبداد لا يملك “شيئا يحرص على حفظه.. ولا شرفا غير معرض للإهانة، ولا يملك آمالا مستقبلية ليتبعها..”.

هناك عامل ثانٍ يتعلق بالخطاب المبرر لوقائع التحرش المتواترة، ويتصل بسفور المعتدى عليها أو ملبسها الذي يوصف عادة بأنه مثير للغرائز، فيمسي ذريعة عند الكثيرين لغض الطرف عن الحادثة علاوة على كونه سببا وحيدا للاعتداء يسوقه المتحرشون غالبا.

فإذا حفرنا للتفسير، وراء هذا الخطاب تحت زعم أننا لم نقطع مع عصور سابقة كانت العبودية قائمة فيها، سنلقى المرأة الحرة لها زي متعارف عليه، ومصانة لا تمس، بينما الأمة ممتهنة مستباحة لا تُلزم زيا معينا عدا أن تتشبه بالحرائر، وفي هذه الاستباحة وعلاقتها بالزي وردت روايات شهيرة تأسيسية، منها ما كان عن عمر بن الخطاب لدى رؤيته جارية متقنعة أو مختمرة فكان يضربها قائلا أتتشبهين بالحرائر يا دفار= منتنة أو يا لكاع = لئيمة، وهي ألفاظ استعملت بالطبع للتحقير والامتهان.

وقبل ذلك، عند فرض الحجاب، ذكر الطبري في تفسيره للآية “يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما”: كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء، ونقل المفسر عن مجاهد بن جبر: قوله “يدنين عليهن من جلابيبهن”  يتجلببن، فيعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة.

ويفصل النيسابوري في سبب النزول: كان قوم من الزناة يتبعون النساء إذا خرجن ليلا، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولم يكن يومئذ تعرف الحرة من الأمة لأن زيهن كان واحدا، إنما يخرجون في درع وخمار، فنهى الله سبحانه الحرائر أن يتشبهن بالإماء..”.

إذن معالجة مسألة التحرش اقتصرت على إنقاذ الحرائر بتمييز ملبسهن عن الإماء، والمسكوت عنه في النص أن التحرش زادت وتيرته بالتبعية للجواري إثر تجنيب الحرائر من خلال الزي، ليترسخ بعد ذلك الربط بين السفور من جانب وبين التحقير والامتهان والاستباحة من جانب آخر، ولم يحدث انقطاعا ولم يكن له أن يقع ما دامت ذهنية اليوم هي ذهنية الأمس التي ـ بتعبير عبد الله العروي ـ حددت العقل بالمعقول، والمعقول بعلم سابق على العقل، لتكوّن هذه المعادلة دائرة مغلقة بسبب تقدم المعقول على العقل.

الخلاصة أن هذ المتخيل الديني ـ الثقافي المتسلط على مجتمعنا حتى اليوم متحالفا مع الاستبداد، الذي حصر الإنسان في كينونته البيولوجية، لا يَعد إلا بتعاظم هذه الظاهرة وتمددها وليس أمام الفتاة أو السيدة السافرة غير الحجاب حتى تمسي “مصونة” و”محصنة” من الأذى.

 

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى