زوايامختارات

لإسقاط حق العودة الفلسطيني.. “اللاجئون اليهود”.. هل تتذكرون مسمار جُحا؟

 

“مسمار جُحا” هو آخر أدوات اللعبة السياسية التي تُديرها دولة الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة. وإذا كنتم نسيتم قصة هذا المسمار، نذكركم بها قبل أن ندخل في موضوعنا هذا: مسمار جحا موقف يحكي قصة اثنين باع أحدهما بيته إلى الآخر واشترط البائع في العقد أن يُبقي مسمارًا ملكًا له في البيت، ويكون له الحق في أن يأتي للمسمار كلما أحب. فوافق المشتري على أساس أنه أمر وقتي، لكنه فوجئ بحضور صاحب المسمار كل يوم، حتى استاء أهل البيت من ذلك.

هل توقف عند هذا الحد؟ أبدًا. ظل البائع يذهب يوميًّا للرجل بحجة مسماره العزيز، وكان يختار أوقات الطعام ليشارك الرجل طعامه، فلم يستطع الرجل الاستمرار على هذا الوضع، وترك المنزل بما فيه وهرب.

لندخل في الموضوع: في تحرك إسرائيلي رسمي جديد، قال جلعاد أردان المندوب الإسرائيلي الدائم لدى الأمم المتحدة، إنه يعتزم طرح مشروع قرار في المنظمة الدولية يدعو للاعتراف بـ”اللاجئين اليهود من الدول العربية” ما يفتح المجال أمام تل أبيب لمطالبات قد يكون على قائمتها الحصول على تعويضات.

هذا يشبه التحرك الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام العام الماضي، بطلب تعويضات من الدول العربية عن ممتلكات اليهود، استمرارًا لمحاولات دولة الاحتلال لربط نفسها بكل ما يُطلق عليه “يهودي” سواء أكان ممتلكات أم جاليات، لتحقيق أهداف تخدمها.

مقال أردان

أردان كتب في مقال بصحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية تحت عنوان: “اتفاقيات أبراهام.. فرصة لمساعدة يهود الدول العربية”: “لن تسمع قصتهم في اجتماعات الاتحاد الأوروبي، ولن تجد صورهم معلقة في المعارض المقامة بأروقة الأمم المتحدة.. هؤلاء هم 850 ألف لاجئ يهودي طُرِدوا من الدول العربية وإيران”، مضيفًا: “بالنسبة إلى الأمم المتحدة، هم لاجئون يمكن نسيانهم.. لكن ليس بالنسبة إلينا.. بعد الفشل في الحيلولة دون إقامة دولة إسرائيل، وكجزء من الغضب العربي على قرار 29 نوفمبر/ تشرين الثاني (قرار تقسيم فلسطين الصادر عام 1947) شنت الدول العربية حربًا ليس فقط ضد الدولة اليهودية الوليدة، بل أيضًا ضد الجاليات اليهودية المزدهرة والمسالمة التي عاشت داخلها”، على حد زعمه.

أردان يهاجم الأمم المتحدة

وأوضح أردان في مقاله أن “جاليات كاملة في المغرب والعراق ومصر وسوريا ولبنان وإيران وفي دول أخرى انمحت ومعها تراث وثقافة وتاريخ امتد لآلاف السنين”، مهاجمًا المنظمة الدولية قائلاً: “لم تفعل الأمم المتحدة أي شيء على الإطلاق، ولم تسمح بالاعتراف بالظلم الهائل الذي لحق بإخواننا الذين قُتلوا وهوجموا ونهبت الدول العربية ممتلكاتهم”.

وتابع: “عملت الأمم المتحدة في العقود التي تلت إبعاد اليهود من تلك الدول، على مساعدة “اللاجئين الفلسطينيين فقط”، مضيفًا: “أرى ذلك كواجب أخلاقي لإسرائيل ولي شخصيًّا، لمواجهة وتصحيح الظلم الذي تعرض له إخواننا وأخواتنا الذين طُرِدوا. وكسفير إسرائيل بالأمم المتحدة، وانطلاقًا من التزام عميق تجاههم، سوف أعمل على ترسيخ القضية في وعي المجتمع الدولي”.

يكمل: “لذلك قررت مع تولي المنصب، أن أقود حملة دبلوماسية دولية، لتمرير قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يعترف باللاجئين اليهود من الدول العربية وإيران”.

واعتبر أن هدف الاقتراح “ليس الصدام مع جيراننا، ولكن تحقيق العدالة والمساواة في موقف العالم من الظلم الهائل الذي لحق بأبناء شعبنا”. ومضى قائلاً: “أعتزم تقديم القرار قريبًا إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، واستغلال العلاقات التي كوَّنتها بالفعل مع العديد من السفراء، من أجل حشد دعم واسع”.

وزاد أردان: “إذا كان المجتمع الدولي يعتزم تعزيز فرصة للسلام بيننا وبين جيراننا، فيتعين عليه أن يعترف بالحقيقة التاريخية والظلم الذي تعرض له اليهود العرب.. قد لا يغير الخطاب الذي سنطرحه في أروقة الأمم المتحدة التاريخ، لكنه سيعيد الاحترام المناسب، ويعترف بالظلم الذي حدث على مدى عشرات السنين”.

ليست المرة الأولى!

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتحرك إسرائيل فيها -بغرضٍ ما- نحو الدول العربية بمطالبات تبدو “غير بدهية”، ففي العام الماضي كشفت وسائل إعلام أن إسرائيل تستعد لمطالبة 7 دول عربية وإيران بمبالغ إجمالية قدرها 250 مليار دولار تعويضًا عن ممتلكات اليهود الذين زعمت أنهم “أُجبروا” على مغادرة تلك البلاد عقب قيام الدولة، وذلك بحسب ما ذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الإسرائيلية.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن “جيلا جامليل” وزيرة العدالة الاجتماعية الإسرائيلية السابقة المعنية بهذا الملف، وهي أيضًا وزيرة البيئة الحالية: “جاء الوقت لتصحيح هذا الخطأ التاريخي ضد اليهود في 7 دول عربية وإيران واستعادة مئات الآلاف من اليهود لممتلكاتهم”.

وذكرت الصحيفة الإسرائيلية آنذاك الانتهاء من إعداد قائمة تعويضات مطلوبة من أول دولتين، لافتة إلى أنها بصدد طلب 53 مليار دولار تعويضات ليهود تونس و15 مليارًا تعويضات ليهود ليبيا.

وبحسب ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، فإنه “خلال 18 شهرًا كلفت الحكومة الإسرائيلية مؤسسة محاسبية دولية، بتقدير حجم الممتلكات والأصول التي رأت أن اليهود أُجبروا على تركها وراءهم.

* في 2014 مررت إسرائيل قانونًا باعتبار 30 نوفمبر/ تشرين الثاني يومًا لإحياء ذكرى “ترحيل” اليهود من الدول العربية وإيران.

* يتضمن اليوم فعاليات دبلوماسية لتنمية الوعي الدولي بما تطلق عليه إسرائيل “قضية اللاجئين اليهود من الدول العربية وإيران وحقهم في التعويض”.

* قال بنيامين نتنياهو آنذاك: “إن الدول العربية التي لم تقبل قرار الأمم المتحدة بالتقسيم عام 1947 وإقامة دولة إسرائيل، دفعت اليهود المقيمين بها للمغادرة تاركين ممتلكاتهم. سنعمل دائمًا على عدم نسيان مطالبهم”.

* في مارس/ آذار 2014 اعترفت كندا رسميًّا بوضع اللاجئين اليهود المهاجرين الذين هربوا أو “أُجبِروا” على مغادرة الدول العربية لدى إعلان قيام إسرائيل.

أهداف إسرائيل

شادي محسن، الباحث بالمركز المصري للفكر والدراسات، يقول إن إسرائيل في الفترة الراهنة تستمر في إعلان اقتراب توقيعها لاتفاقيات سلام جديدة مع دول عربية أخرى؛ وتهدف إلى ترسيخ إدماج إسرائيل في المنطقة، ولذلك ليس من المنطقي أن تقدم الحكومة الإسرائيلية على خطوة قد تُنقِص تقدمها باتجاه التطبيع والاندماج في المنطقة. واستدرك الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي لـ”ذات مصر”، أنه توجد أهداف تسعى وراءها إسرائيل من إثارة هذه القضية مجددًا.

مساومة أمام حق العودة

شادي محسن

يوضح “محسن” أن الهدف الأول يتلخص في استخدام إسرائيل للقضية كورقة مساومة أمام حق العودة الفلسطينين: “يبدو أن الحكومة الإسرائيلية توجه بوصلة الإدارة الأمريكية الجديدة، في حال استؤنفت المفاوضات بين إسرائيل وفلسطين بشأن القضية الفلسطينية، وفي قلبها حق العودة وحقوق اللاجئين الفلسطينيين”، مشيرًا إلى أن الكونجرس الأمريكي أقر في إبريل/ نيسان 2008 قانون الاعتراف بمساواة حقوق اللاجئين الفلسطينيين واليهود.

إعلاء القومية اليهودية

أما الهدف الثاني، فتمثل في إعلاء القومية اليهودية. يوضح الباحث أن الأحزاب الدينية التي تشكل أساس الحياة السياسية في إسرائيل، تُجادل حاليًّا بأن اليهودية ليست ديانة فقط، بل قومية تشكل هوية إسرائيل، مضيفًا أنه “لا يمكن فصل السياق الزمني لقضية اللاجئين اليهود عن قرار الكنيست الأربعاء 2 ديسمبر/ كانون الأول الحالي برفض جميع الالتماسات التي ترغب في بطلان قانون القومية اليهودية في إسرائيل، حيث تستهدف الحكومة الإسرائيلية  من وراء ذلك إصدار رسالة واضحة بأن إسرائيل اليهودية هي راعية اليهود في كل زمان ومكان، وهو ما يبرر أن الوثيقة الرسمية التي ستتقدم بها إسرائيل أمام الأمم المتحدة تطالب بأن تذهب التعويضات إلى حكومة إسرائيل وليس إلى الأسر اليهودية ذاتها، بزعم أن إسرائيل هي التي احتوت هؤلاء اليهود”. وقال: “بطبيعة الحال سيستفيد نتنياهو المتخبط سياسيًّا داخل إسرائيل بتوظيف الأمر سياسيًّا، لكسب مزيد من أصوات أسر وأقران اللاجئين اليهود”.

ترسيخ قضية معاداة السامية

نتنياهو

ترسيخ إسرائيل لقضية معاداة السامية وتوظيفها سياسيًّا، كان الهدف الثالث الذي تحدث عنه محسن، الذي يشدد على أن إسرائيل تدرك تنامي تيارات ترفض استمرار الحكومات في توظيف معاداة السامية لمصالحها، أو إجحاف حقوق أعراق وشعوب أخرى، وهي تيارات تظهر بوضوح في فرنسا، لذلك ترغب إسرائيل في إثارة قضايا تسمح لها بترسيخ إرث وتاريخ اليهود في عدد من الدول، وربط ذلك بدولة إسرائيل ارتباطًا مباشرًا، من أجل ربط انتقاد سياسات إسرائيل بمعاداة السامية.

إسقاط حق اللاجئين الفلسطينيين

وأشار محسن إلى أن إسرائيل وقت إقامة الدولة في 1948، لم يثر مؤسسها وأول رئيس وزراء لها “ديفيد بن جوريون” هذه القضية؛ ويُرجع ذلك إلى أن بن جوريون وظَّف قدوم اليهود إلى إسرائيل تحت اعتبارات صهيونية، ومن أجل إطلاق الدعوات لجميع اليهود في أنحاء العالم بالهجرة إلى إسرائيل. ولذلك لم يطلق على كل من هؤلاء اليهود صفة “لاجئ”، بل صفة “مهاجر”.

كما لفت إلى أنه لا توجد بيانات دقيقة لدى الحكومة الإسرائيلية عن أعداد اللاجئين أو المهاجرين في فترة الخمسينات والستينات، فتقول إسرائيل إن عدد اللاجئين القادمين من مصر يمثل نصف العدد الإجمالي للاجئين، وهو 850 ألف شخص. في حين ترد وثائق من مراكز بحثية (مثل مركز هرتسليا) تقول إنهم 15 ألف أسرة فقط. إذًا، لا تملك إسرائيل الوثائق والحجج الكاملة على صحة روايتها، مضيفًا أن مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “أوجست رودولف ليندت” أصدر في فبراير/ شباط 1957 بيانًا ذكر فيه: “لا شك أن المهاجرين من مصر الذين يرفضون الامتثال لحكوماتهم، هم لاجئون يتبعون مكتبي”. لكن في الحقيقة، بمجرد وصول اليهود إلى إسرائيل منحتهم الحكومة الجنسية، والحقوق القانونية والمدنية كافة، كحق الانتخاب والترشح، كما فسر الباحث بالمركز المصري للفكر والدراسات.

 

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى