لاظوغلي بك ولطيف باشا.. دماء تحت قدَمَيْ محمد علي

د. عبد الحيّ حسن

طبيب وكاتب مصري

“جرّوا لطيف باشا على الأرض، وخرجوا به إلى رحبه القلعة، وأحضروا سيَّافا غير ذي خبرة بناء علي طلب لاظوغلي بهدف الإمعان في تعذيب لطيف، فضربه السياف ضربه بالسيف على عنقه فلم ينقطع، فأخذ يصرخ وهو يخور كخوار العجل، وعندئذ تكالب عليه الجنود فأكملوا ذبحه كبهيمة”. 

مشهد تاريخي دموي وقع بالفعل. مشهد من فصول صراع الحكم في عصر محمد علي باشا، لم تذكره كتبة التاريخ الرسمي لكنّ ذاكرة التاريخ الشعبي المصري تحتفظ به في دفاترها. أي دفتر وأي كتاب ومن هو ذاك اللطيف باشا الذي ذُبح كالبهائم؟

في ديسمبر/ كانون الأول من العام 1813 انطلق محمد علي باشا، والي مصر، في رحلة إلى بلاد الحجاز لمتابعة حروب جيشه بقيادة ابنه أحمد طوسون باشا ضد الوهابيين، وكان الكتخدا محمد لاظوغلي بك هو القائم على حكم مصر في ذلك الوقت حتى عودة الباشا من رحلته، وفي أثناء ذلك وقعت حادثه بمصر كادت تكتب نهاية مفاجئة ومبكره ودراميَّة لحكم الباشا محمد علي لولا يقظة ودماء قائمقامه، ورئيس حكومته محمد لاظوغلي بك.

خروج الباشا للحرب

وأصل الحكاية أنه لما استطاع طوسون باشا وجيشه دخول المدينة المنورة وهزيمه الجيش الوهابية واعتقال القائد الأمير مضيان بن مسعود الظاهري، فرح محمد علي بذلك فرحًا شديدًا، وشرع في إرسال بشارة النصر للباب العالي في الآستانة لتزيد خطوته عندهم وثقتهم به، وبالفعل أرسل رئيس ديوانه (لطيف باشا) بتلك البشارة وأرسل معه أصغر أبنائه (إسماعيل كامل باشا ابن محمد علي) وكان حينذاك صبيًّا مراهقًا، وأرسل معهما مفاتيح المدينة المنورة بالإضافة إلى الأمير المخلوع مسعود بن مضيان.

وعندما وصل لطيف باشا إلى إسطنبول فوجئ باستقبال أسطوري أُعِدَّ خصوصًا له، وقد حضر حفل استقباله عظماء الدولة وكبار رجال الباب العالي، وأقيمت له الأفراح، وحشدوا له الشعب للهتاف باسمه مصحوبًا بالألقاب العظيمة، وأقاموا له موكبًا جليلاً سار من خلفه الأعيان والعظماء، فكان يومًا مشهودًا، وعرسًا كبيرًا، كان لطيف بك هو نجمه الأول. 

أما الأمير الأسير مضيان بن مسعود فقد طافوا به البلاد مقيدًا بالسلاسل، وسمحوا للرعية بإلقاء القاذورات على وجهه، ثم أخذوه بصحبه لطيف بك لملاقاة السلطان، وفور وصولهم القصر السلطاني قام الحرس بخنق الأمير مضيان، وتعليق جثته علي صليب أمام بوابه القصر كنوع من أنواع الاحتفال بالنصر على التمرد الوهابي بالأراضي المقدسة.

إكرام لطيف باشا

 بعد ذلك، أدخلوا لطيف بك للمثول بين يدي السلطان العثماني، حيث أكرمه الأخير وأنعم عليه بلقب (باشا)، وأعطاه أعيان الدولة التحف والهدايا الثمينة، وعاد راجعًا إلى مصر في أُبهه زائدة، وقد شعر بالعظمة، وارتفاع القدر وعلو المنزلة، كل ذلك حدث على مسمع ومرأى من الصبي إسماعيل كامل باشا ابن محمد علي، الذي رأى وفهم ما دخل لطيف باشا من غرور، وما همس به من كلمات مفادها أنه لا يَلقى بمصر التقدير المكافئ لمكانته ووضعه بالقاهرة.

وبعد وصول لطيف باشا إلى القلعة، لم ينفرد به الباشا محمد علي ولا رجال حكمه، فقد قابلوه دون احتفاء، وتجاهلوه تجاهلا لافتًا شعر لطيف معه بشيء من الإهانة.

تواردت على ذهن لطيف حينها ذكرياته القديمة عندما كان مملوكًا أهداه أحد أصدقاء محمد علي إلى الأخير على سبيل الهدية، فضمه الباشا الكبير إلى خدم الديوان بالقلعة، حيث أثبت إخلاصًا ووفاءً، واكتسب ثقه الباشا إلى أن رقَّاه إلى رتبه “إنختار أجاسي”، وهو المشرف والمسؤول عن جميع الخدم والعاملين داخل القلعة.

انقلاب على لطيف باشا

كان محمد علي باشا ورجاله، خصوصًا الكتخدا محمد بك لاظوغلي، يكرهون الرجال المحسوبين على المماليك ويتوجسون منهم، لكن الباشا كان يستأمن “لطيف” ولا يتوقع منه الغدر، على الرغم من مداومة لاظوغلي على تحذير الباشا منه، وحاول لاظوغلي غير مرة أن يُدخل في خَلَد الباشا أن لطيف لم ينس ما حدث لقومه وأبناء جلدته في “مذبحه القلعة”، التي أباد فيها محمد علي المماليك، وكان الكتخدا لا يفوِّت فرصة إلا ووسوس للباشا بأن لطيف يتحين الفرصة للانتقام.

يقول الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في ذلك: “وطفق الكتخدا يلقي للباشا ما يغير خاطره عليه، منها أنه يضم إلى أجناسه من المماليك ليكونوا عزوته ويغتروا به”.

وعندما شرع الباشا في السفر للحجاز منح لاظوغلي تعويضًا كاملاً بإدارة شؤون مصر، وهنا أتت فرصة لاظوغلي للتخلص من عدوه لطيف، وأخذ يتربص به، إلى أن طلب لطيف مقابله لاظوغلي فسمح له، فإذا بلطيف يتقدم بطلب لزيادة راتبه، ورواتب مماليك القلعة المنتمين إليه، فرفض لاظوغلي طلبه بغلظه واستهانة، فانصرف لطيف غاضبًا، وفي المساء جمع لطيف رجاله وهم مماليك القلعة، وأخبرهم بأن الباشا وكتخده يرفضون زيادة رواتبهم وعلائفهم.

وكان هؤلاء المماليك يمثلون عددًا كبيرًا، وقد أتوا من آسيا الوسطي مثل أسلافهم الذين قتلهم الباشا في الأول من مارس/ آذار سنة 1811م، ولما جلبهم الباشا اختصهم بحراسه القلعة، وخدمه رجال دولته، وعين عليهم لطيف قائدًا، لكن لاظوغلي الماكر كان دائمًا ينظر إليهم بعين الشك والتوجس.

تدبير انقلاب

ولما رأى لاظوغلي هذا الجمع، سأل أحدهم عن سبب تجمعهم، فأجابه بأن لطيف باشا جمعهم لعمل تدريبات عسكرية، فقال له كتخدا بأن الوقت ليس مناسبًا لعمل تلك التدريبات، وطالبهم بالعودة إلى أماكنهم. وعلى الفور سارع لاظوغلي بإحضار كبار رجال الدولة، وأخبرهم بأن ما يحدث من جانب لطيف ورجاله هو محاوله للانقلاب على حكم الباشا والاستيلاء على السلطة، وأقنعهم بالتخلص من لطيف باشا فورًا قبل أن يفلح في مراده .

ومن المفارقات أن لاظوغلي نما إلى علمه أن درويشًا يسمَّى حسن أفندي اللبلبي تنبأ للطيف بأنه سيحكم مصر، وعندما سافر محمد علي إلى الحجاز قال للطيف: “ها قد أتتك فرصتك فاغتنمها”. أدرك لاظوغلي أن ذلك الدرويش هو من أهم أسباب هذه النزعة التي تملكت لطيف، فكلف لاظوغلي بعض الجنود بإحضار الدرويش وسؤاله ماذا تتنبأ للطيف باشا، فقال الدرويش: تقبضون عليه وتقتلونه.

وكان لاظوغلي مثل سيده بل أشد قسوة، فأمر بعض أعوانه فأركبوا الدرويش حمارًا وذهبوا به إلى نيل بولاق، ثم وضعوه في مركب، وساروا به في البحر حتى وصلوا إلى شلقان (منطقة بالقناطر الخيرية حاليًّا) فجردوه من ثيابه، وخنقوه ورموه في النيل.

بعدها أرسل لاظوغلي وفدًا من رجال الدولة لمطالبة لطيف بالمثول أمامه بالقلعة، فذهبوا إليه بمنزله الكائن في سويقه العتوي شارع سوق السلاح بالدرب الأحمر حاليًّا، فرفض الذهاب معهم فأخذوا يطمئنونه، فلم يقتنع، وقال: إن ذهبت إلى القلعة فلن أعود لأن لاظوغلي سيقتلني.

فما كان من لاظوغلي إلا أن أرسل قوات بلغت ألفًا من الجنود، وهجموا على دار لطيف باشا، والدورة المجاورة، فصعق الناس في تلك الناحية، وأغلق التجار حوانيتهم، وخلت الشوارع من الخلق خوفًا من وقوع حرب أهلية تعصف بهم وببضائعهم.

اقتحام منزل لطيف باشا

تمكن العسكر من اقتحام منزل لطيف باشا بعد حصاره يومًا كاملاً، وبحثوا عنه في كل مكان فلم يجدوه، ثم شرعوا في عاداتهم القبيحة المعروفة، وهي نهب كل ما بالمنزل من أموال، وقتلوا كل من وجدوه بالمنزل من عسكر وخدم تابعين للطيف، وسلبوا المتاع والأواني وكل ما طالته أيديهم، وسَبَوا الحريم والجواري والعبيد وكانوا عددًا كبيرًا، ولم يكتفوا بذلك بل هجموا على البيوت المجاورة فأرهبوا أصحابها من الأهالي، ونهبوا ممتلكاتهم وأموالهم.

وكان لطيف لما رأى القوات قادمة من بعيد، وسمع صهيل خيولهم، نزل إلى مخبأ تحت الأرض أعده خصوصا لمثل هذه الطوارئ، يقول الجبرتي: “وكان معه بالمخبأ 6 من الجواري وعبد مخصي، وظل البحث عنه جاريًا حتى طلوع النهار،

فخرج الناس إلى الشوارع والأسواق، فوجدوا العسكر مائجة، وأبواب البلد مغلقة، وحولها العساكر مجتمعة، فامتنع الناس عن فتح الحوانيت والمقاهي التي اعتادوا التبكير بفتحها، واستمر لطيف باشا في المخبأ إلى الليل، واشتد به الخوف، وتيقن أن العبد المخصي سيشي به، ويخبر الجنود عن مكانه”. انتهى كلام الجبرتي.

اشتد الخوف والجوع والرعب ببعض جنود لطيف الذين نجوا من مذبحة الصباح، فأرشدهم إلى مخبأ لطيف تحت الأرض، فهجم عليه الجنود فوجدوا الجواري الست والعبد المخصيّ، ولم يجدوا لطيف الذي تمكن من ترك المخبأ، ودلف إلى أحد البيوت المجاورة بحثًا عن طعام، تاركًا جواريه وعبده المخصي.

وأخذ الجنود في البحث عنه دون جدوى حتى قاربوا على اليأس من الإمساك به، وفجأه لمحه أحد الجنود يتسلق من حائط إلى حائط، فأرشد عنه باقي الجند فتكالبوا عليه، وأمسكوا به، وأخذوه إلى بيت محمود بك الدويدار المجاور لمكان اعتقاله، حيث أخذه الدويدار بعد أن أعطاه الأمان وطمأنه، وصعد به إلى القلعة، وعندما رآه لاظوغلي غمز إلى أعوانه فجذبوه نحوهم، فأمسك لطيف بتلابيب قفطان محمود بك الدويدار بكل قوته قائلاً للدويدار: ألم تعطني الأمان؟ فلم يجبه الدويدار، فأخذ ينظر بعينيه المرعوبتين إلى الدويدار قائلاً له (عرظفدايم) وهي كلمه باللغة التركية معناها: أنا في عرضك! فلم يأبه الدويدار لتوسلاته، وبينما يداه تمسكان بكل قوة بقفطان سيف الدويدار، أخرج أحد الجنود سكينًا وقطع قفطان دويدار، ونحروا رأس لطيف باشا”.

لائحة الاتهامات

كان لا بد للاظوغلي من أن يُجهز لائحة اتهام لتبرير قتل رجل بقدر لطيف باشا رئيس الديون، وتقديمها لمحمد علي عند عودته، فكان أبرز بنود لائحة الاتهام كالآتي: إن لطيف باشا المقتول سوَّلت له نفسه فرصة انتهاز غياب الباشا، وسفره لجهاد الوهابية، وأخذ يُعد العدة للاستيلاء على الحكم، وجعل يضم إليه أجناس المماليك، والخاملين من العساكر، وبعض بقايا المماليك السابقين بعد تطهير البلاد والعباد منهم، وأخذ في إغرائهم قاصدًا إحداث الفتنة، وكان ينوي اغتيال الكتخدا محمد بك لاظوغلي قائمقام الباشا، وطاهر باشا، وحسن باشا أحد كبار قادة الجيش على حين غفلة، وبذلك يتملك القلعة والبلد، وأن الدرويش المُسمَّى اللبلبى كان يشجعه على ذلك عن طريق إيهامه بأن القوة الإلهية تدعمه وتحميه. وانتهت بذلك لائحة الاتهام التي أعدها لاظوغلي. 

وعلى ذلك انتهى أمر لطيف باشا نهاية مأساوية لم يتوقعها أشد المتشائمين، ولم يَدرِ أحدٌ هل كان لاظوغلي على حق باتهامه للرجل بمحاولة الانقلاب على الباشا، أم أن لطيف ذهب ضحية طموحه ومناوءته للكتخدا القاسي.

وعلى أية حال، من المؤكد أن لطيف باشا عندما كان يمسك بالدويدار متوسلاً بالحاضرين محاولاً أن ينال شفاعة أحدهم للإفلات برأسه من القطع، كان يود لو أنه ظل مملوكًا صغيرًا عند صديق محمد علي باشا! 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram