زوايامختارات

لا تقي من لدغات”كورونا”.. الأجسام المضادة .. تتبخر مع الريح!

 

تتزايد أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) على مستوى العالم بنحو غير مسبوق، حتى بالمقارنة بالأيام الأولى لظهور الفيروس في ووهان الصينية في ديسمبر/كانون الأول 2019، وهي زيادة مريبة. هل أصبح الفيروس أكثر شراسة؟ ألم يمر في أجسام البشر وتكونت ضده أجسام مضادة قادرة على مواجهته إذا هاجم من جديد؟

طبقًا لإحصاء موقع “وورلد ميتر” الذي يعتمد على مصادر رسمية في كل الدول، أودى الفيروس بحياة مليون و60 ألفًا و469 شخصًا على الأقل، في أنحاء العالم، منذ ظهوره، وأسفر عن إصابة 46,545,885 طبقًا لآخر حصر صادر عن جامعة جونس جوبكنز الأمريكية، حتى صباح الاثنين 2 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي.

هذه الزيادات غير المسبوقة في أعداد المصابين حول العالم، مرهونة بالدراسات العديدة التي تناولت فترة صلاحية الأجسام المضادة التي تولدها الإصابة بفيروس “كوفيد-19″  أو ما يسمى أيضا بـ”سارس كوف 2” في الموجة الثانية داخل أجسام المصابين.

كلها دراسات علمية معملية، لكن تتوقف درجة دقتها وثقتها على الجهة التي أجرتها والدورية العلمية التي نشرتها. ومع بدء الموجة الثانية للفيروس التاجي في الانتشار عالميًّا ما حدا بدول عدة إلى إعادة إجراءات الغلق من جديد، وتزايد احتمالات الإصابة بالفيروس مجددًا، سواء للمصابين الأوائل الذين فاق عددهم الـ46 مليون عالميًّا، والأصحاء الذين نجوا من الإصابة في الموجة الأولى، فإن هذا التقرير يرصد أبرز الدراسات العلمية الموثوقة التي تناولت مدة بقاء الأجسام المضادة لفيروس “كوفيد-19” في أجسامنا، وآراء أساتذة فيروسات في التعامل مع احتمالات الإصابة مجددًا.

الفرق الطبية لمواجهة كورونا

الفرق الطبية لمواجهة كورونا

طبقًا لآخر دراسة صادرة عن جامعة “إمبريال كوليدج لندن” البريطانية، فقد تراجعت المناعة لدى البريطانيين بوضوح في الأشهر الأخيرة، ما يعني أن الوقاية الممنوحة للمصاب بفعل الأجسام المضادة قد لا تدوم طويلاً ويزيد من احتمال انخفاض المناعة في المجتمع، وهو ما يفسر تراجع بريطانيا عن اتباع سياسة “مناعة القطيع” في مواجهة الفيروس، والتزامها بإجراءات العزل المتبعة والقيود المحلية على الحركة كما في بقية الدول الأوروبية.

الدراسة تتبعت مستويات الأجسام المضادة لدى  365 ألف بالغ اختيروا عشوائيًّا في بريطانيا، أصيبوا بالفيروس التاجي في موجته الأولى خلال شهري مارس/ آذار وإبريل/ نيسان الماضيين، وتبين من خلال الدراسة انخفاض مستوى الأجسام المضادة في أجسامهم بمقدار الربع في نحو 6% من عينة الدراسة مع نهاية يونيو/ حزيران، ثم عاودت الانخفاض مجددًا إلى 4.4% فقط مع حلول سبتمبر/ أيلول الماضي.

سلالات وتحورات فيروس كورونا

هذه الدراسة البريطانية، تتوافق مع دراسة ألمانية، توصلت إلى أن نسبة كبيرة جدًّا من مصابي “كوفيد-19″ في الموجة الأولى، لم تكن لديهم أجسام مضادة حتى في بؤر تفشي المرض، وهذا يرجع إلى تناقص الأجسام المضادة بحدة في أجسام من أصيبوا سابقًا.

إلى ذلك أيضًا، توصلت دراسة موسعة شملت عدة دول أبرزها بريطانيا وألمانيا والصين، إلى أن الأجسام المضادة التي تطورها أجسام المصابين السابقين بـ”كوفيد-19” لا تظل فعالة إلا لبضعة أشهر فقط بعد تاريخ الإصابة، وأن عودة الإصابة بنفس المريض بالفيروس مجددًا ترجع إلى أن تأثير تلك الأجسام المضادة يخبو سريعًا.

اختبارات فيروس كورونا

هذه الدراسات بالكامل، والتي تراوحت مدد صلاحية الأجسام المضادة – كعينة بحثية- فيها بين شهرين إلى قرابة 6 أشهر، تتفق في مجملها مع ما أقرت به منظمة الصحة العالمية في إجابتها على السؤال الشائع: “هل يعني وجود أجسام مضادة أن لدى الشخص مناعة ضد العدوى؟” بأنه “في الوقت الراهن، لم تصل  أي دراسة إلى نتيجة مفادها أن وجود أجسام مضادة لفيروس كورونا سارس- 2 يمنح مناعة من الإصابة بعدوى لاحقة بهذا الفيروس لدى البشر.

وأرجعت منظمة الصحة العالمية، هذا إلى أن “تطوير أجسام مضادة لمسببات الأمراض من خلال العدوى الطبيعية هو عملية متعددة الخطوات تحدث عادةً على مدى أسبوع إلى أسبوعين، ولكنّ عملية تطوير استجابة مناعية كاملة قد تستغرق وقتاً أطول. ويُبيِّن معظم الدراسات المتعلقة بالأجسام المضادة في سياق مرض كوفيد-19 حتى الآن أن الأشخاص الذين تعافوا من العدوى لديهم أجسام مضادة للفيروس. ومع ذلك، فإن بعض هؤلاء الأشخاص لديهم مستويات بالغة الانخفاض من الأجسام المضادة القادرة على تحييد الفيروس في دمهم.

تحورات الفيروس بين الموجتين

فيروس “كوفيد-19” يتحوَّر، كفيروسات الإنفلونزا الموسمية، وهناك مؤشرات عدة تدل على احتمالية ظهور سلالات جديدة للفيروس لما يقرب من 7000 سلالة تحور طبقًا لدراسات علمية، لكن هذا التحور لا يؤثر في الشكل الجيني للفيروس، وهذا ما يفسر استمرار التجارب السريرية للقاح في مرحلتها الثالثة على البشر، رغم مرور الفيروس بعدة تحورات، والحديث هنا على لسان دكتور محمد عز العرب، أستاذ الباطنة بالمعهد القومي للكبد والأمراض المعدية، والمستشار الطبي للمركز المصري للحق في الصحة.

ولشرح كيفية وأسباب بقاء الأجسام المضادة لفترات أطول داخل أجسام بشر دون غيرهم، قال أستاذ الباطنة والمناعة: “الأجسام المضادة يتم تصنيعها داخل جسم الإنسان بواسطة خلايا B وT المناعية، وفي ما يتعلق ببقاء الأجسام المضادة لفيروس كوفيد-19 في أجسام المتعافين لفترة القصيرة نسبيًّا، لهو أبسط دليل على عدم اعتماد بروتوكولات علاجية معينة، أو حتى الاعتماد على بلازما المتعافين بشكل كامل كلية للعلاج، بل حرصت الدول على تعديل بروتوكولات العلاج دوريًّا في ما يتعلق بالمعطيات الجديدة بشأن الفيروس وتحوره وانتشاره”.

د. محمد عز العرب

وفسر عز العرب، قِصر عمر الأجسام المضادة في أجسام المتعافين من الفيروس التاجي، بقوله إن “صلاحية الأجسام المضادة في الأجسام تتوقف على عدة عوامل، منها قدرة الجهاز المناعي في الجسم على المقاومة، وهو ما يفسر خطورة إصابة الأشخاص ذوي الأمراض المزمنة أو من يعانون من السمنة ومن يتعاطون أدوية للسرطان والسكري وما إلى ذلك، لأن كل تلك العوامل تؤثر في قدرة الجهاز المناعي على المقاومة”.

العامل الآخر في صلاحية الأجسام المضادة للفيروس التاجي، بحسب أستاذ الباطنة والمناعة، “مرهون بالأجسام المضادة المُفرَزة من الخلايا المناعية في الجسم نفسها (الخلايا T)، فبعض الأجسام المضادة عدده وكفاءته تكون غير كافية للمقاومة أو الاستمرار لفترة أطول في الجسم، وهذا يفسر اعتماد آلية العلاج ببلازما المتعافين على كفاءة وكمية الأجسام المضادة في جسم المتعافي”.

العامل الثالث مرهون بظروف الإصابة بالفيروس نفسها، وهي ما تسمى علميًّا (فيرال لود) أو شراسة وحجم التعرض للفيروس وقت الإصابة، هذا العامل يعتمد على كمية وكفاءة الأجسام المضادة في جسم كل مصاب، بحسب عز العرب. وبالتالي، وللمستقبل، يبقى العامل الأول والأهم في مقاومة الفيروس هو المناعة.

لقاح فيروس كورونا

أخيرًا، أشار عز العرب إلى أنه لا يوجد دليل قاطع عالمي حتى الآن على انتهاء الموجة الأولى للفيروس بمقاربة الوصول للحالة الصفرية، وبدء الموجة الثانية. لكن إجمالاً، يواجه العالم موجة ثانية يبدو أنها أكثر شراسة في عدد الإصابات، ملمحًا إلى الزيادة المفرطة وغير المسبوقة في الإصابات في أوروبا وأمريكا، على الرغم من قلة عدد الوفيات بالمقارنة مع الموجة الأولى.

ويتفاءل عز العرب، كثيرًا بنجاح عشرة لقاحات حول العالم في الوصول للتجارب السريرية في مراحلها المتقدمة للغاية، ويقول إنه من المتوقع قريبًا أن يستقبل العالم أخبارًا مبشرة بشأن اعتماد تلك اللقاحات أو بعضها.

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى