لا حلول في ليبيا:

البحث عن قط أسود.. في غرفة مظلمة!

لا تُسقط الدهشة من بين يديك وأنت تطالع دراما الملف الليبي. ما يجري هو أقرب لمشهد البحث عن قط أسود في غرفة مظلمة. فأن يعلن رئيس حكومة الوفاق الليبية “فايز السراج” عن استقالته وتسليمه مهامه السياسية والتنفيذية في أكتوبر المقبل، لهو أمر قد يكون منطقيًّا في سياق الخلافات والصراعات التي شهدتها طرابلس منذ إعلان وقف إطلاق النار قبل شهر. لكن أن تُعلن كافة الأطراف الإقليمية والدولية التمسك به، وضرورة بقائه في منصبه حتى التوصل إلى اتفاق مُؤسّس لمرحلة الحل السياسي في ليبيا؛ لهو الأمر المثير للدهشة.

مثير للدهشة لماذا؟ لأن على رأس هذه الأطراف كلٌّ من مصر وتركيا اللتين كانتا حتى أسابيع قليلة على حافة الصدام العسكري في ليبيا، واللتين سرعان ما أعلنتا بنفسيهما، أو عبر الفرقاء الليبيين، عقب تسريب “السراج” مباشرة ثم إعلانه حول استقالته خلال الأسابيع القادمة، عن نجاعة مسار المحادثات المنطلق منذ أواخر الشهر الماضي.

كما أثنت الدولتان على السراج ودوره في ديمومة المحادثات وتحولها إلى مسار تفاوض للتوصل لحل سياسي ينهي الصراع في ليبيا في المستقبل القريب.

هدوء يتخفى وراء عاصفة

يُفَسر التناقض السابق بنظرة سريعة للوراء؛ حيث سرعان ما اتضح أن أجواء التفاؤل المنعكسة في مختلف وسائل الإعلام بمختلف اتجاهاتها حول وقف إطلاق النار والبدء في مفاوضات الحل السياسي في ليبيا، أنه مجرد هدوء ما قبل العاصفة.

الحرب في ليبيا

فخلال الأسابيع الأربعة الماضية بعد إعلان السراج عن وقف إطلاق النار لم تشهد المناطق الليبية شرقًا وغربًا تهدئة توازي الطمأنة التي سادت بين أطراف الأزمة الليبية الدوليين والإقليميين بأن لا صدام عسكريًا مباشرًا سيحدث في ليبيا أو في المتوسط عمومًا قبل الانتخابات الأمريكية.

مختلف المدن والمناطق الليبية شهدت تشظيًا للصراع الأهلي لمستوى غير مسبوق منذ 2012، كتعبير عن حالة من الارتياب حول الأدوار الوظيفية لمختلف الأطر العسكرية والسياسية المتصدرة للمشهد هناك في كل من شرق وغرب ليبيا.

تركيا في الصورة

تصريحات السراج حول الاستقالة أتت بعد عودته من أنقرة في زيارة التقى بها المسئولين الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكثر من تصريحاته، وكذلك مسئولي نظامه، عن أجواء وصفها بـ”الإيجابية” حول محادثات “استخباراتية” بين القاهرة وأنقرة. وهو ما يشير إلى حدوث استدارة تركية حول الأزمة في ليبيا وفي شرق المتوسط ككل، أساسها حتمية التهدئة التي تفرضها ظروف تعقد مشهدية ترسيم الحدود في المتوسط، ودخول أطراف أوروبية على رأسها فرنسا دعمًا لليونان، وكذلك مفاوضات الحل في سوريا، وغيرها من المناطق التي تتدخل فيها تركيا.

السراج وأردوغان.. ومقابلات مستمرة

والأهم عامل الانتخابات الأمريكية، التي باتت كخط زمني يلتزم به كافة أطراف الأزمة الليبية في عدم التصعيد أو اتخاذ خطوات كبرى حاسمة دون تصديق ساكن البيت الأبيض الجديد.

فأتت جولات المفاوضات الليبية-الليبية الأخيرة برعاية متعددة ومتدرجة ناتجة عن تفاهمات روسية – تركية – مصرية –إماراتية – فرنسية – أمريكية، وذلك كبديل حتمي عن تحوّل التصعيد الإعلامي والميداني المتدحرج منذ نهايات العام الماضي إلى حرب بين الجيوش النظامية الأقوى في المنطقة، والذين يتشاركون في أنهم جميعًا -باستثناء موسكو- شركاء وحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية.

تشرذم الفرقاء

ردود الأفعال المحلية في ليبيا على المسار السياسي الذي تجلى بشكل أساسي في محادثات أولية بين الفرقاء الليبيين في مصر والمغرب وسويسرا، عكست على مدار الأسابيع الماضية وبشكل يومي مدى تشرذم هؤلاء الفرقاء الذين لم تعد تصلح ثنائية طرابلس-بنغازي أو شرق وغرب ليبيا أو حتى حفتر-السراج لفهمها أو تفسيرها، حيث التناقضات الناتجة عن وتيرة المتغيرات الإقليمية والدولية والقائمين عليها، وبطء استيعابها داخليًا في ليبيا من كافة الأطراف، والتي يمثلها هنا موقف السراج الذي بات يلوح بالاستقالة كتعبير عن فارق المزامنة فيما هو مطلوب تحقيقه منه ومن غيره وما بين قدرته على فرضه في المشهد الليبي المهلهل.

حفتر والسراج وبينهما ماكرون في محاولة لإنهاء الخلاف

الأمر السابق قد يكون الدافع الرئيسي لتلويح السراج بالاستقالة، حيث إدراكه أهميته لكل الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة في ليبيا كصمام أمان يضمن أن تظل وتيرة الصراع هناك دون حدود الانفجار والصدام المباشر، لكن دون أدنى اعتبار لمستقبل ليبيا وشعبها.

سواء أكان ذلك نابعًا من محاولة لطرح صوت ليبي في موائد التفاوض المتعددة، أو بشكل نخبوي يضمن أن يكون للأطر والمكونات السياسية والعسكرية التي أدارت المشهد الليبي منذ 2012 مكان في خارطة المستقبل التي بدأت القوى الدولية والإقليمية في رسمها على هامش سيناريوهات التهدئة في شرق المتوسط والمنطقة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.

السراج.. ضمانة أردوغان شبه الوحيدة

لكن بالتدقيق في الفرضية السابقة، يتضح أن السراج بشخصه وحكومته وعلى الرغم من كافة مظاهر التفكك والتحلل التي تعتريها، والتي في الوقت نفسه لا تعتبر استثناء على مشهدية مكونات الصراع في شرق وغرب ليبيا، فإنه يُعد الضمانة شبه الوحيدة للتدخل التركي هناك. بما يعني أن أنقرة باتفاقياتها التي وقّعتها أواخر العام الماضي (ترسيم الحدود والتعاون العسكري) قد تفقد “شرعية” تدخلها في ليبيا في مرحلة ما بعد السراج، والذي يمثل حاليًا الرافعة السياسية لأجواء التهدئة التي تنشرها أنقرة خاصة مع القاهرة التي جاء رد وزير خارجيتها “سامح شكري” على المغازلة التركية الأخيرة بضرورة أن تتسق هذه التصريحات التركية مع الواقع.

حلم الوصول إلى ليبيا مستقرة وموحدة

وفي الصورة العامة، فإن استقالة السراج يُنظر إليها على مستوى ثنائية القاهرة-أنقرة على أنها رد فعل شخصي على فرط التحكُم والتقييد التركي الذي فُرض عليه مؤخرًا عبر تصعيد تركيا لمراكز قوى داخل حكومته كوزير داخليته “فتحي باشاغا”.

 وهي السياسة الذي قابلتها القاهرة بتعدد خياراتها في شرق ليبيا، سواء على مستوى الجيش الوطني بقيادة حفتر أو برلمان طبرق بقيادة عقيلة صالح، أو غيرهما من المكونات الاجتماعية والسياسية في الشرق الليبي.

اجتماع السيسي مع قبائل ليبيا
بديل.. محفوف بالمخاطر

في حين أن بديل السراج في شرق ليبيا قد يؤدي لانهيار مناخ التهدئة الذي تسعى إليه أنقرة مع القاهرة، حيث انفلات الميليشيات الإسلاموية بمختلف تياراتها (من الإخوان المسلمين إلى بقايا القاعدة وداعش) ما يعني أن البديل الذي يناسب أطراف الصراع الليبي وعلى رأسها القاهرة وأنقرة هو -إن لم يكن حل الصراع بتسوية ترضي جميع الأطراف- الاستمرار في إدارته كبديل عن تكرار انفلات فوضى “داعش” في سوريا والعراق منتصف 2014.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إسلام أبو العز

باحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search