لا غاز.. لا نفط

"كاراباخ".. من أين تأتي الحرب دون ثروات؟

“ناجورنو كاراباخ”.. أو “آرتساخ”.. هو اسم الإقليم الذي يدور عليه الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، وشهد تصعيدًا عسكريًّا واشتباكات في آخر يومين، أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الطرفين. يقع الإقليم في منطقة جنوب القوقاز، ويبعد نحو 170 ميلاً عن العاصمة الأذرية “باكو”، كما يعد الإقليم الحبيس قريبًا من الحدود الأرمينية، وتحده من الشمال والشرق أذربيجان، ومن الغرب أرمينيا، ومن الجنوب إيران، ليقع في وسط منطقة غنية بالثروات الطبيعية، ولكن ماذا عن الإقليم نفسه؟ هل يستحق عناء الحرب بعيدًا عن كونه وطنًا؟

في قلب أراضي أذربيجان يظهر على الخريطة إقليم كاراباخ وعاصمته “سيتبان كيرت”، ويشغل مساحة 4 آلاف و800 كيلومتر مربع، ويخضع لسيطرة الأرمن منذ الحرب التي اندلعت بداية التسعينات بين جماعات عرقية أرمينية وحكومة أذربيجان.

طبول الحرب تدق في إقليم ناجورنو كاراباخ

تغلب على الإقليم الطبيعة الجبلية، كما يقطنه نحو 150 ألف نسمة، ويمثل الأرمن حاليًّا نحو 95% من سكانه، ويعد اقتصاد كاراباخ صغيرًا نسبيًّا رغم أنه في الـ20 عامًا الأخيرة ينمو بسرعة ويتعافى من آثار الحرب التي مزقته في تسعينات القرن الماضي، والتي على ما يبدو تعود نيرانها للاشتعال هذه الأيام.

وتنحصر استثمارات الإقليم في قطاع الاتصالات والتعدين والمصوغات والزراعة. كل هذا إلى جانب إنتاج العنب، فالإقليم صاحب أكبر إنتاج للفرد من العنب في الاتحاد السوفييتي المنهار، كما يشتهر كاراباخ بإنتاج وتصدير “فودكا التوت”، إلا أن كل هذا لا يجعل من الإقليم مثارًا لنزاع عسكري مثل ما يحدث حاليًّا. فشبكة “سكاي نيوز” الإخبارية ذكرت أن كاراباخ إقليم فقير في موارده الاقتصادية، ويعتمد على الزراعة وتربية الماشية وبعض الصناعات الغذائية من المحاصيل المشهورة، كالحبوب والقطن والتبغ.

رئيس جالية أذربيجان لـ"ذات مصر": الإقليم يتمتع بثروات طبيعية وأرض خصبة.. ولدينا معادن وسياحة
سيمور نصيروف

الدكتور سيمور نصيروف، رئيس الجالية الأذرية في مصر، تحدث إلى “ذات مصر” عما يتمتع به الإقليم من ثروات طبيعية، قائلاً إن أرض كاراباخ خصبة وبها مناظر خلابة، ولذلك بها اقتصاد سياحي متنوع، مشيرًا إلى أن بها عيونًا كبريتية كثيرة وأنواعًا من الزهور التي تستخدم في العلاج الطبيعي، بالإضافة إلى مناجم الذهب والمعادن الطبيعية المدفونة تحت الأرض: “إنها كثيرة جدًا”، وتابع: “نددت أذربيجان مرارًا باستغلال الشركات العالمية لهذه المنطقة في التنقيب واستخراج المعادن، كما خرجت احتجاجات كثيرة لأنها أراضي أذربيجان”.

أيمن سمير: المنطقة غير مجدية اقتصاديًّا.. وقربها من أماكن غنية هي ميزتها الوحيدة
أيمن سمير

“منطقة غير مجدية من الناحية الاقتصادية”.. هكذا رأى الدكتور أيمن سمير، المتخصص المصري في العلاقات الدولية، إقليم كاراباخ، لافتًا في الوقت ذاته إلى أهمية إقليم جنوب القوقاز عمومًا وقال: “أكثر من 90% من أنابيب النفط والغاز يمر من خلاله، تأتي من أذربيجان أو من منطقة القوقاز وتمر من العاصمة الجورجية وبعد ذلك تتجه إلى إحدى المدن التركية، ومن ثَم إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي هي منطقة من ناحية الموارد الطبيعية ليست غنية، ولكنها قريبة من مناطق منتجة للنفط ومعبر للنفط والغاز”.

الغاز.. هنا مربط الفرس بكل تأكيد، بحسب ما يبدو من تحليل “سمير” لـ”ذات مصر”، موضحًا أن الإقليم مجرد مرتفعات وغالبية مناطقه ليست غنية، ولكن ما يحيط به من آبار نفط، سواء في جورجيا أو أذربيجان أو أرمينيا، يجعل له أهمية كبرى، مضيفًا: “ليست الأماكن الاقتصادية هي السبب والمحرك الأساسي للنزاع الجاري، فقد تكون هناك أسباب أخرى مثل الأسباب الإستراتيجية، فهذه المنطقة على الرغم من أن غالبيتها أرمن تعتبر جيبًا جيوستراتيجيًّا داخل أراضي أذربيجان وتمثل نقطة ضعف كبيرة جدًّا لها؛ إنها منطقة مرتبطة بالصراع بين الأتراك والأرمن، والعنصر الأذري تركي الذي يتحدث التركية ويُعتبر ضمن ما يسمى بالشعوب التركية.. الخلاصة إذًا أن الإقليم لا يملك نفطًا أو غازًا لكنه يمتلك موقعًا مهمًّا”.

صورة من الاشتباكات

ومنذ صباح الأحد الماضي، تخوض قوات إقليم ناجورنو كاراباخ، المدعومة سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا من أرمينيا، والقوات الأذرية، معارك دموية هي الأعنف في المنطقة منذ عام 2016.

ووفقًا لما رصدته وكالة “فرانس برس” للأنباء، فقد بلغت الحصيلة الأولية لضحايا المعارك 95 قتيلاً، بينهم 11 مدنيًّا، 9 في أذربيجان و2 في الجانب الأرميني، علمًا بأنه منذ اندلاع المعارك لم تعلن أذربيجان عن حصيلة قتلاها العسكريين.

وكأحدث إشارة على الحشد العسكري المتزايد بين الجانبين، أعلنت أرمينيا وأذربيجان، اليوم الثلاثاء، أنهما نشرتا مدفعية ثقيلة. ووفقًا لشبكة “سكاي نيوز” الإخبارية، ذكرت وزارة الدفاع الأذرية أن القوات المناوئة حاولت استعادة الأراضي التي خسرتها، وشنت هجمات مضادة في اتجاه مناطق فضولي وجبرائيل وآغدام وترتر، مضيفة في بيان أن اشتباكات دارت صباح اليوم حول مدينة فضولي، وأن جيش أرمينيا “قصف منطقة داشكسن على الحدود بين البلدين على بعد أميال من الإقليم”، في حين نفت أرمينيا الأمر، لكنها ذكرت أن قتالاً دار طوال الليل، وأن جيش كاراباخ صد هجمات من عدة اتجاهات بطول خط التماس.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram