لا للقضايا الكبرى..

"Soul": دعوة للاحتفاء بالحياة

طُرح أخيرًا فيلمSoul  في السينما وعلى منصة “ديزني بلس”، وهو الفيلم الرابع في مسيرة بيتي دوكتر الإخراجية، والتي بدأها بـ( (Monster Inc.في 2002، ثم ((Up 2009، (Inside Out 2015)، اللذين نالا جائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم رسوم متحركة، ومن المُرجح أن يمنحSoul  مخرجه الأوسكار الثالثة على التوالي.

يحاول فيلم الأنيميشن الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي تدور في فلكها البشرية منذ بدء الخليقة، في سبيل الاحتفاء بقيمة الحياة المجردة وتقدير تفاصيلها البسيطة التي نمارسها دون أن ندرك قيمتها الحقيقية في نفوسنا، بالإضافة إلى تصورات أخرى عن كيفية اكتساب الإنسان خصائص شخصيته في “عالم ما قبل الميلاد”، إذ تتأهل الروح للعيش على الأرض.

فنحن نُفني أنفسنا طوال حياتنا وراء هدف نسعى لتحقيقه وشغف نصبو إليه، نسلك كل السبل والدروب ونهمل في سبيله كل شيء لا نرى له أهمية أمام ما تهفو نفوسنا للوصول إليه، لكن هل سألنا أنفسنا: حينما نصل إلى ذروة الحلم ونحققه، ماذا بعد؟! وإذا لم تساعدنا الحياة والظروف، كما يحدث أحيانًا، في الوصول إلى شغفنا، فهل حينها تكون حياتنا بلا معنى؟ وهؤلاء الذين لم يستطيعوا إيجاد شغف ينغمسون فيه، هل كانت حياتهم بلا هدف فعلاً؟

يتتبع الفيلم رحلة “جو جاردنر” (جيمي فوكس)، رجل في منتصف العمر، يعمل مدرس موسيقى في مدرسة متوسطة، حلم حياته أن يكون عازفًا بفرقة جاز، وحين يصير على قيد أنملة من تحقيق حلمه يجد نفسه في مواجهة الموت، ويحاول بطرائق شتى العودة للحياة مرة أخرى، وترافقه في رحلته روح لم تولد بعد تحمل رقم “22” (تينا فاي)، فشلت لوقت طويل في أن تجد شغفًا يجعلها تُولد على الأرض، وتراه كوكبًا بائسًا لا يستحق الحياة عليه، وتحاول بكل الأساليب الهروب من الميلاد، لكن حين ترى محاولات “جو” المستميتة للعودة لحياته رغم بؤسها ينتابها الفضول.

من فيلم Soul

الوجه الآخر لكل شيء

يسلط بيتي دوكتر الضوء في أفلامه على الوجه الآخر للأشياء، ويبحث عن المعنى غير المرئي لها ويحاول توجيه أنظارنا إليه، فالحزن يُصنّف ربما كشعور سلبي يصبغ حياة الإنسان بالقتامة والكآبة، ويجعلنا نتساءل: ما قيمة الحزن الذي يجعلنا تعساء، ويجهد الناس في التخلص منه بالبحث الدائم عن مصادر للسعادة؟

لكن دوكتر يقدمه في فيلم Inside Out بنحو مختلف، فلولاه لتحطم كثير من الروابط ولضاعت أشياء كثيرة لا تقدر بثمن، وبالتالي لا تستقيم الحياة دون حزن.

يحاول دوكتر البحث عن المعنى الحقيقي للحياة الذي نغفل عنه في سبيل تحقيق الإنجازات والأهداف التي نظن أننا خُلِقنا من أجلها، فحين يستعرض “جو جاردنر” مشاهد من حياته وهو يحاول إلهام “22” لتجد شغفها، فلا يرى سوى سلسلة متكررة من الفشل في تحقيق حلمه أن يكون عازفًا، ويرى أن حياته كانت بلا معنى.

وحين تنزل معه هذه الروح المتمردة على الأرض ويرى استمتاعها بأشياء تبدو لا قيمة لها وتقول له إن هذا قد يكون هو شغفها، يخبرها أن هذه مجرد “تفاصيل الحياة العادية”، لكن عندما يحقق حلمه ويصل إلى ما يريد ويتساءل “ماذا بعد؟” يدرك أن معنى الحياة يكمن في الأشياء الصغيرة البسيطة، التي استمتع بها وهو يفعلها دون أن يدرك حينها أن هذا هو معنى أن تحيا.

وعلى الجانب الآخر، يُظهر الفيلم الجانب المظلم لانغماس البشر في تحقيق الهدف الذي يعتقدون أنهم خُلقوا من أجله، والتشبث بالشغف الذي يجعلهم ينسون الحياة من حولهم، ويصيرون أرواحًا ضالة مدفونة تحت رمال هوسهم بما يفعلون.

Soul

مصنع الشخصية

رغم أبحاث ونظريات علم النفس التي تؤكد أن شخصية الإنسان تتكون بفعل العوامل المحيطة وظروف البيئة والنشأة، يضع دوكتر تصورًا جديدًا لكيفية اكتساب الإنسان صفاته الشخصية وطريقة تصنيف البشر قبل ميلاد الروح على الأرض، كما صوّرها في “عالم قبل الميلاد”، إذ تختار “جيري”، المسؤولة عن الحلقة الدراسية للروح وتأهيلها للحياة، عددًا جزافيًّا منهم وتوجهه إلى أجنحة هذه الصفات التي تصادفها في الطريق.

صُمّم عالم “ما قبل الميلاد” في الفيلم، حيث تتأهل الروح للعيش على الأرض، بألوان باستيل التي يغلب عليها الأزرق والأخضر، دلالة على براءة ونقاء هذه الأرواح، عكس عالم “ما بعد الحياة” الذي يتمثل في هوة سحيقة ذات ضوء باهر، تعمل بطريقة صاعق الحشرات وسط ظلام دامس.

ومع ذلك جاء تصوير عملية التأهيل بشكل روتيني يغلب عليه عدم الاكتراث بطريقة تحديد صفات البشر، والسمات السلبية التي تكتسبها هذه الأرواح بنحو اعتباطي لا يتبع حكمة معينة أو خطة واضحة، ففي أحد مشاهد الفيلم حين يدخل “جو جاردنر” إلى قاعة مؤتمرات تجتمع فيها الروح التي لم تولد بعد مع مُرشدها، يُقدَّم فيديو دعائي لطريقة التأهيل، يستعرض أنواع الشخصيات، ويُقدم أحدها على أنه نرجسي وانتهازي، فيرد الشخص المُعلن: “هذه شخصية يصعب التعامل معها، لكنها مهمة الأرض”، كأنه أمر لا يعنيهم على الإطلاق.

يقدم دوكتر نوعًا من الإسقاط على شخصيته في الواقع، من خلال أحد مشاهد الفيلم، حين ترسل جيري عددًا من الأطفال ليصيروا شخصيات منعزلة ومنكبة على نفسها، فيخبرها جيري آخر أنه “يجب أن نكف عن إرسال الكثير منهم إلى هذا الجناح”.

وقد وصف دوكتر نفسه في أحد الحوارات الصحفية بأنه “طفل غريب الأطوار من منسوتا”، حيث كان طفلاً منعزلًا منكبًّا على الدراسة وممارسة هواياته الخاصة بمفرده، الأمر الذي عرَّضه للتنمر.

وقد تكون هذه الإشارة في Soul هي طريقته في التعبير عن محاولاته للتخلص من عزلته وحبه للعمل وحيدًا، رغم تذكير نفسه دائمًا بأنه يجب أن يتواصل مع البشر.. لكن في النهاية لم تكن بيده حيلة؛ لقد خُلق هكذا.

في رحلة روح “جو جاردنر” خارج جسده ومراقبته لـ”22″ وهي تتعامل مع الحياة للمرة الأولى بمرح طفل يستكشف منطقة ملاهٍ ممتعة، يكتشف ما أهدره من وقت دون أن يدرك أن الوجود في الحياة وتثمين كل لحظة تمر على الإنسان بها هو هدف مهم في حد ذاته، وهي قيمة ربما بدأ كثير من البشر يدرك أهميتها في ظل وجود فيروس كورونا، الذي منع الملايين من ممارسة حياتهم العادية، ووجدوا أنفسهم في مواجهة الموت، ففهموا أخيرًا أن الاحتفاء بالحياة والاستمتاع بكل لحظة فيها أهم هدف في الوجود.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أروى تاج الدين

ناقدة سينمائية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram