وجهات نظر

لا نتائج مطمئنة سريعة:من “الصحوة الإسلامية” إلى “الأوروبية” المضادة

منتصر حمادة

كاتب وباحث مغربي

 

في غضون أسابيع، انتقل تعامل مجموعة من الدول الأوروبية مع الحركات الإسلامية، على هامش التطورات الأخيرة التي عرفتها بعض هذه الدول بين شهري أكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وخاصة في فرنسا والنمسا، من موقف الرصد إلى  الصرامة  كأننا ننتقل من مقتضيات مرحلة “الصحوة الإسلامية”، نحو مقتضيات “الصحوة الأوروبية”، المضادة.

أما المقصود بالصحوة الإسلامية، فنعني بها ظاهرة انتشار الخطاب الإسلامي الحركي، تلك التي عرفتها بداية غالبية الدول العربية ومجموعة من الدول الإسلامية، قبل أن تنتقل إلى الدول الغربية، وخاصة أوروبا الغربية وأمريكا، بصرف النظر عن المسميات التي أطلقت عليها لاحقًا، من قبيل حديث رضوان السيد عن “الإحيائية الإسلامية” أو حديث غالب الباحثين في المنطقة عن ظاهرة “الإسلام السياسي”، وغيرها من المسميات.

أما “الصحوة الأوروبية”، فهي ذلك التحول الأوروربي الصريح إزاء تغلغل خطاب الحركات الإسلامية لدى الجاليات المسلمة على الساحة الأوروربية، وتتنوع معالم هذا التحول على اتجاهين اثنين على الأقل: اتجاه أمني واتجاه قانوني، في انتظار ظهور اتجاهات موازية ومواكبة، أخذًا بعين الاعتبار تعقيدات الظاهرة الإسلامية الحركية في أوروبا الغربية على وجه التحديد، سواء أتعلق الأمر بالحركات الإسلامية الدعوية أم بحركات المحسوبة على “الإسلام السياسي”، وفي مقدمتها الحركات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وفي مقدمتها الحركات الإسلامية ذات التوجهات العنفية والتي تعمل وفق آلية ما يسمى بـ”الذئاب المنفردة”، وتثير فزع المؤسسات الأمنية أكثر مما كانت تثيره الحركات الإسلامية المنظمة والعنقودية.

تفاعل أمني صريح

يتبدى هذا التفاعل الأمني الصريح انطلاقًا من النمسا، في سابقة أوروبية، لم تحدث حتى في عز حقبة ما بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن، المؤرخة في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وتتمثل في القيام بعمليات تمشيط أمني مكثف قامت بها السلطات في النمسا بعد الهجوم الذي شهدته مؤخرًا في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 وتبناه تنظيم داعش، وأسفر عن مقتل 5 أشخاص بينهم منفذ الهجوم، وإصابة 17 آخرين، وقد شملت العملية مداهمة أكثر من 60 موقعًا في 4 مناطق مختلفة، يٌشتبه بأنها على صلة بجماعة الإخوان المسلمين.

ومع أن الرواية الرسمية أكدت أن المداهمات “ليست جزءًا من التحقيقات المرتبطة بإطلاق النار الأخير” بحسب بيان الادعاء العام النمساوي، الذي اعتبر أنها “عملية أمنية في إطار تحقيقات مكثفة وشاملة مستمرة منذ عام لمكافحة الإرهاب”، إلى أن المداهمات أسفرت عن غلق عدد من الجمعيات الإسلامية والمساجد والمحلات التجارية وتفتيش منازل، وتجميد حسابات بنكية لعدد من المؤسسات والشخصيات حسب ما أعلنته الصحافة المحلية، في بلد تبلغ فيه نسبة المسلمين نحو 8% من عدد السكان.

يكفي تأمّل ارتباطات أهم الجمعيات الإسلامية في النمسا، لكي يأخذ المتتبع فكرة أولية عن تعقيدات المشهد هناك، وعلاقته بالمستجدات الأوروبية خلال الأسابيع الأخيرة، ومنها تدخل الرئيس التركي في تمرير رسائل سياسية ودينية لعدة دول أوروبية، إلى درجة أن مجموعة من المجلات الأسبوعية الفرنسية، من قيبل “لوبوان”، “قيم معاصرة”، “الإكسبرس”، سلطت الضوء بالتحديد على أطماع تركيا في تدبير الشأن الإسلامي الأوروبي، ومنه الشأن الإسلامي في النمسا، حيث تتضح معالم الولاء الإسلامي المؤسساتي لتركيا، من خلال تأمل أداء مجموعة من المؤسسات، منها “منظمة الشباب النمساوي المسلم”، “جمعية المللي جروس”، “أكاديميّة التربية الدينية الإسلامية” و”المجمع الإسلامي للحضارات”، ومنظمات أخرى.

مسببات الانعزالية الإسلامية

نأتي للتفاعل المؤسساتي، وهو الأكثر تعقيدًا وأهميةً في آن، لأنه يفسر مُسببات “الانعزالية الإسلامية”، بتعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطاب 2 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والتي شهدت مبادرتان جاءت الأولى عبر البوابة التشريعية، فقد وضعت الحكومة الفرنسية اللمسات الأخيرة على مشروع قانون ضد التطرف الديني أعلن عنه الرئيس ماكرون عقب اغتيال الأستاذ صامويل باتي.

ويشمل المشروع تشديد الرقابة على تمويل الجمعيات ومعاقبة المحرضين على الكراهية عبر الإنترنت، ويُجرّم مشروع القانون كل من يشارك معلومات حول شخص تتسبب في كشف هويته أو مكانه لأشخاص يريدون إيذاءه. ويورد النص أنه “في مواجهة الإسلام المتطرف، وفي مواجهة كل النزعات الانعزالية، علينا الإقرار بأن ترسانتنا القانونية عاجزة جزئيًّا”، كما ينص مشروع القانون، الذي وضعه وزير الداخلية جيرالد دارمانان ووزير العدل إيريك ديبون- موريتي، على منح كل طفل رقم تعريف لضمان ذهابه إلى المدرسة، ولم يتردد وزير الداخلية في الإدلاء بتصريح مباشر، خصّ به يومية “لوفيجارو”، جاء فيه: “يجب أن ننقذ أطفالنا من قبضة الإسلاميين”.

كما تضمن مشروع القانون هذا، إلزام الجمعيات الإسلامية التي تتلقى الدعم المالي الأجنبي، بأن “تحترم مبادئ وقيم الجمهورية”، وفي حال تجاوزت التبرعات الأجنبية، سقف 10 آلاف يورو، ستصير مطالَبة بأن تصرح لها لإدارة الضرائب، إضافة إلى فصل تحت عنوان “ضد الانقلاب”، ويهدف إلى تجنب سيطرة متشددين على المساجد، ومنع أشخاص من ارتياد أماكن العبادة “في حال الإدانة بالتحريض على أفعال إرهابية أو التحريض على التمييز أو الكراهية أو العنف”.

وتتمثل المبادرة الفرنسية الثانية، الصادرة في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، في بحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع مسؤولي الديانة الإسلامية في فرنسا، في قصر الإليزيه، الخطوط العريضة لتشكيل مجلس وطني للأئمة، وطلب من محاوريه وضع “ميثاق للقيم الجمهورية” يتضمن تأكيدًا على الاعتراف بقيم الجمهورية ويُشدد على أن الإسلام في فرنسا هو دين وليس حركة سياسية، وينص على إنهاء التدخل أو الانتماء لدول أجنبية، والمقصود بالحركة السياسية هنا، مُجمل المشاريع الإسلامية الحركية في فرنسا، وخاصة المشاريع التي تنهل من المرجعية الإخوانية، أو محسوبة عليها.

مشروع ماكرون يمنح مجلس الأئمة حق إصدار التصاريح للأئمة ومنحهم بطاقة رسمية، بالإضافة إلى صلاحية سحب هذه البطاقات منهم إذا ما خرقوا “ميثاق قيم الجمهورية” بعد المصادقة عليه، ومن مقتضيات هذه المصادقة، لتدقيق في مهام الأئمة في فرنسا، وخطباء الجمعة والممارسة الدعوية، وفي مقدمتها أنه سيتعين على كل إمام الإلمام بمستوى مختلف من اللغة الفرنسية وحيازة شهادات دراسية يمكن أن تصل إلى المستوى الجامعي.

إجراء استباقي

من الواضح أن هذه الإجراءات تهدف لسحب البساط عن تدخل 3 دول من المنطقة، في تدبير مساجد فرنسا، وهي تركيا والمغرب والجزائر، فالرئيس الفرنسي يأمل من وراء تشكيل المجلس الوطني للأئمة أن ينهي في غضون 4 سنوات وجود 300 إمام أجنبي في فرنسا مبعوثين من الدول الثلاث سالفة الذكر، رغم أنه إلى وقت قريب، كانت هناك اتفاقيات رسمية بين فرنسا والمغرب، تهدف إشراف مؤسسة دينية مغربية، وهي “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات”، على تكوين وتأهيل الأئمة الفرنسيين، وقد تخرج في صيف 2019، أول فوج من هؤلاء الأئمة الفرنسيين، بعد 3 سنوات من الدراسة، إلا أن المستجدات الأخيرة في فرنسا، أفضت إلى تبني هذه القرارات المفصلية في تدبير المسألة الإسلامية هناك.

توجد مجموعة من الأسئلة المشروعة التي يجب الاشتغال عليها، على هامش قراءة أسباب وتداعيات هذه المستجدات في الساحة الأوروبية، يتطلب الاشتغال عليها، الكثير من الشجاعة العلمية والأخلاقية، نذكر منها سؤالين اثنين على الأقل:

ــ التنبيه إلى الأخطاء التي ارتكبها العديد من الدول الأوروبية في ما مضى، ومنها خطأ توظيف واستثمار فتح الأبواب للخطاب الإسلامي الحركي، البعيد عن تديّن الجاليات المسلمة في الساحة الأوروبية.

ــ سؤال الأفق الزمني بين الأسباب والنتائج، فلا يمكن أن نتوقع نتائج مطمئنة لهذه القرارات بين ليلة وضحاها، في معرض التعامل مع ظواهر تعود أسبابها منذ عقود مضت.

“الصحوة الأوروبية” بالكاد في محطتها الأولى، ولم تشمل مُجمل الدول الأوروبية، لأنها بالكاد انطلقت في فرنسا والنمسا، لعلها تكون مناسبة أمام النخب المسلمة هناك، لكي تسحب البساط من تحت أهداف وأطماع أيديولوجيات إسلامية حركية، أساءت مشاريعها إلى المسلمين وغير المسلمين.

 

 

منتصر حمادة

كاتب وباحث مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى