"لا يوجد شر"

4 بورتريهات لصناعة "القتلة" في إيران

“هل نحن مسؤولون عن اختياراتنا وقراراتنا المصيرية في الحياة؟”

هذا السؤال يطرحه الفيلم الإيراني “لا يوجد شر” There Is No Evil، من خلال أربع قصص منفصلة ومتصلة في آنٍ، تدور داخل المجتمع الإيراني، وتبرز استبداد النظام الحاكم ووحشيته في التعامل مع أفراده.

عُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الثانية والأربعين، وقد سبق أن حاز جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي في دورته السبعين، وهو العمل السادس للمخرج محمد رسولوف، الذي لم يُسمح له، بموجب حكم قضائي، بمغادرة بلاده لتسلم الجائزة، وقد صُوّر الفيلم سرًّا في تحدٍّ واضح للسلطة والحكومة الإيرانية، وذلك بعد منع رسولوف من إخراج الأفلام منذ عام 2017، بدعوى أنه يشوّه صورة النظام الإيراني في أعماله.

محمد رسولوف يحتفل بحصوله على الدب الذهبي في مكالمة مصورة

بدأ صدام السلطة مع رسولوف في 2010، حين حُكم عليه بالسجن 6 سنوات، بتهمة التصوير دون الحصول على إذن رسمي، ثم خُفف الحكم إلى سنة واحدة، وازدادت المشكلات معه بعد فيلمه “المخطوطات لا تحترق” إنتاج عام 2013، الذي يحكي عن الرقابة التي يمارسها النظام على الفكر الحر والإبداعي في إيران، وصدرت ضده عدة أحكام قضائية، إلا أن ذلك لم يوقفه عن استكمال إنتاج أعماله.

لا وجود للشر المطلق

يفضح رسولوف في “لا يوجد شر” نظام الإعدام في إيران، التي تُصنّف كثاني أكثر الدول تنفيذًا لأحكام الإعدام بعد الصين، وفقًا لمنظمة العفو الدولية، بجانب استخدامه كسلاح للقمع ضد كل مخالف للرأي.. يعرض رسولوف المعضلة الأخلاقية التي يقع فيها مواطنون عاديون يُطلب منهم تنفيذ حكم الإعدام، وكيف يؤثر ذلك في حياتهم، ويسأل: هل نستطيع أن نرفض ما تفرضه السلطة علينا أم أنها تتحكم بمصيرنا؟ وإن استجمعنا القوة ورفضنا، كيف سيبدو شكل الحياة وكيف ستكون تداعيات قرارنا، ليس علينا فقط بل على من حولنا أيضًا؟

استوحى رسولوف قصة الفيلم من تجربة شخصية تعرَّض لها خلال فترة سجنه، حين رأى الشخص الذي أجرى معه التحقيقات خلال فترة اعتقاله في الشارع، وتابعه لبعض الوقت، ليدرك أنه شخص طبيعي يشبه جميع من يقابلهم في يومه دون أن يشك بهم، وليس شخصًا شريرًا، ومن هنا جاء اسم الفيلم “لا يوجد شر”، لأنه لم يرَ أي شر أمامه في شخص يشبه الآخرين.

مشهد من الفيلم
النظام هو المدان الأول

في “لا يوجد شر” يدفع النظام الحاكم المواطنين إلى ارتكاب أفعال غير إنسانية، مثل إجبار المجندين على تنفيذ حكم الإعدام في المسجونين.. خلال ساعتين ونصف الساعة، مدة الفيلم، نرى 4 قصص تكشف جانبًا مختلفًا عن الموضوع.. نرى مسارات مختلفة للحياة وقد فرضت بناءً على قرارات أصحابها بقول نعم أو لا في وجه النظام.. قد يرى البعض أن القصص يكمل بعضها بعضًا، وقد يراها الآخرون منفصلة يمكن التعامل معها كأفلام قصيرة مستقلة. 

يقدم الفصل الأول والأجمل من الفيلم، يومًا من حياة رجل في منتصف العمر يرعى عائلته ويساعد زوجته ويخرج مع أصدقائه، ويقود سيارته للذهاب إلى وظيفته غير المتوقعة، وهي تنفيذ أحكام الإعدام.. تلك القصة تكشف أن ما يعمل به الرجل ما هو إلا مجرد وظيفة، فهنا لا يدين أحدٌ الرجل على وظيفته، بل قد يتساءل البعض كيف يمكن لشخص عادي مثله أن يَقتل؟ الملام هنا هو النظام كله وليس بطل القصة أو أي فرد آخر يعمل لديهم.

أحد مشاهد "لا يوجد شر"

في أحد أجزاء الفيلم يبرر أحد المجندين تنفيذه لحكم الإعدام قائلاً: “لا يُشنق الناس دون سبب”، في محاولة لتجنب الشعور بالذنب، وهو ما يحاول النظام تلقينه للمجندين وإقناعهم به.. رسولوف نفسه يرى أنهم في النهاية ليسوا إلا ضحايا استبداد وفساد السلطة.

خلال القصص الأربع نرى دوافع كل بطل في اختياره، سواء أكان بقبول أم رفض تنفيذ حكم الإعدام، وكيف سارت حياة بعضهم هادئة وانقلبت حياة آخرين.. عرف رسولوف جيدًا كيف يختار شخصيات من خلفيات متنوعة، ويكتب قصصهم ودوافعهم دون تبرير أو لوم لأحد، ودون تفاصيل زائدة أو تسليط الضوء على التهم الموجهة للمحكوم عليهم بالإعدام بقدر التركيز على من ينفذون، وحججهم الأخلاقية ونظرتهم حول وجود الشر في العالم، فجاء السيناريو متماسكًا وخاليًا من أي حشو في الأحداث، باستثناء الجزء الرابع الذي عانى من بعض التطويل والمط غير الضروري.

مشهد من فيلم رسولوف
موسيقى شعبية ضد السلطة

مزج المصور السينمائي الإيراني أشكان أشكاني بين اللقطات القريبة والطويلة، لتوثيق لحظات الخوف والتردد والحميمية بين أبطال القصص، ورسم صورة شاعرية بالتركيز على المشاهد الجمالية، سواء أكان في الريف أم المدينة التي لها دور أيضًا في إبراز حالة الفيلم وحياة شخصياته، بجانب موسيقى الإيراني أمير ملوكبور، والاستعانة بأغنية المعارضة الشهيرة “قبّليني”، التي صدرت وقت حكم الشاه.

كان أداء الأبطال جيدًا في المجمل، باستثناء بعض المبالغة من كاوة آهنكر، الذي جسد شخصية “بويا”، ومحمد ولي زادغان في دور “جواد” بالقصتين الثانية والثالثة، في حين كان أفضل أداء في الفيلم من نصيب إحسان مير حسيني، الذي جسد دور “حشمت” في القصة الأولى، وباران رسولوف، ابنة مخرج العمل، في دور “داريا”، فقد قدم كلاهما دوره دون افتعال رغم صعوبة ما تمر به الشخصيات من أحداث.

باختلاف مستوياتها الفنية، عالجت القصص الأربع قضية مهمة، ليس فقط داخل إيران بل عالميًّا، وعرضت مفهومًا مختلفًا عن الشر دون الكثير من الضجيج والمبالغة، كاشفة عن الجوهر الإنساني لبشر عاديين، أجبرتهم الظروف السياسية والاجتماعية على اتخاذ قراراتهم وتحمل نتائجها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

لانا أحمد

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram