لا يوجد عشٌّ آمنٌ للعصافير

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

“الحياة تعني أن نعيش في خطر” (نيتشه)

لا يوجد زمن آمن، كما كان يقول الفيلسوف الروماني “سينيكا”. ذلك ما تؤكده أيضًا أخبار الحروب والفتن. غير أننا نستطيع أن نضيف كذلك أنه لا يوجد مكان آمن طالما أخبار الأوبئة والإرهاب تؤكد ذلك، كما لا توجد مكانة اجتماعية آمنة طالما أخبار الجائحات والاغتيالات تؤكد ذلك، ولا يوجد استثمار آمن طالما أخبار الكوارث والإفلاس تؤكد ذلك، وأيضًا لا يوجد حب آمن، ولا سفر آمن، ولا زواج آمن، ولا إنجاب آمن، وإجمالًا لا توجد حياة آمنة.

في رحلة الحياة لا وجود لأي تجربة آمنة؛ حيث لا يوجد حبٌّ آمن إلّا في خيال المراهقين الذين لأجل ذلك قد يُعانون من الإحباط في أولى تجاربهم العاطفية حين ينضجون؛ وحيث لا يوجد زواج سعيد إلّا في قصص الأطفال الذين لأجل ذلك قد يواجهون التذمر في بداية حياتهم الزوجية عندما يكبرون؛ وحيث لا يوجد سفرٌ آمن إلّا إذا كانت المسافة تُساوي صفرًا؛ وحيث لا يوجد هدف آمن إلّا في الأحلام؛ ولا يوجد مشروع آمن إلّا في المنام. وإجمالًا لا توجد حياة آمنة إلّا في عالم الأموات.

عندما تُقرر أن تُنجب أو تتبنّى طفلًا (وفي الحقيقة لست أنت من يُقرر ذلك، بل لعلها طبيعتك الحيوانية) معناه أنك باعتبارك كائنًا عاقلًا قد قبلت بقواعد اللعبة كاملة، بحيث إنك ستُنجب أو تتبنى كائنًا هشًّا فانيًّا معرضًا منذ الوهلة الأولى لمختلف الأمراض والمخاطر، وقد تُضطرّ إلى الطواف به آناء الليل في أقسام المستعجلات الطبية متوسلًا الشفاء، وكل رجائك ألّا يموت قبلك، وهو ما لا تكفله الحياة بالضرورة. وإنك ستعاني لمعاناته ما حييت وما حيا، ذلك أن غريزتك التي ورّطتك ستُرغمك على أن تتحمل عنه، ثم معه، نصيبًا من مخاطره، زمنًا قد يطول وقد لا ينقطع، ولو أمكنك ذلك فلن تتردد في تلقّي ضربات القدر بدلًا عنه. رغم كل شيء فلا شيء مضمون في آخر الحساب، بحيث لا تأتي الوقائع في حجم التوقعات، وإذا عظمت آمالك فسيكون إحباطك أعظم. أما الحل الباقي أمامك فهو أن تتقبل الورطة برضى، وتواصلها بلا تذمر، وذلك حتى لا تفقد القدرة على الحياة.

معنى ذلك أن الفرصةَ الباقية أمام الإنسان هي أن يكتسب القدرة على العيش في بيوت غير آمنة، وبيئات غير آمنة، ما يعني أن يعيش.

القدرة على الحياة تعني القدرة على تقبل الخطر الكامن خلف كل تجارب الحياة، بلا أسف أو أسى، بلا ندم أو شكوى؛ ذلك أن مغزى الحياة يكمن في أنها عبارة عن متتالية من الأنجية (جمع نجاة). هنا بالذات يكمن الشرط الدراماتيكي للحياة، والذي بقدر ما نتقبله فإننا نمتلك القدرة على الحياة.

حين نتمثل العيش باعتباره نجاة، حين نتمرّن على اعتبار كل لحظة من لحظات الحياة بمثابة نجاة قائمة الذات؛ حينها سنمتلك فرصة سانحة لأجل التعامل مع لحظات الحياة على نحو احتفالي يجعل الحياة في النهاية جديرة بالحياة.

والحال أننا جميعنا ناجون، كما كان يردد “جاك ديريدا”.

ما معنى ذلك؟

بالمعنى السياسي كلنا ناجون من معسكرات الإبادة، والمعتقلات السرية، والحروب الأهلية، والتفجيرات الإرهابية.. إلخ. بل كلنا ناجون من أشكال شائعة من الموت “السياسي”، من قبيل السكتة القلبية الناجمة عن الأزمات السياسية، على سبيل المثال.

بالمنظور التاريخي أيضًا، فنحن نمثل سلالة الناجين من النيازك والوحوش والأوبئة، ومختلف عوامل الانقراض؛ بل إننا لسنا سوى نسل المنحدرين من سفن النجاة.

غير أننا ناجون بالمعنى الوجودي كذلك، ناجون بكل المعايير، وفي كل مراحل العمر: ناجون من العدم حين نوجد، ناجون من الإجهاض حين نولد، ناجون من الموت المبكر حين نكبر، ناجون من الإدمان والجنون والانتحار حين ننضج، ناجون من حوادث السير والغرق والشجار حين نشيخ، وفي هذه الأنجية المتتالية يكمن المعنى الحقيقي للحياة.

عندما أتمثل الإحساس بالنجاة على هذا النحو من القناعة والاقتناع، فسينتابني شعور عظيم بالامتنان للحياة، وبالابتهاج بكل لحظة أعيشها مع نفسي ومع الآخرين، وبالتالي سأمتلك القدرة على العيش بكثافة وعمق في معظم أوقات الحياة.

لا أستطيع أن أتغاضى عن البؤس الاجتماعي، بل أدرك وجود ملايين المياومين ممن يُضطرون إلى خوض كفاح يومي مرير من أجل “قوت العيال”، لكن يكفي أن تسلم الذات من داء التذمّر اللعين حتى تصبح كل وجبة عائلية بسيطة بمثابة احتفال مصغر بنجاة مؤقتة، في انتظار معركة اليوم التالي.

عندما تهبط الطائرة أو يصل القطار، فسواء تعلق الأمر ببداية العطلة أم بنهايتها فإن الفعل يُحيل إلى لحظة نجاة تستحق الامتنان في انتظار الرحلات الموالية.

ليس مطلوبًا منا سوى أن نستحضر مفهوم النجاة في كل لحظات الحياة، وحتى في أبسط تفاصيلها اليومية والاعتيادية. وكما يقول “محمود درويش” في إحدى قصائده الأخيرة:

“إن كان لا بُدَّ من حُلُمٍ، فليكُنْ

مثلنا.. وبسيطًا

كأنْ: نَتَعَشَّى معًا بعد يَوْمَيْنِ

نحن الثلاثة،

مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا

وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحدًا

منذ يومين” (لاعب النرد).

يكفي ألّا ينقص واحد منذ يومين حتى يشعر الثلاثة بالامتنان.

لكن العبرة في المشهد تكمن في أن كل يوم نستطيع فيه القيام بالأعمال البسيطة التي نقوم بها عادة، ونستمتع بالأشياء البسيطة التي نستمتع بها عادة، ونلتقي الأشخاص البسطاء الذين اعتدنا أن نبادلهم التحية يوميًّا؛ سيكون يومًا جديرًا بالامتنان. وكلما امتلأت النفس بالحيوية والحياة إلا وصارت معركة “قوت العيال” أقل قسوة مهما قست الظروف على الإنسان.

لكن ثمة عبرة أخرى لا تقل أهمية:

عادة ما يكتسب المتعافون من الفيروسات والجراثيم مناعة أفضل من السابق. وهو ما يعني أن المبدأ القائل إن “الضربة التي لا تقتلني تزيدني قوة”، يظل مبدأ أساسيًّا في الحياة، بحيث ينطبق على الأفراد والمجتمعات كافة، وذلك في مختلف الظروف والأزمات. هنا بالذات يكمن المعنى الحقيقي لعبارة: “لقد نجونا”، والتي يجب أن نضعها دومًا على محمل الجد.

“لقد نجونا”!.. ما معنى ذلك؟

معناه أننا الآن أكثر قدرة على الحياة، أو هكذا يُفترض.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search