زوايامختارات

لبنانيون يحرقون منازل السوريين: لنا وطنُنا .. ولكم وطنكم!

 

ليس الاغتراب والترحال وحدهما قدر السوريين المهجرين في بلاد الله، بل إن إشارات النبذ الاجتماعي تلاحقهم في بعض المنافي. لبنان مثال طازج جدًّا. أعداد كبيرة من السوريين هناك باتت هدفًا لملاحقات من اللبنانيين.

سوريون كُثُر، قبل أيام قليلة، جرى حرق بيوتهم وطردهم من منطقة بُشرِي شمال لبنان، حاملين حياتهم وأبناءهم فوق ظهورهم. حاملين أوزار مقتل شاب لبناني اسمه جوزيف طوق على يد عامل سوري –سلّم نفسه لاحقًا لقوات الأمن الداخلي- لخلاف فردي بينهما، في أثناء عملهما في قطعة أرض كان يملكها المجني عليه.

المشهد متوتر جدًّا. الأوضاع ملتهبة في منطقة بُشرِي حيث اندفعت مجموعات شبابية لبنانية نحو منازل اللاجئين السوريين وأحرقوها، كردّ فعل على جريمة مقتل طوق. خرجت العائلات السورية ليلاً في الطقس البارد من منازلها إلى المجهول، بحسب ما أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام.

الشارع في لبنان، انقسم ما بين مؤيد لترحيل السوريين من  البلدة، وبين معارض لمعاقبة جميع السوريين على جريمة فردية ارتكبها فرد، وانعكس الانقسام اللبناني على مواقع التواصل الاجتماعي، التي صارت ساحة جدل كبيرة بين مؤيدين ومعارضين لترحيل السوريين.

وتداول مغردون صورًا ومقاطع فيديو تُظهر الغضب الذي ساد المدينة، حيث أغلق الأهالي الطرقات، وأشعلوا النيران، ورحّلوا اللاجئين السوريين قسرًا من منازلهم، في حين انتشرت دعوات مؤيدة لطرد اللاجئين، محذرة من خطرهم ومساعي عرقلة عودتهم إلى ديارهم.

جوزيف طوق إلى لقاء ربه ..
وقاتل جوزيف طوق اصبح بيد الجيش اللبناني ..
ما ذنب بقية اللاجئين؟؟.#بشري pic.twitter.com/tKmFDOfcuQ

— Ahmad Alshame ⚪ (@ahmadal_shame) November 23, 2020

وفي السياق، سيّر الجيش اللبناني دوريات راجلة وآلية في بشري لاعادة الهدوء الى المنطقة  وقد عمد القاتل إلى تسليم نفسه لقوى الأمن الداخلي وبوشرت التحقيقات، طبقًا لبيان الجيش اللبناني على موقع التواصل الاجتماعي تويتر.

حذرنا عدة مرات عن خطر الاجئين بس لا في كم اهبل عنا بدن ياهن

الله يصبر اهل جوزيف و الله لا يوفق كل واحد معرقل عودة الاجئين #بشري pic.twitter.com/44hDLmnY3H

— joseph abillamah (@josephabillamah) November 23, 2020

أوضاع السوريين في لبنان

يعيش في لبنان أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوري، منتشرين في أنحاء البلاد، غالبهم فر من الحرب السورية التي اندلعت في أعقاب ثورة 2011 ضد نظام الرئيس بشار الأسد، ويعيشون أوضاع اقتصادية صعبة، فيضطرون للعيش في “مبانٍ غير مكتملة وفي حظائر مهجورة”، وبأجور زهيدة، حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتشكل قضية اللاجئين السوريين أزمة كبيرة في لبنان، فالبلد البالغ تعداد سكانه نحو 6 ملايين نسمة، يعد الأعلى كثافةً باللاجئين في العالم، لذلك ينظر إلى ملف اللاجئين بشيء من الريبة، وقد فشلت السلطات اللبنانية “في اتخاذ الخطوات اللازمة لمنع ومحاكمة أعمال العنف المتصاعدة التي ينفذها مواطنون لبنانيون ضدّ سوريين”، وفقًا لمنظمة هيومان رايتس ووتش، بالإضافة إلى الصعوبات التي تفرضها الدولة اللبنانية على النازحين السوريين، وسياسة تقليل أعدادهم من خلال وضع شروط وعوائق أمامهم، منها إغلاق الحدود أمامهم، أو مطالبتهم بالتسجيل لدى مفوضية اللاجئين، أو تأمين كفيل لبناني للبقاء بأسلوب قانوني في الدولة.

هذا بالإضافة إلى الاستقطاب الكبير بين السياسيين اللبنانيين حول الوضع في سوريا، والذين كانوا يدعون في كثير من المجالات إلى عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، لما يشكله ذلك من عبء لا يستطيع لبنان تحمله، ويتزعم هذا الاتجاه أنصار التيار الوطني الحر الذي يترأسه السياسي جبران باسيل، المعروف بعدائه للاجئين السوريين.

جبران باسيل

تأجيج العنف

وفي تقرير سابق لها، اتهمت منظمة هيومن رايتس واتش مسؤولين لبنانيين بتأجيج حوادث العنف ضد اللاجئين السوريين، وقالت المنظمة إنه “يتعين على المسؤولين الكف عن إصدار أي تصريحات من شأنها التحريض على العنف، بل عليهم التنديد بالهجمات والدعوة لمحاسبة مرتكبيها”.

وبين حالات عديدة، وثقت المنظمة الأممية 11 حالة تعرض فيها سوريون في لبنان، أو أشخاص كان يُعتقد أنهم سوريون، لهجمات عنيفة في منازلهم وفي الشوارع على يد مواطنين لبنانيين، في شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول في نفس العام.

خالد، لاجئ كردي من سوريا يعيش في جنوب بيروت، وثقت المنظمة اعتداء رجال لبنانيين عليه، وروى  خالد  تفاصيل ما حدث له قائلاً إنه ذهب على متن حافلة مع زوجته وابنه إلى مكان قريب من مار ميخائيل في ضواحي بيروت، ولما نزلوا من الحافلة سأله رجل لبناني إلى أين هم ذاهبون، وقال: “انتبه رجال لبنانيون كانوا في المكان إلى أنني سوري من خلال لهجتي، فبدؤوا يضربوننا. لقد ضربوني وزوجتي وابني بأيديهم وأرجلهم وبالهراوات.. ما زالت عيني حمراء من آثار الضرب”، وذلك قبل أن يتمكن خالد وعائلته من الإفلات من المجموعة التي اعتدت عليهم.

طرد اللاجئين

موقف النظام السوري

اللوم ليس على لبنان فقط، فالنظام السوري يعرقل في السنوات الماضية، مسألة عودة اللاجئين السوريين، بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة في سوريا، وعمليات الاعتقال أو كابوس التجنيد الإجباري الذي ينتظر العائدين، حيث ينص القانون العسكري السوري على أنه يجب أن يخدم الذكور السوريون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و42 عامًا في القوات المسلحة، أو دفع غرامة قدرها 8000 دولار، لا يستطيع معظم السوريين دفعها، ما يعرضهم لمصادرة النظام ممتلكاتهم.

كما أظهرت تصريحات سابقة للرئيس بشار الأسد موقفه تجاه عودة اللاجئين السوريين، حين قال في أغسطس/ آب قبل 3 أعوام ، في حفل افتتاح مؤتمر عقدته وزارة الخارجية السورية: “صحيح أننا فقدنا خيرة شبابنا وكذلك بنيتنا التحتية، لكننا في المقابل اكتسبنا مجتمعًا أكثر صحة وتجانسًا في مكان آخر”، وكان يقصد لبنان!

لكن في الآونة الأخيرة، حدث تطور قد يُنبئ بجديد في الأشهر المقبلة، فدمشق تتعاون مع موسكو لإعادة ما يزيد على أكثر من 6.5 مليون لاجئ سوري خارج بلدهم، عبر وسائط المؤتمرات الدولية وبرامج إعادة الإعمار، في حين تربط الجهات المانحة تقديم أي مساعدات إلى سوريا بالتوصل إلى تسوية سياسية نهائية للنزاع.

 

 

عبد الله قدري

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى