لبنان: حرب من طرف واحد

باسكال صوما

كاتبة لبنانية

عاش اللبنانيون يوم 26 يوليو 2020، ما يشبه لحظات بداية حرب يوليو 2006 مع إسرائيل، مع فارق 14 سنة وأيام. شدّوا الأحزمة وبدءوا يفكّرون بعتمة الملاجئ التي تنتظرهم، ومرت في مخيلتهم جسور وبنى تحتية تتداعى كما حصل في يوليو 2006.

القصة أن هناك حربًا اندلعت وانطفأت في غضون ساعة في منطقة شبعا الجنوبية، وهي حرب تضمنت قصفًا وصواريخ و”آر بي “جي، بين “حزب الله” وإسرائيل. كثرت الروايات حول تلك الحرب الصغيرة العجيبة. هناك من قال إنّ “حزب الله” يردّ على مقتل أحد محاربيه الذي سقط في سوريا بقصف إسرائيلي، هناك من تحدّث عن جرحى وقتلى، وهناك من وصف العدوّ مرتعبًا داخل حدود فلسطين المحتلة. وروايات العدو المرتعب تلك، ألفها اللبنانيون كما يألف الأطفال روايات عبير. لكنّ ذاك العدوّ الخائف المرتجف، أعلن سريعًا عودة الحياة إلى طبيعتها في شوارعه. أمّا في لبنان، فلم يحصل سوى التخبّط، مرّت الحرب مرور عصفور في حديقة، فيما رئيس الحكومة اللبناني “حسان دياب” طمأننا بأنه أرجأ اجتماعاته المهمّة وانكفأ لإجراء الاتصالات اللازمة حول ما يحصل في شبعا.

كان يُنتظر أن يخرج “حزب الله”، وهو الحاكم الفعليّ، ببيان يعلن فيه انتصارًا “إلهيًّا” جديدًا. إنه تقليد اعتدنا عليه واعتاد عليه جمهوره، أن يخرج الحزب في كل الأحوال، حتى في أشد لحظات الهزيمة والدمار، منتصرًا قاهرًا العدوّ الغاشم. لكن هذه المرة، خرج “حزب الله” ببيان يحتاج الواحد إلى مجازفة فكرية لتصديقه.

أكد “حزب الله” في بيانه الذي يشبه تلك الحرب في متاهته، أن “ما تدّعيه وسائل إعلام العدو عن إحباط عملية تسلل من الأراضي اللبنانية إلى داخل فلسطين المحتلة هو محاولة لاختراع انتصارات وهمية وكاذبة”. وقال أيضًا إنه “لم يحصل أي اشتباك أو إطلاق نار من طرفه، إنما كان ذلك من طرف واحد فقط، هو العدو الخائف والقلق المتوتّر”. بمعنى آخر، وفق رواية الحزب، إسرائيل تخيّلت أن هناك عمليّة قتالية ضدّها فقامت بالرد، أو أنّ إسرائيل قصفت نفسها وردّت على نفسها، هكذا بكل ما في المشهد من سوريالية.

لكنّ مصدرًا أمنيًّا إسرائيليًّا سارع في الردّ، قائلًا: “لدينا توثيق لما حدث في مزارع شبعا”. إنما في الداخل اللبناني، يستطيع “حزب الله” تسويق الروايات التي تناسبه، وبإمكانه تطويع الارتباك النفسي لدى جمهوره لمصلحته، مهما امتلكت إسرائيل من وثائق، ومهما بدت روايات النكران هشّة ومربكة.

يبدو “حزب الله” محرجًا لدرجة أن يتنصّل من أي معركة، ويعتبر أنّ تلك الحرب كانت من طرف واحد. وهو إحراج يمكن ضمّه إلى لائحة طويلة من الإحراجات، التي ربما طافت على السطح مع مقتل قائد “فيلق القدس” “قاسم سليماني” ورفيقه في بغداد، والردّ الإيراني الذي لم يحدث، إلا بالتوعّد والخطابات الشعبية.

أما الرد على مقتل القيادي في “حزب الله” “علي كامل محسن” الذي سقط في عدوان إسرائيلي على محيط مطار دمشق الدولي، فوفق بيان “حزب الله” “آتٍ حتمًا وما على الصهاينة إلا أن يبقوا في انتظار العقاب على جرائمهم”. وهو ردّ يذكّر بطبيعة الحال بالردّ الذي وُعدنا به على مقتل “سليماني”، والذي انتهى بغارة على قاعدة أمريكية في بغداد، لم يسقط نتيجتها أي ضحايا.

تضاف إلى ذلك سلسلة انفجارات وحرائق هزت منشآت ومواقع عسكرية وصناعية إيرانية بينها منشأة نطنز الأساسية في برنامجها النووي ومنشأة بارشين المحورية في برنامجها الصاروخي. وإن كان البعض اعتبر أن إيران ردّت عبر الحريق الذي اندلع في البارجة الأمريكية “يو إس إس ريتشارد” وانتهى بتدميرها، إلا أنّ المؤكد أن الجمهورية الإيرانية تعيش أيامًا صعبة وتهتزّ بالعمق، ليس اقتصاديًّا ومعيشيًّا فحسب، إنما أيضًا عبر الاختراقات الأمنية والتعثّر في المواجهة.

وكل إحراج إيراني يستدعي بطبيعة الحال إحراجًا لـ”حزب الله”، حليف إيران ويدها اليمنى، فالأمين العام للحزب “حسن نصر الله” قال في أحد خطاباته الشهيرة: “أنا جنديّ صغير في ولاية الفقيه”.

أما محليًّا فإحراج “حزب الله” يتّسع، وهو إحراج ربما لم يكن متوقعًا حدوثه يومًا لصانع “الانتصارات” ومُرعب إسرائيل، وحليف إيران التي أكّدت أنها قادرة على محو إسرائيل عن الخريطة في دقائق.

الحكومة التي أتى بها “حزب الله” وحلفاؤه منفردين هذه المرّة، أثبتت فشلًا ذريعًا في إدارة مختلف الملفات الاقتصادية والمعيشية، إضافةً إلى أزمة فيروس “كورونا” الذي يبدو أنه عاد هذه المرة بموجة جديدة فتّاكة.

ويعرف “حزب الله” أن النقمة تتزايد في بيئته، ويعرف أن سعادة الانتصارات خفتت، ولم تعد فكرة المقاومة على أهميّتها قادرة على إسكات الجوع وحماية ودائع الناس العالقة في المصارف، في ظل دولار انتقل من سعر صرف 1500 ليرة لبنانية ليناطح الـ8000 ليرة والـ10000 ليرة في بعض الأيام. ويبدو أن لا أحد يملك تلك العصا السحرية القادرة على فرملة سوق الصرف وضبط غلاء الأسعار الذي تجاوز 100% للكثير من السلع الأساسية. وهذه الحكومة هي ذاتها التي شهدت دخول العميل الإسرائيلي “عامر الفاخوري” جزّار معتقل الخيام اللبناني، الأراضي اللبنانية عبر مطار بيروت، وخروجه معززًا مكرّمًا بطائرة خاصة نقلته من أمام السفارة الأمريكية إلى الولايات المتحدة. وهي الحكومة التي شكرها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على تعاونها في قضية “الفاخوري”. وفي ظل هذا العجز المطلق لجبهة الممانعة، وُجد المواطن “أنطوان الحايك”، وهو كان مساعد “الفاخوري” أيام معتقل الخيام، مقتولًا داخل محل يملكه في بلدة المية مية – صيدا. هكذا جرت عملية تهدئة بيئة المقاومة الغاضبة من تهريب “الفاخوري”.

“حزب الله” -إذن- بالغنيّ عن أي حرب أو حتى معركة عابرة، على شاكلة المعارك التي يشهدها الجنوب اللبناني بين حين وآخر. هو مكتفٍ بما لديه، ويعرف أنّ المجتمع الدولي بات واضحًا جدًّا في رغبته في إنهاء نفوذ الحزب وأسطورة سلاحه.

وإذا افترضنا أنّ إسرائيل وحدها مسؤولة عما حدث، وهي كاتبة السيناريو ومخرجته، فإنّ ذلك يعني بطبيعة الحال أن تلك الحروب الصغيرة في الجنوب اللبناني أو سواه يمكن أن تتكرّر، وأن تحييد لبنان عن صراعات المنطقة الذي كان اتّفق عليه سابقًا، يمكن ألا يدوم بعد الآن. لا سيما أنّ معركة قطع خطوط إمدادات “حزب الله” وإيران في لبنان التي تريدها واشنطن، لا تمرّ بالحزب وإيران وحدهما، بل في لبنان كلّه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search