على مقربة من المرفأ.. حكاية من قلب بيروت

بلال مؤمن

كاتب مصري

كانت رحلتي الأولى إلى بيروت الوادعة على شاطئ المتوسط في أعقاب ثورة الربيع العربي، وتحديدًا في عام 2013، في إطار العمل على إعداد حلقة وثائقية تحكي تاريخ الصحافة اللبنانية ضمن سلسلة توثّق لتاريخ الصحافة العربية نشأةً وبزوغًا ومآلًا. ولأن الصحافة اللبنانية كانت -ولا تزال- هي الأعرق والأقدم، فقد تطلّب الأمر استعدادًا خاصًّا من قراءة للتاريخ العام للبنان (الوطن الذي يفخر أبناؤه بكونه لفظًا يحمل دلالات الذكورة لا التأنيث، مثله مثل العراق والسودان واليمن) إلى التعرف على الخريطة الإثنية والجيوسياسية لبلد أشبه بفسيفساء عرقية وسياسية معقدة، أو نافذة من الزجاج المعشّق الهش، بتعبير الأستاذ “محمد حسنين هيكل”.

ولأن الصحافة اللبنانية كانت في أغلب حالاتها تعبيرًا عن حالة من الصراع والمناكفة السياسية للقوى الدولية التي تسعى لبسط نفوذها على جبل لبنان في القرن التاسع عشر الذي شهد ظهور أول صحيفة لبنانية “حديقة الأخبار” لخليل خوري في 1858؛ فقد كان العمل في مجمله أقرب إلى حديثٍ في التاريخ السياسي للبنان، لا التاريخ الصحفي.

إذ على الرغم من وجود عدد من الصحف والمجلات العلمية والأدبية والتبشيرية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كـ”المقتطف” و”الجنة” و”البشير” لتعكس قدرًا من المهنية بانصرافها عن الخوض في حالة الاستقطاب السياسي المدعومة فرنسيًّا من ناحية وعثمانيًّا من ناحية أخرى؛ إلا أنها في حقيقة الأمر كانت أيضًا نوعًا من المشاركة السياسية السلبية خوفًا من بطش الولاة الذين نكلوا بكل من تناول الشأن السياسي اللبناني، أو تعرضوا بالنقد لحكم المتصرفية العثمانية، إلى الحد الذي جعلنا نتحدث عن أكثر من موسم لهجرة الصحفيين اللبنانيين من وطنهم إلى بلدان المهجر في أمريكا اللاتينية حينًا، وإلى عاصمة النهضة العربية في مصر حينًا آخر، ليُنشئوا عددًا من أشهر وأعرق الصحف العربية كـ”الأهرام” و”روز اليوسف” و”الهلال” وغيرها، لكنها ستصنع خصيصة أخرى للشعب اللبناني ربما لم تتوفر لغيره حين يصبح تعداد المواطنين اللبنانين في بلدان المهجر يفوق ثلاثة أضعاف مواطنيه المقيمين.

لكن ما أن تقترب بعملك التوثيقي إلى النصف الثاني من القرن العشرين حتى يصبح هذا الصخب التاريخي أقل خطرًا وأهون شأنًا أمام سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات السياسية للصحف والصحافة اللبنانية، فقد تحولت لبنان منذ منتصف الخمسينيات وحتى اندلاع الحرب الأهلية في السبعينيات إلى ساحة للحرب بالوكالة لسائر القوى الإقليمية والدولية، لا سيما “عبدالناصر” وحلف بغداد، وبات الجميع يخضع للأجندة السياسية للظهير السياسي الذي يتبعه، إلى الحد الذي جعل رئيس الجمهورية اللبنانية “شارل حلو” (1964-1970) يعقد اجتماعًا مع رموز الصحافة اللبنانية، ثم يفتتح خطابه بعبارة ذات دلالة كاشفة وواضحة: “أهلا بكم في وطنكم الثاني لبنان”.

يُجمع المثقفون اللبنانيون على أن الصحافة كانت لاعبًا رئيسًا في إطلاق شرارة الحرب الأهلية التي ستطال مختلف أطراف المجتمع اللبناني قرابة خمسة عشر عامًا، فقد حُمّلت بيروت كل ما اقترفه الصحفيون والسياسيون والطائفيون من معاصٍ.

في شرفة منزله على ربوة جبل لبنان وقفتُ إلى جانب الباحث والمؤرخ اللبناني “نسيم الخوري” أسأله: كيف تسمحون لخلافاتكم أن تطال كل هذا الجمال؟ أجابني بلهجته الشامية مازحًا: “نحن اللبنانيين نقول إن الله خلق لبنان في ساعة رضا.. ثم غضب فخلق اللبنانيين بهذا الكم من الاختلاف والصراع فيما بينهم”.

خَفَتَ الانبهار بالجمال أمام ناظري شيئًا فشيئًا، فأجواء الحرب الأهلية كانت لا تزال تخيم حتى على رحلتي بعد مضيّ نحو 25 عامًا على انقضائها، قال لي مدير الإنتاج وهو مصري اسمه “آدم” مقيم بلبنان منذ سنوات، إن جيل الآباء لا يستطيع تجاوز آثار الحرب الأهلية حتى هذا اللحظة، فالسنّي يشعر بالخوف من اجتياز مناطق ذات أغلبية شيعية أو مسيحية، والعكس صحيح.

علمتُ فيما بعد أن مدير الإنتاج نفسه مسيحي له اسم مختلف، لكنه لجأ إلى اسم مستعار لا يستنفر عداء مختلف الطوائف “آدم” تسهيلًا لعمله، ومنعًا لحساسية قد يُثيرها الاسم لدى أصحاب الطوائف الدينية الأخرى.

ذات صباح كنا نتحرك من العاصمة بيروت إلى الضاحية الجنوبية قبل أن تستوقفنا إحدى دوريات الشرطة، بعد فحص الكاميرات وأوراق التصاريح بدا أننا مقبلون على مشكلة غائرة قبل أن يتحرك السائق الذي يقود رحلتنا جانبًا ليجري مكالمة هاتفية، ثم يقدم الهاتف إلى ضابط الدورية، فتتغير ملامحه فجأة، ويأذن باستئناف الرحلة بعد أن ألقى التحية، لم يفتني أن أسأل “آدم” عن السر وراء هذا التحول في سلوك الضابط، فأسرّ إليّ: “رامي ابن أحد قيادات حزب الله”.

لم يكن في سلوك “رامي” ما يُثير الانتباه، بدا شابًّا أهوج، زير نساء يُطيل في الحديث عن مغامراته، وكلما مررنا بحسناء من حسناوات لبنان -وهن كُثر- صاح بأعلى صوته: “ولعانة”، ثم ضحك وضحكنا، وكثيرًا ما عقدنا مقارنات بين فتيات العرب. لكنّ “رامي” المتزوج من فتاة مصرية من المنصورة كان منحازًا دائمًا إلى شجاعة وجلد وتحمل و”رجولة” المرأة المصرية، ولم تنجح مفاوضاتنا لاستبدال جدعنة المصرية برقة وجمال اللبنانية في تغيير وجهة نظره.

 لم يكن في سلوكه -إذن- ما يُظهر انحيازه الطائفي، غير أنه أصرّ ذات ليلة على أن يصطحبني ليلًا من الفندق الذي نزلنا به بشارع الحمرا لقضاء أمسية مختلفة، على حد تعبيره. كانت الليلة ذاتها التي وقف فيها الرئيس المصري آنذاك “محمد مرسي” وسط حشود جماعة الإخوان في استاد القاهرة ليصيح بأعلى صوته: “لبيك يا سوريا.. لبيك يا سوريا”، وقبل أن يصل “رامي” لاصطحابي دقّ جرس هاتف غرفتي بالفندق: “لا ترافق رامي، بعد خطاب مرسي اليوم قد يكون أي مصري هدفًا للحزب”.

لم يأتِ “رامي”، وتوطّدت علاقتنا على مدار الأيام التالية، أشار لي أثناء مرافقتي له في سيارته إلى موقع إحدى السينمات في بيروت، كان يأتيها في طفولته ليختلس النظرات إلى بعض العروض السينمائية في أواخر السبعينيات، قبل أن تُحيلها الحرب الأهلية إلى أنقاض، عُدت إلى القاهرة وبقينا على اتصال، وبعد عامين جاءت الفرصة لرحلة جديدة إلى بيروت، كان “آدم” في انتظاري بالمطار، لكن السائق هذه المرة مختلف. سألته على الفور: أين رامي؟ فجاء جوابه هادئًا كأنما يحكي أمرًا متوقعًا: “رامي” مات في الحرب السورية، كان يقاتل في صفوف “حزب الله”.

قد يُهوّن سحر الطبيعة من مأساة اللبنانيين الذين يمرون بظروف اقتصادية طاحنة، لكنه أبدًا لم ينجح في محو آثار الطائفية البغيضة المذكاة بصراعات إقليمية، وأجندات سياسية طالما رأت في لبنان المكان المناسب للفعل ورد الفعل.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram