لبنان وفوز جو بايدن:

تأثير عادي في بلد يترقب مذْبح التسويات الإقليمية!

عشية الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت، بدا كل المشهد سورياليًّا في لبنان. اهتمام اللبنانيين بالانتخابات الرئاسية الأمريكية تجاوز اهتمام الأمريكيين أنفسهم.

عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّل الاهتمام من الهموم اللبنانية التقليدية والمستجدة، كسعر الصرف، ورفع الدعم، والودائع المحتجزة في المصارف، إلى بورصة الاستحقاق الرئاسي الأمريكي، وراحت الجيوش الإلكترونية، التابعة لهذا التيار أو ذاك، تروّج لمقاربتها الأمريكية، وانحيازاتها لواحد من المرشحين.

لم يكن الأمر مختلفًا في المستوى السياسي، فقد سعى البعض لضبط معضلة تشكيل الحكومة اللبنانية على إيقاع الساعة الانتخابية الأمريكية، فراح يستعد لإتمام تلك العملية المتعثرة قبل أن تقول صناديق التصويت كلمتها، أملاً بوقت مستقطع يمكن أن يمثل نافذة ضيقة لإنجاح المبادرة الفرنسية، أو بالأصح إعادة إحيائها من حالة الموت السريري التي ما زالت عالقة فيها، منذ أن فرضت فيه الولايات المتحدة عقوبات على وزيرين سابقين حليفين لـ”حزب الله”، هما علي حسن خليل (حركة “أمل” الشيعية) ويوسف فنيانوس (تيار “المردة” المسيحي).

لكي يكتمل المشهد سورياليةً، أتت إحدى أغرب المفارقات الانتخابية من “حزب الله”، فامتدادًا للموقف الإيراني، بدا “الحزبللّهيون” أكثر تفضيلاً لجو بايدن، من منطلق أنه أهون الشرّين، خوصًا في ما يتعلق بمقاربة الملف النووي الأمريكي وتبعاته، وذلك على نقيض حليفته سوريا، التي بدت أكثر تفضيلاً لدونالد ترامب، من منطلق إصراره على اتمام الانسحاب الأمريكي من سوريا والعراق، علاوةً على أن تجربته -مقارنةً بسلفه باراك أوباما- بدت أكثر مرونة تجاه النظام السوري، رغم الإجراءات المتعددة التي اُتخذت خلال عهد الرئيس الجمهوري، وآخرها “قانون قيصر”، مع التذكير بأنّ القانون المذكور هو تشريع ديمقراطي في الأصل.

بايدن
دلالات الاقتراع الأمريكي

لم تكد صناديق التصويت الأمريكية تقفل على صراع حاد، ما زال مستمرًا، على فرز الأصوات وإشكالياته بين المرشحين الجمهوري والديمقراطي، حتى أتت أولى دلائل ما بات يُصطلح على تسميته لبنانيًّا بـ”أسابيع الجحيم”، في إشارة إلى الفترة المتبقية لترامب قبل أن يسلم مفاتيح البيت الأبيض لسلفه، إذ فرضت وزارة الخزانة عقوبات على جبران باسيل، صهر الرئيس اللبناني وحامل شعلة “التيار الوطني الحر” الذي أسسه عون في تسعينات القرن الماضي.

ويمكن النظر إلى الإجراء الأخير باعتباره خطوة صغيرة للغاية في سلسلة من الترتيبات التي يفترض أن يتخذها الرئيس المنتهية ولايته، لتكبيل سلفه في الكثير من ملفات السياسة الخارجية الأمريكية، والتي سيكون لها تأثير معيّن في لبنان.

وعلى الرغم من أن لبنان لم يكن ضمن قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية إلا في محطات نادرة  -الصراع المسلح في البلاد عام 1958، وتفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983، والحرب الإسرائيلية عام 2006- يبالغ بعض اللبنانيين في التوقعات بشأن حدوث انعطافة جوهرية في السياسات الأمريكية تجاه بلدهم بين رئيس جمهوري ورئيس ديمقراطي، في ما ينم عن قصور في فهم طبيعة انتقال السلطة في الولايات المتحدة، البعيدة كل البعد عن الطابع “الانقلابي”، والتي تنطلق من مبدأ استمرارية الحكم، أو بمعنى آخر استمرارية الإستراتيجيات، وإن تغيّرت المقاربة لهذا الملف أو ذاك، تبعًا للتكتيكات السياسية والدبلوماسية التي تتخذها هذه الإدارة أو تلك.

ماكرون وعون

الغريب في الأمر أن هذه المبالغة تجد صداها في أوساط النخبة الحاكمة، فالرئيس اللبناني، على سبيل المثال، كان من أوائل القادة العرب الذين بعثوا برسالة تهنئة إلى الرئيس الأمريكي المُعلَن فوزه، مُضمِّنًا إياها تمنيات بـ”سياسة أكثر توازنًا” تجاه لبنان، في إشارة واضحة إلى لعنة العقوبات التي حلّت على صهره، الذي حاول بدوره أن يخفف من شأن الإجراءات الأمريكية المتخذة ضده، عبر الإيحاء بإمكانية رفعها عنه، في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة.

في المقابل يبدو “حزب الله” حذرًا في مقاربته لمستقبل السياسة الأمريكية تجاه لبنان، فخلافًا لسيل تعليقات المحللين المحسوبين عليه أو تدوينات وتغريدات اللجان الإلكترونية التابعة له، دعا أمينه العام حسن نصر الله إلى عدم تعليق آمال كبيرة على إدارة بايدن في ما يتعلق بملفات الشرق الأوسط، على اعتبار أن:

"الثابت الأول للإدارات الأمريكية المتعاقبة هو مصلحة إسرائيل"

في جردة حساب بسيطة للسياسات الأمريكية تجاه لبنان خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، يمكن استبعاد أي اختلاف بين المقاربة التي ستعتمدها إدارة جو بايدن وبين تلك التي اعتمدتها إدارة دونالد ترامب، وبالتالي فإنّ الرئيس الجديد لن يعمد بسهولة إلى تغيير السلاسة التي أرساها سلفه جذريًّا، لا بل سيبني على ما تحقّق خلال السنوات الأربع الماضية، ويستثمرها في السياسة الخارجية.

على هذا الأساس، يمكن توقع أن سيف العقوبات سيبقى مسلطًا على “حزب الله” من جهة، وعلى المسؤولين اللبنانيين المتورطين في الفساد من جهة ثانية.

ومن المعروف أن سياسات العقوبات على “حزب الله” بدأت في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، وكان جو بايدن حينذاك نائبه، وقد استكملت العقوبات في عهد ترامب، علاوة على أن كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري يعتبر تلك السياسة ناجحة.

أما في ما يخص العقوبات الأمريكية على المسؤولين اللبنانيين المتورطين في الفساد، فلا بد من التذكير بأنّ قانون ماغنيتسكي، الذي شكل الركيزة المعتمدة من وزارة الخزانة الأمريكية لفرض العقوبات على جبران باسيل مؤخرًا، هو تشريع حظي بموافقة الديمقراطيين والجمهوريين معًا، وبالتالي فإنّ وصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض لن يحول دون تنفيذه، لا بل إن جو بايدن نفسه حدّد إطارًا معينًا في هذه المسألة، وخص لبنان بالذكر، حين كتب في مجلة “فورين أفيرز” في مارس/ آذار الماضي:

انفجار بيروت

“من هونج كونج إلى السودان، ومن تشيلي إلى لبنان، يذكرنا المواطنون مرة أخرى بالتوق المشترك إلى الحكم الرشيد والبُغض العالمي للفساد”، متعهدًا بقيادة “الجهود الدولية لتحقيق الشفافية في النظام المالي العالمي، ومصادرة الأصول المسروقة وجعل الأمر أكثر صعوبة على القادة الذين يسرقون من مواطنيهم ويختبئون خلف شركات واجهة مجهولة”.

ثمة ملف لبناني آخر من غير المحتمل أن تتبدّل المقاربة الأمريكية تجاهه بين إدارتي ترامب وبايدن، وهو مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، فهذا المسار بدأ أصلاً في عهد باراك أوباما، والمرجعية الأساسية التي اعتمدتها إدارة ترامب في هذه القضية مستمدة في الأساس من الوساطة التي أطلقتها إدارة سلفه، والمعروفة إعلاميًّا بتسمية “خط هوف”، نسبة إلى المبعوث الرئاسي الأمريكي فريديرك هوف.

ومن الثابت أن التفاوض على ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل هو نهج متفق عليه بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، خصوصًا أنه يصب في مصلحة إسرائيل، ولهذا فمن المتوقع أن تبنى الإدارة الأميركية الجديدة على ما انتهت إليه الإدارة الراحلة في محاولة للوصول إلى اتفاق، ما لم يطرأ أيّ متغيّر يعيد الأمور إلى النقطة الصفر، والمقصود بذلك المتغيّر اللبناني، لا الأمريكي، أو بعبارة أصحّ أية عرقلة من جانب “حزب الله”، وهو أمر قد يجعل عقوبات إدارة بايدن أكثر حدّة من سابقاتها، خصوصًا وأن ثمة إجماعًا أمريكيًّا على أن الترسيم يمثل نقطة نجاح في السياسة الخارجية الأمريكية.

بالإضافة إلى ما سبق، ليست ثمة مؤشرات على أن الأزمة الاقتصادية في لبنان ستتأثر إيجابًا بقدوم إدارة أمريكية جديدة، خصوصًا وأن أسباب ما وصلت إليه البلاد على هذا الصعيد هي محلية بحتة، وتعود بالأساس لسياسات متجذّرة على مدار عقود من الإدارة الخاطئة للاقتصاد والاختلال المالي والفساد المستشري، وهو ما تكشّف على نحو غير مسبوق منذ انتفاضة السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019، ومن ثم في انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/ آب عام 2020، والذي عرّى المنظومة الحاكمة في البلاد تمامًا.

حسن نصر الله
أجندة إصلاح؟

من هنا، فإنّ السياسة الأمريكية تجاه لبنان لن تخرج عن الإطار المحدد مسبقًا، والذي بات موضع إجماع دولي، والمتمثل في ضرورة استجابة الطبقة الحاكمة للمطالبات المتصلة بتحقيق أجندة الإصلاح.

ومع ذلك، فإنّ إدارة بايدن يمكن أن تشكل فرصة لن تكون ذات أهمية ما لم تُحسن القوى السياسية التقاطها، وتتمثل في الدعم الذي يمكن أن يحظى به سعد الحريري أمريكيًّا لتشكيل حكومته، وخصوصًا إذا ما سارت الإدارة الجديدة على نهج الفرنسيين، لجهة عدم وضع فيتو على تمثيل “حزب الله” –بصفته مكوّنًا سياسيًّا وازنًا– في التشكيلة الحكومية الجديدة، بخلاف ما كانت عليه الحال في عهد دونالد ترامب.

كل ما سبق، يشي بأنّ المتغيّرات الإيجابية التي يمكن أن ينتظرها لبنان في عهد بايدن تبقى ضئيلة، إذا ما قورنت بمستوى الآمال والتوقعات التي سادت في البلاد منذ لحظة الإعلان عن فوز بايدن.

مع ذلك، فإنّ لبنان يمكن أن يلمس متغيّرات ذات أهمية أكبر، ولكنها متغيّرات بالتبعية وليست بالمباشر، بمعنى أن تبدُّل المقاربة الأمريكية في عهد جو بايدن تجاه إيران قد تنسحب بنحو أو بآخر على لبنان، الذي تحوّل منذ سنوات إلى بؤرة رئيسة للأنشطة الإيرانية في الشرق الأوسط، من بوابة وجود وكيل للجمهورية الإسلامية يتمثل في “حزب الله”.

القوى السياسية في لبنان
أشهر أولى رمادية

غير أن الحذر يبقى واجبًا عند التطرق إلى المقاربة الأمريكية الجديدة تجاه إيران، فعلى الرغم من أن جو بايدن يميل إلى درجة أو أخرى في التخلص من نهج “الضغوط القصوى” وسياسة “حافة الهاوية” لإجبار إيران على تقديم تنازلات، إلا أن تعاطيه مع ايران لن يكون بالمرونة ذاتها التي سادت في عهد باراك أوباما، خصوصًا أن في الولايات المتحدة من يعتقد أنّ ترامب نفسه لم يكن ليذهب إلى خطوات تصعيدية في ما يتصل بالاتفاق النووي ما لم يكن داخل المنظومة الحاكمة الأمريكية (الإستابلشمنت) إجماع على أن ثمة حاجة إلى تصحيح الأخطاء التي انطوت عليها تسوية فيينا النووية.

وعلى هذا الأساس، فإنّ جو بايدن، وخلال الأشهر الأولى من ولايته الرئاسية على الأقل، سيسير ضمن المنطقة الرمادية التي حافظ عليها ترامب خلال العام الأخير من ولايته، والمتمثلة في استبعاد التصعيد المباشر مع إيران، في مقابل الاستمرار في نهج العقوبات والحرب السرية، بانتظار أن تبلور الإدارة الجديدة سياسة أكثر وضوحًا، في ضوء عوامل كثيرة، من بينها الإجراءات والقرارات التي سيكبّله بها دونالد ترامب بحلول العشرين من يناير/ كانون الثاني المقبل، وهو ما يعزز المخاوف اللبنانية من احتمال أن يقدم بلدهم ضحية على مذبح الصراعات التي يمكن أن تنشأ أو التسويات التي تنتهي إليها آفاق الصراع الإيراني-الأمريكي، الذي يبقى لبنان في عين عواصفه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

وسام متى

صحفي لبناني

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram