زوايامختارات

لبيك يا “فريدمان”.. “حزب الله” حامي نيوليبرالية لبنان

 

عادةً ما يُنظَر إلى الحركات الأصولية الدينية باعتبارها عناصر متحجرة من الماضي، ولكن رغم أنها قد تستخدم رموزًا وروايات من حقب سابقة، فإن الحركات الأصولية حية وديناميكية وتُمثل الاتجاهات المعاصرة الرئيسة، وبالتالي يجب وضعها في السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي للفترة المعاصرة والبيئة التي نشأت فيها.

في هذا الإطار، أعد جوزيف ضاهر، الأستاذ بكلية العلوم الاجتماعية والسياسية بجامعة لوزان، ورقة بحثية بعنوان “حزب الله والنيوليبرالية والاقتصاد السياسي”، طرح فيها “قصة” تاريخية ومادية لحزب الله، بهدف فهم وشرح السياسات الاقتصادية للحزب في أثناء وجوده في الحكومة، مُركزًا بنحو خاص على الاقتصاد السياسي للحزب.

نقدم في هذا المقال عرضًا لهذه الدراسة المهمة.

الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله

برجوازية “حزب الله” تدفعه نحو السياسات النيوليبرالية

تبنت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990) السياسات النيوليبرالية مثل خصخصة الخدمات والأنشطة الحكومية، وتحرير الأسواق، وخفض الإنفاق الاجتماعي. ولم يخرج “حزب الله” عن هذا الإجماع السياسي في دعمه لهذه الإجراءات، وكانوا مخلصين لتعليمات ميلتون فريدمان، الأب الروحي للسياسات النيوليبرالية. ويعود قبول حزب الله ومشاركته في ترسيخ الديناميات النيوليبرالية في الاقتصاد اللبناني -خاصة منذ عام 2005 بعد دخوله في جميع الحكومات الائتلافية اللبنانية- إلى توسع الحزب كـ”حزب جماهيري” بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.

بحلول ذلك الوقت، لم يعد الحزب يتألف بنحو أساسي من رجال الدين الراديكاليين الشباب والأفراد الذين أرادوا إنشاء نظام سياسي على النمط الإيراني، بل باتت القاعدة الشعبية للحزب تتضمن بنحو متزايد البرجوازية الشيعية المتنامية والطبقات الوسطى. على سبيل المثال، في الضاحية الجنوبية لبيروت (معقل حزب الله) انضم العديد من العائلات الثرية وقطاعات كبيرة من تجار التجزئة إلى الحزب.

منذ بداية الفترة النيوليبرالية وحتى يومنا هذا، عزّز حزب الله روابطه بالبرجوازية الشيعية في لبنان، خصوصًا في القطاعات الرئيسة للبناء والعقارات والخدمات والتجارة، وفي الشتات، حيث تنشط “وحدة العلاقات الخارجية” للحزب في إقامة وتطوير العلاقات وجمع التبرعات من الشيعة اللبنانيين في مختلف أنحاء العالم.

تمكن رؤية الاندماج المتزايد في ما بين حزب الله والرأسماليين الشيعة اللبنانيين في لبنان وفي الشتات، من خلال عدد رجال الأعمال الذين عاقبتهم وزارة الخزانة الأمريكية.

في هذه القائمة، يمكن العثور على العديد من الأسماء مثل: أدهم طباجة (الرئيس التنفيذي لمجموعة إنماء، شركة عقارية)، وقاسم حجيج (الرئيس التنفيذي السابق لبنك الشرق الأوسط وإفريقيا)، وعلي تاج الدين (الرئيس التنفيذي لشركة تاجكو العقارية)، وحسين علي فاعور (صاحب شركة Car Care center)، وعلي يوسف شرارة (الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة Spectrum Investment Holding Group SAL)؛ ومصطفى فواز وفوزي فواز (مقيمان في نيجيريا)، وغيرهم.

شعار حزب الله

يعترف قادة حزب الله بوجود شكل من أشكال البرجوازية بين أعضائه وكوادره.. عضو مجلس النواب اللبناني عن حزب الله، علي فياض، سبق أن أكد هذا في 2010، عندما أشار إلى أن “حزب الله لم يعد حزبًا صغيرًا، إنه مجتمع بكامله. إنه حزب الفقراء، نعم، لكن في نفس الوقت يوجد الكثير من رجال الأعمال في الحزب، لدينا الكثير من الأثرياء، بعضهم من طبقة النخبة”، كما قدم زعيم حزب الله، حسن نصر الله، تأكيدًا غير مباشر على وجود مثل هذه البرجوازية في خطاب ألقاه في سبتمبر/ أيلول 2009، حث فيه الأعضاء على التخلي عن “حب الترف”، ودعاهم إلى تبني الإيمان بالله لمجرد “الخوف من الآخرة”.

لم تجد دعوة “نصر الله” آذانًا صاغية، فحياة الترف التي يعيشها بعض المنتسبين إلى الحزب لا تزال قائمة، أو على الأقل يشعر بها بعض السكان في الضاحية الجنوبية لبيروت. يقول مقاتل سابق في “حزب الله”، خدم كجندي في سوريا ثم ترك الحزب بعد إصابته، في حوار صحفي عام 2016، إن التفاوتات الصارخة في مستويات المعيشة في الضاحية الجنوبية تثير استياءً خطيرًا بين الناس، إن “معظم الشباب في الضاحية لا يملكون سيارات أو وسيلة ملائمة للوصول إلى وسائل النقل العام، في حين يقود معظم أبناء مسؤولي حزب الله سيارات جديدة باهظة الثمن.. نحن نرى هذا كل يوم. منازلهم، سياراتهم، ملابسهم، إلخ… كلها في وجوهنا في كل مرة نخرج فيها”.

حزب الله.. حامي النظام الطائفي والنيوليبرالية

أثرت هذه التغيرات بالقاعدة الاجتماعية لحزب الله في موقفه السياسي تجاه الدولة اللبنانية الطائفية والنيوليبرالية، فتبنى “حزب الله” موقفًا معارضًا، أو مشبوهًا على أقل تقدير، تجاه أي تعبئة شعبية من خارج البرلمان تتحدى النظام السياسي اللبناني، الذي يحافظ على السياسات الاقتصادية النيوليبرالية ويعززها.

في أوائل عام 2011، في أعقاب الانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط، اندلعت احتجاجات في لبنان أيضًا، داعية لإنهاء النظام الطائفي، وحذر “حزب الله” وقوى سياسية أخرى أعضاءهم من أي مشاركة في مثل هذه الاحتجاجات.

مثال آخر على رفض “حزب الله” للطعن في النظام السياسي الطائفي اللبناني كان في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، عندما اندلعت حركة احتجاجية ضد اقتراح حكومي بفرض ضريبة على المكالمات الصوتية المتبادلة، عبر خدمات المراسلة النصية مثل “واتساب”، قبل أن يرتفع سقف الاحتجاجات للمطالبة بالتخلص من الطبقة السياسية “الفاسدة” في لبنان.

أنصار حزب الله

حاول “حزب الله” إيجاد حلول للأزمة في إطار النظام اللبناني الطائفي والنيوليبرالي، في حين أنه شجب سيطرة قوى خارجية على المتظاهرين، ومارَس التهديد والعنف لتخويف المحتجين. علاوة على ذلك، رأى حزب الله هذه التحركات الشعبية في لبنان، وكذلك تلك التي حدثت في نفس الفترة في العراق وإيران، على أنها خطة إقليمية لتحدي نفوذ طهران وحلفائها، وبالتالي كان هدفه الأساسي إنهاء الاحتجاجات في لبنان، حيث دعا “نصر الله”، في خطاب ألقاه منتصف فبراير/ شباط 2020، جميع الأحزاب السياسية اللبنانية لدعم الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء حسان دياب، والتوصل إلى شكل من أشكال التوافق حول القرارات المالية والاقتصادية، كما أيد حزب الله بوضوح في مايو/ أيار 2020 قرار الحكومة اللبنانية بطلب المساعدة المالية من صندوق النقد الدولي، لكنه حذر من أن الشروط يجب التفاوض عليها بعناية.

ظل وجود “حزب الله” في هيكل الدولة يتصاعد باستمرار منذ أكثر من عقدين من الزمن، ما يعكس قبوله بالنظام السياسي الطائفي القاسم، وانعكس هذا القبول في “الوثيقة السياسية” للحزب في عام 2009. فعلى الرغم من تأكيده على موقف “بيانه التأسيسي” عام 1985، من أن الطائفية السياسية كانت مشكلة رئيسة “تعيق الإصلاح والتنمية في لبنان”، فإنه أرجأ -في وثيقة 2009- أي حديث عن تغيير النظام حتى تاريخ مستقبلي غير محدد، مُعتبرًا أن “الديمقراطية المتجانسة” -وهو مصطلح يُستخدم لوصف النظام الطائفي- ستبقى “الأساس الأساسي للحكم في لبنان”.

هكذا، لم يحاول “حزب الله” تحدي النظام السياسي الطائفي، بل سعى لنفوذ ومكانة أكبر فيه، وبالتالي ترسيخه، وبالمثل فإن اندماجه في هذا النظام كفصيل سياسي مرتبط بالبرجوازية الطائفية يدل على موافقته ودعمه لإطار الاقتصاد السياسي الحالي، وبالتالي النيوليبرالية.

ومن هذا المنظور، فقد عمّق تعاونه السياسي مع الأحزاب السياسية البرجوازية الطائفية الأخرى مثل حزب التيار الوطني الحر، الذي يهيمن عليه المسيحيون المارونيون، وحافظ على تحالفه الوثيق مع حركة أمل.

القوة العسكرية لحزب الله

الليبرالية الدينية الجديدة

اعتاد آية الله الخميني، المصدر الأيديولوجي الرئيس لحزب الله، أن يجادل بأن العمال لا ينبغي أن يُطالبوا بأكثر مما توفره لهم البرجوازية، والتي بدورها مُحمَّلة بواجب العمل الخيري تجاه الفقراء، كما نظر إلى الصراع الطبقي بنظرة سلبية لأنه يُقسِّم الأمة، وظل ثابتًا في دفاعه عن الملكية الخاصة طوال مسيرته السياسية.

على نفس المنوال، أعلن حزب الله عمومًا عن اهتمامه الخطابي بالعدالة الاجتماعية، والتي يجب أن تتحقق من خلال الوسائل الخيرية، مع الدفاع عن مبادئ السوق والتحرير الاقتصادي، تماشيًا مع اعتقاده بأن الصدقات -وليست إعادة التوزيع من خلال الدولة- هي السبيل للاستجابة لمطالب الفقراء.

نجح حزب الله في تحقيق موقع الهيمنة بين السكان الشيعة في لبنان، من خلال تقديمه للخدمات التي يحتاج إليها بشدة عدد كبير من السكان. يهدف جزء كبير من الدعم المالي الذي يقدمه الحزب إلى دعم السكان الشيعة الأكثر ضعفًا وفقرًا، وتقع جمعيات حزب الله الخيرية في الغالب في مناطق منخفضة الدخل، ويقع أكثر من نصف مؤسسات الحزب في مجتمعات يُشكَّل الشيعة فيها أكثر من 98%، في حين أن الحزب عامة أقل حرصًا على إنشاء جمعيات في مناطق مختلطة.

حزب الله، مثله مثل الحركات الدينية الأصولية والمحافظة الأخرى في أجزاء أخرى من العالم، دعّم السياسات النيوليبرالية، في حين دعا لزيادة العمل الخيري، ما دفع بعض العلماء للحديث عن “تحالف سلس بين النيوليبراليين والأصوليين الدينيين”، والذي يمكن تمييزه باسم “الليبرالية الدينية الجديدة”.

لم يعتبر حزب الله أن دعم سياسات الخصخصة وتحرير السوق والاستثمارات الأجنبية في لبنان يتعارض مع حرصه على معالجة الفقر وعدم المساواة. من منظور تعزيز الموقف السياسي للحزب والشبكات الزبائنية، عبّر حزب الله عن معارضة خطابية محدودة لسياسات معينة وتداعياتها، لكنه لم يدافع عن أي معارضة ثابتة أو مبدئية للمسار العام للإصلاح النيوليبرالي في لبنان.

في عام 2003، على سبيل المثال، لم يعارض حزب الله عملية خصخصة شركة الطيران اللبنانية (طيران الشرق الأوسط MEA)، والتي أدت إلى تسريح عدة مئات من الموظفين الشيعة. وصرّح علي طاهر ياسين، رئيس نقابة الوفاء المرتبطة بحزب الله، والذي شارك في المناقشات حول تسريح العمال كممثل لهم، بأن عملية الخصخصة المُطبَّقة لم تكن بالضرورة ضد مصالح العمال أو السكان على نطاق أوسع.

في الانتخابات التشريعية في مايو/ أيار 2018، وعلى الرغم من الحملة التي شدد فيها حزب الله على التنمية الاجتماعية والاقتصادية ومحاربة الفساد، دعا هذا البرنامج نفسه لضبط وترشيد الإنفاق على الوضع المالي العام للدولة، ولتعميق الخصخصة في قطاع الكهرباء والاتصالات.

سياسات حزب الله الاقتصادية

سياسات حزب الله الاقتصادية في الحكومة

استمر “حزب الله” وحتى يومنا هذا في تقديم نفسه على أنه “حزب المظلومين”، متبنيًا خطاب ومفردات الخميني والمسؤولين في إيران، ومنتقدًا ما أسماه “الرأسمالية المتوحشة”. ومع ذلك، فإن سياساته لم تتخذ سبيل التحدي قط للنظام الاقتصادي النيوليبرالي اللبناني، في حين أن فكرة “المظلومين” يجب ألا تُفهم على أنها فئة اقتصادية تصف الجماهير المحرومة، بل يجب أن تُفهم بدلاً من ذلك على أنها تسمية سياسية لمؤيدي الحزب، بما في ذلك الطبقات الاجتماعية المختلفة.

منذ انخراط “حزب الله” في الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ عام 2005 فصاعدًا، لم تُخصَّص أموال إضافية لقطاعات مثل التعليم والصحة أو القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد مثل الزراعة والصناعة. ميزانية وزارة الزراعة، التي ينصب نحو 97% منها على الإدارة والتنظيم وصيانة المباني والمعدات وشراء الأثاث والمعدات الجديدة، لا تتجاوز 1% من الإنفاق الحكومي.

دعّم الحزب عمليات الخصخصة التدريجية لبعض الخدمات العامة الرئيسة، بما في ذلك “شركة كهرباء لبنان” الحكومية، وقد شارك وزير حزب الله محمد فنيش، كوزير للطاقة والمياه بين يوليو/ تموز 2005 ونوفمبر/ تشرين الثاني 2006، في عملية خصخصة شركة كهرباء لبنان. وشجّع فنيش على الخصخصة الكاملة لإنتاج الكهرباء، بحجة أن التجربة أثبتت أن “الدولة تاجر فاشل”، مضيفًا أن “الحكومة لا ينبغي أن تشارك في أي نشاط تجاري”.

دافع “حزب الله” عن التخفيضات الضريبية على الأرباح على جميع الصناعات لتعزيز القطاع الصناعي. وأعلن وزير حزب الله حسين الحاج حسن، وزير الصناعة المعين في يناير/ كانون الثاني 2017، أن تعزيز المزايا الضريبية الممنوحة للقطاع الصناعي ستكون من أولويات ولايته الجديدة.

وفي أوائل عام 2018، أصر الحاج حسن في عدة مناسبات على ضرورة قيام الحكومة بوضع رؤية اقتصادية عالمية لهيكلة أنشطتها الاقتصادية بهدف تحفيز النمو وتوسيع حجم الاقتصاد، وبناءً عليه، عهدت الحكومة اللبنانية، بموافقة حزب الله، إلى شركة الاستشارات McKinsey & Company، المعروفة بدعمها للسياسات والإصلاحات النيوليبرالية، بوضع إستراتيجية جديدة لـ”إعادة هيكلة” الاقتصاد اللبناني.

بلدية الغبيري – لبنان

كذلك، أظهرت سيطرة “حزب الله” على البلديات -التي تتمتع باستقلالية كبيرة عندما يتعلق الأمر بالتخطيط والإسكان- التزامه بمنطق اقتصادي نيوليبرالي.

كانت بلدية الغبيري، التي يسيطر “حزب الله” على مجلسها، مثالاً لسياسات الحزب على المستوى المحلي، وفيها التزم الحزب بسياسة إعادة الهيكلة الحضرية، من حيث إعطاء الأولوية للملكية الفردية الخاصة للعقارات وتهميش السكان الحاليين، وخصخصة الأماكن العامة.

وكان من نتائج هذه السياسة، الاستقطاب المتزايد للثروة والتفاوتات الاجتماعية المتزايدة في البلدية. من ناحية، يمكن العثور على العديد من الفنادق والتطورات باهظة الثمن، بما في ذلك BHV-Monoprix وMariott وSummerland، ومن ناحية أخرى، تعيش أعداد كبيرة من السكان الفقراء في عشوائيات.

لقد دأبت بلدية الغبيري -كنموذج مصغر لسياسات حزب الله- على استهداف وتدمير التجمعات العشوائية بنحو متزايد، من أجل الحفاظ على “مصالح المجتمع”، وهو ما أدى إلى حدوث مقاومة وحتى تمردات شعبية صغيرة في بعض الأحيان.

 

كريم أسعد

كاتب صحفي وباحث مهتم بالحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى