زوايامختارات

لسع الخلايا حلو.. عسل النحل.. أيقونة اللاهوت والتاريخ

 

من المستحيل أن نتخيل الحياة بلا مذاقٍ حُلو، خاصةً أنَّ اشتهاء الطعم الحُلو طبع غريزي للبشر، وبالتالي، فإن السعي وراء معانقة المذاق الحلو سعي قديم قدم الإنسان بنحو خاص، ومنذ العصور القديمة تفرغ الناس لاستهلاك أطعمة مثل العنب أو التين أو التمر أو الخروب، كما يشير العهد القديم أيضًا إلى مادة أخرى للتحلية غريبة وأسطورية، وهي المَنّ، مادة تساقطت من السماء على هيئة مطر خلال ليالي بني إسرائيل الباردة في الصحراء.

مخطوطة جمع المَنّ الساقط من السماء 1244-1254، مكتبة مورجان، نيويورك

لكن ماذا نعرف عن العسل؟ لقد ظهر النحل على الأرض قبل 80 مليون عام، وأكثر السلالات إنتاجية وقابلية للاستئناس بينها هي أبيس ميليفيرا أو ميليفيكا، والتي يبلغ عمرها 5 ملايين عام فقط.

من المحتمل أن البشر جمعوا العسل بنفس الطريقة التي اتبعها أسلافهم الأوائل، لكن التمثُّلات الأولى للتفاعل بين البشر والنحل ظهرت في جداريات الكهوف في إسبانيا والهند وإفريقيا ويعود تاريخها إلى نحو 8000 عام قبل الميلاد.. تُظهر الجداريات أشخاصًا يجمعون العسل البري من أعشاش معلقة على فروع الأشجار وليس من خلايا النحل، وتوضح بعض هذه الجداريات عملية تدخين قفير النحل، وهي تقنية تستهدف تثبيط المركبات الكيميائية التي تسمى الفيرومونات، والتي يستخدمها النحل كتقنية دفاعية لحراسة الخلية، لوقاية الإنسان من لسعات النحل.

لوحة صخرية لعملية جمع العسل تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، كهف أرانا، إسبانيا، 8000 قبل الميلاد

بعد اكتشاف هذه المادة الرائعة تراكمت الجهود من أجل عملية “استئناسها”، وهي واحدة من أهم التطورات في أسلوب الحياة الزراعية الريفية: توطين النحل داخل الأواني، أي تربية النحل. وبحسب الأدلة الأيقونية، حدث هذا الابتكار المهم للمرة الأولى في مصر في مكان ما قبل نحو 2500 عام قبل الميلاد.

تُظهر النقوش التصويرية في مقابر رجال الدولة أواني فخارية أسطوانية موضوعة بشكل أفقي تحتوي على قفائر النحل، وتوضح كيفية جمع العسل وتخزينه.

طوّر قدماء المصريين تربية النحل كعملية إنتاج واسعة النطاق ونوعوا استخدامات منتجات النحل، إذ لم يقتصر استخدام العسل على الطعام والخبز وصنع المشروبات، بل استخدموه في الطب والصيدلة، بما في ذلك مداواة الجروح والأمراض المختلفة، وفي عمليات التحنيط، وفي المنتجات التجميلية مثل العطور، ومن أشهر الأمثلة في هذا الصدد حمام كليوباترا من الحليب والعسل.

نحّال مصري قديم يجمع العسل، مقبرة باباسا، القرنين السادس والسابع قبل الميلاد

بعد ذلك، انتشرت عملية تربية النحل في بلاد ما بين النهرين وأوروبا والصين والهند. وقد كشفت الحفريات التي تمت في تل رحوف شمال إسرائيل، والتي يعود تاريخها إلى منتصف القرن العاشر قبل الميلاد، عن بقايا منحل ضخم يتكون من 180 خلية نحل، على الأقل، أسطوانية الشكل وموضوعة أفقيًّا مصنوعة من الطين المجفف بواسطة الشمس. ويقدم هذا الاكتشاف صلة ملموسة بآية العهد القديم عن أرض الميعاد التي “تفيض لبنًا وعسلاً” (سفر الخروج 17:3).

جزء من منحل تل رحوف، القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد

لكن العسل مذكور أيضًا في نصوص دينية أخرى، مثل الفيدا والتلمود والعهد الجديد والقرآن. على سبيل المثال، كان يُطلق على الآلهة الهندوسية الفيشنوية، كريشنا وإندرا، اسم مادهافا، المولودون من الرحيق، وكان يرمز إليهم بالنحل. وفي القرآن، تسمى السورة 16 بسورة “النحل” وتوصي البشر بمحاكاة سلوك النحل، بالإضافة إلى قيمته الغذائية المعروفة، أصبح العسل رمزًا روحيًّا وميتافيزيقيًّا، وهو ما أثّر في الوعي الجمعي للعديد من التقاليد.

في اليونان القديمة، كانت أثينا أشهر مراكز إنتاج عسل الزعتر، وهو من أجود أنواع العسل، فقد عُثِر على خلايا نحل يرجع تاريخها إلى منتصف القرن السادس قبل الميلاد في وسط المدينة، وكذلك في ضواحيها، حتى إن قدماء الكتاب نسبوا الصفات الخارقة للطبيعة إلى العسل الإغريقي، معتقدين أنه يطيل العمر، وقد ادعى الفلاسفة أمثال فيثاغورس وديموقريطوس -وكلاهما عمّر طويلاً حتى 90 عاما تقريبًا- أن حياتهم صحّت بسبب تناول العسل.

وللمرة الأولى أصبح العسل أيضًا موضوعًا لبحث علمي للفيلسوف اليوناني أرسطو، أول مربي نحل علمي، في كتابه “تاريخ الحيوانات”، كما تحدث الطبيب أبقراط عن الفوائد الصحية للعسل، ونصح باستخدام الخل والعسل لعلاج الألم، والماء والعسل للظمأ، ومزيج من العسل والماء ومواد أخرى لعلاج الحمّى، وأوصى أبقراط باستخدام العسل لعلاج الكثير من الحالات الأخرى، بما في ذلك الصلع، ومنع الحمل، والجروح، ورمد العيون، وغيرهم الكثير. كما اضطلع كلٌّ من العسل والنحل بدور مركزيّ في الأساطير اليونانية القديمة، كرموز للطهارة والإحياء والخصوبة.

تعاطى الرومان مع عملية تربية النحل على نطاق واسع ونظموها من حيث فرض الضرائب وتحقيق مستويات عالية من الجودة والتنوع والكفاءة. وخضعت سلالات النحل وممارسات تربية النحل إلى دراسات دقيقة من قبل الكتاب الزراعيين الرومان مثل فيرجيل وفارو وكولوميلا وبليني الأكبر.

وقد فصّل الطبيب ديسقوريدوس صفات وخصائص أجود أنواع العسل، ووصفها بأنها حلوة المذاق ونفاذة الرائحة وذات لون مائل للاصفرار وليست سائلة ولكنها “لزجة” وجميلة.

عُثِر أيضًا على وصفات تحتوي على العسل في مجموعة وصفات الطبخ الرومانية “أبيشيوس” المنسوبة خطأً إلى ماركوس غافيوس أبيشيوس (القرن الأول الميلادي).

وتشمل هذه الوصفات استخدام العسل كمادة لتحضير المشروبات، وكمادة حافظة للحوم والفواكه، وكأحد مكونات أنواع الصوص، إلى جانب الخل، كما يدخل العسل في أطباق كعك السوفليه وحلويات الفاكهة والبانكيك وشرائح اللحم والتونة.

بحلول نهاية العصور القديمة الكلاسيكية وفي أثناء انتشار الديانة المسيحية، باتت عملية جمع العسل وإدارته صناعات منظمة تمامًا، وسعى منتجو العسل في حوض البحر الأبيض المتوسط ​​إلى تطوير آليات لزيادة الكميات المراد جمعها وتحسين جودة العسل، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، جرى اعتماد ممارسات بسيطة ولكنها فعالة، مثل تربية النحل على الطريقة البدوية، حيث يقوم منتجو النحل بالتنقل بخلايا النحل من مكان إلى آخر للاستفادة من رحيق النباتات الموسمية المختلفة.

ثمّة طريقة أخرى لتحسين الجودة وهي الابتكارات التقنية، التي ربما كان تطبيقها أول مرة على أيدي منتجي النحل في أتيكا القديمة، وهي خلايا النحل الرأسية بدلاً من الخلايا الأفقية، والحلقات الدائرية التي توجد على مدخل الخلايا الأفقية.

ارتبط استخدام هذه الخلايا بإنتاج نوع شهير من نوع العسل يسمى عسل أكابنيستون (غير المدخن)، والذي يُجمع دون استخدام الدخان حفاظًا على طعمه ورائحته، وبسبب هذه التقنية الصعبة في تربية النحل، نادرًا ما كان يُستهلَك العسل غير المدخن من قبل معظم السكان.

رسم مخطط لقفير نحل يوناني قديم ذي حلقات دائرية

بعد تأسيس المسيحية، استخدم العسل بطرق متعددة وأصبح مُحمَّلا بمفاهيم لاهوتية وميتافيزيقية مختلفة. على سبيل المثال، عاش يوحنا المعمدان في البرية على طعام من الجراد الصحراوي والعسل البري، في حين أكل يسوع شهد عسل وسمكًا بعد قيامته.

استمرت عملية تربية النحل في التطور، خاصة في بيزنطة والغرب في العصور الوسطى، حتى اكتشاف السكر و”هيمنته” النهائية كمادة للتحلية، لكن هذه المادة الرائعة تظل جزءًا من نظامنا الغذائي اليوم، ورمزًا لحيوية ورقة السجية.

 

المصدر
ASOR

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى