سياسة

“لعبة السد”.. لماذا رفضت إثيوبيا “المبادرة الرباعية”؟

شهد ملف “سد النهضة” الإثيوبي تعقيدا جديدا، بإعلان أديس أبابا رفضها لمقترح “المبادرة الرباعية”، الذي تقدمت بها الخرطوم ودعمته القاهرة، وهو المقترح الساعي لكسر حالة الانسداد من خلال تطوير آلية التفاوض التي يرعاها الاتحاد الإفريقي، ودعمها بتشكيل رباعية دولية تقودها وتسيرها جمهورية الكونغو الديمقراطية بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي.

وينص المقترح السوداني على أن تشكل الرباعية كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، علاوة على الاتحاد الإفريقي، للتوسط في المفاوضات بغرض تجاوز حالة الانسداد القائمة.

سد النهضة

ما بعد الرفض الإثيوبي

ورغم القبول المبدئي للأطراف المعنية بالرباعية (الوسطاء ودولتي المصب) فقد أعلن المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، في مؤتمر صحفي، رفض بلاده للمقترح، وقال: “أبلغنا الوفد الكونغولي بشأن موقفنا الرافض للوساطة الرباعية وتمسكنا بالوساطة الإفريقية”.

وبررت الخارجية الإثيوبية موقفها الرافض لتفعيل المفاوضات عبر المبادرة الرباعية بالقول: “لا يمكن أن يتم إقحام أطراف أخرى في مفاوضات سد النهضة في ظل قيام وساطة إفريقية يجب أن تُحترم وإعطاؤها فرصة للنجاح”.

وهو التبرير الذي يفتقد إلى تفسير موضوعي، سيما وأن من قدم المقترح للقيادة الإثيوبية لم يكن سوى الطرف الكونغولي الذي يترأس الاتحاد الإفريقي، وبالتالي فإن الاعتداد بذريعة عدم إقحام أطراف أخرى للمبادرة القائمة يفتقر إلى أي مبررات منطقية، في ظل فشل الاتحاد الإفريقي في إعادة إطلاق المفاوضات، فضلا عن عدم ممانعته لانضمام أطراف دولية وازنة للمبادرة بغرض تفعيلها، وضمان وصولها لغايتها المرجوة.

ولم يقدم الطرف الإثيوبي، حتى اللحظة، بدائل أخرى، عدا التمسك بالمبادرة الإفريقية المُتعثرة في ظل حالة تضارب الإرادات، حيث تطالب كل من السودان ومصر، بضرورة الوصول لاتفاق ملزم قبل الشروع في المرحلة التالية من تعبئة الخزان، فيما تصر أديس أبابا على التفاوض حول الجوانب الفنية دون أن تضطر إلى توقيع اتفاقيات ملزمة مع دولتي المصب، كما لم تتوان القيادة الإثيوبية عن إعلان نيتها في المضي قدما، بشكل أحادي، في تدابير ملء الخزان في شهر يوليو المقبل.

أبي أحمد

أسباب الرفض الإثيوبي ومآلاته

ثمة أسئلة كثيرة تدور حول دواعي إصرار الطرف الإثيوبي، بقيادة أبي أحمد، في ملف السد، بحثا عن الأسباب الحقيقية لهذا التعنت، ومدى قدرة أديس أبابا -التي تواجه أزمات داخلية وخارجية عدة- في ترجمة تلك التعهدات المتعلقة بالتدابير الأحادية لملء الخزان، بعيدا عن المطالبات الدولية والإقليمية بضرورة الوصول لاتفاقيات ملزمة.

ولا يمكن فهم مبررات الموقف الرسمي الإثيوبي، دون استحضار الظروف السياسية الداخلية، والتجاذبات ذات الطابع القومي، والتي تصاعدت وتيرتها خلال السنوات الثلاث الماضية.

ولعل التصعيد في ملف “النهضة” خارجيا، يمثل عاملا مهما، للتسويق السياسي داخليا، وهنا ينبغي العودة لتصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، عقب وصوله لسدة الحكم، حيث اتهم الحكومات المتعاقبة في أديس أبابا، بتحويل “ملف النهضة” إلى كارت سياسي أكثر منه مشروع تنموي يخدم إثيوبيا وجيرانها.

ذلك التصريح الذي أدلى به أبي أحمد، واعدا بتبني سياسة جديدة، لم يصمد طويلا أمام تصاعد الأزمات والتجاذبات الداخلية، سيما تلك القادمة من الأحزاب الأورومية المعارضة، التي لم تنفك عن اتهام إدارته بالتفريط في مكتسبات السد، خاصة بعد دخول الولايات المتحدة والبنك الدولي في خط المفاوضات.

ودفع ذلك أبي أحمد إلى الانسحاب من مسار واشنطن، والمزايدة على خصومه السياسيين، عبر ملف سد النهضة، مؤكدا أنه لن “يخضع لابتزاز المجتمع الدولي، بشأن السد”، حسب زعمه، وبذلك عادت إدارته لممارسة ما نهت عنه سابقا، بشأن تحويل السد إلى ملف سياسي يستخدم لأغراض الاستهلاك الداخلي.

السيسي والبرهان

العامل الثاني يتمثل في أن الحرب في إقليم تجراي (شمال إثيوبيا)، قلصت من شعبية وشرعية الإدارة الحالية، وأمام تضاعف كلفة الحرب على المستويين المادي والبشري، بجانب تداعياتها الإنسانية المتمثلة في لجوء ونزوح مئات الآلاف من البشر داخل وخارج البلاد، فضلا عن تأثيرها على كافة مناشط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضعت النظام الحاكم على محك المساءلة، وأسهمت في سحب رصيده الشعبي، بجانب مطالبات دولية بإجراء تحقيقات مستقلة حول مزاعم وقوع انتهاكات تصل إلى حد جرائم في حق الإنسانية.

كل ذلك يسهم بشكل واضح في صياغة الموقف الرسمي الإثيوبي تجاه ملف النهضة، في محاولة لتخفيف حدة الغضب الداخلي من جهة، وفي ابتزاز الخارج من الجهة الأخرى.

العامل الثالث أن الإدارة الحالية التي مددت لنفسها فترة الحكم لأكثر من عام، بذريعة انتشار فيروس كورونا، وبالتالي صعوبة تنظيم انتخابات تشريعية، والتي تقرر تنظيمها مؤخرا في الخامس من شهر يونيو/حزيران 2021، بحاجة ماسة إلى استثمار ملف سد النهضة، في حملاتها الانتخابية المبكرة، سواء عبر المنافحة بتمسكها بالمكاسب التي سيحققها السد، أو عبر الإيحاء بعدم خضوعها لأي إملاءات إقليمية أو دولية حول هذا الملف، وتوظيفه لصالح رصيده السياسي والتنموي.

وبالتالي لا يمكن تصور أن تقدم أديس أبابا أي تنازلات إلى أن يحين موعد الانتخابات البرلمانية في الخامس من شهر يونيو، وهو ذات الشهر الذي حددته الإدارة الحالية للشروع في الملء الثاني للسد.

الرئيس السيسي مع أبي أحمد في القاهرة

السيناريوهات المحتملة لمسار النزاع

هناك عدة سيناريوهات محتملة لمسار هذا التجاذب الذي أضحى يثير اهتمام المجتمع الدولي، لا سيما أنه يهدد حياة ملايين البشر في هذه المنطقة الممتدة من منبع النيل إلى مصبه!

وفي ظل العوامل الموضوعية المذكورة أعلاه، والتي تصعب من إمكانية حدوث تحول كبير في الموقف الإثيوبي الراهن، (على الأقل حتى إجراء الانتخابات البرلمانية)، فالمرجح أن أمام الأطراف المتنازعة جولات أخرى من المواجهات السياسية والدبلوماسية، لا سيما على مستوى المنظمات الدولية (الأمم المتحدة/ الاتحاد الإفريقي.. وغيرهما).

ولعل الاحتمال الأول وربما الأرجح، أن تراجع أديس ابابا مواقفها في الفترة ما بين إجراء الانتخابات والموعد المحدد للملء الثاني، بحيث تحقق هدف المعادلة الصعبة، والمتمثلة في حصد التأييد الشعبي في الاستحقاق الانتخابي، ثم تقديم بعض التنازلات بشأن الوصول إلى اتفاقيات ما قبل الملء، تجنبا لأي تصعيد محتمل قد يصل حد المواجهة العسكرية المباشرة.

الاحتمال الثاني أن تستمر إثيوبيا في ذات مواقفها الرافضة لتوقيع الاتفاق، وبالتالي تشرع الأبواب لكل فرص المواجهة مع كل من مصر والسودان، غير آبهة بالنتائج المترتبة على مواقفها، وهو ما يمكن تسميته بالسيناريو “الكارثي”، فقد تضطر دولتا المصب إلى الدفاع عن مصالح شعبيها بكل الوسائل بما فيها عمليات عسكرية محدودة تستهدف تعطيل عملية التعبئة الأحادية، دون توفر الشروط الملائمة لكل الأطراف.

الاحتمال الثالث أن تتدخل القوى الدولية والإقليمية بفرض ضغوط مكثفة على إدارة أبي أحمد، للحليولة دون تنفيذ تعهداته بالملء الانفرادي للخزان وبالتالي تعريض حياة ملايين البشر في السودان على وجه الخصوص للخطر، وهو احتمال مرجح، سيما وأن لدى المجتمع الدولي وسائل ضغط متاحة الآن أكثر من أي وقت مضى، في ظل الحرب المفتوحة في تجراي، ومزاعم الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، فضلا عن حاجة إثيوبيا للدعم الدولي الكبير كإحدى تداعيات الحرب، سواء في تجراي أو في الحدود المشتركة بينها وبين السودان، (تحديدا في منطقة الفشقة).

الاحتمال الرابع أن تتطور المواجهات المحدودة التي تشهدها منطقة الفشقة إلى حرب مفتوحة بين السودان وإثيوبيا، وبالتالي تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في عمليات تهيئة السد، سيما أنه يقع على بعد نحو 30 كيلومتر فقط من الحدود السودانية.

الاحتمال الخامس والأخير أن تنجح الرئاسة الحالية للاتحاد الإفريقي في إحداث اختراق كبير في المواقف بين الأطراف، وتضمن الوصول إلى اتفاقيات مُرضية، سواء عبر التوقيع على اتفاق ملزم، أو عبر اقتراح الإدارة المشتركة لتشغيل السد لفترات زمنية معينة، أو عبر إقناع إثيوبيا بتأجيل مواعيد الملء الثاني إلى حين الوصول إلى تسوية مناسبة لكل الأطراف.

محمود أبو بكر

صحفي وكاتب أريتري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى