زوايامختارات

لعبة بايدن والإخوان.. المرشد والكاوبوي على رُقعة المصالح

في شهر نوفمبر الماضي، وبينما كانت مؤشرات عملية فرز الأصوات في الانتخابات الأمريكية تتجه إلى فوز المرشح الديموقراطي جو بايدن بمنصب الرئيس الجديد، سارعت جماعة الإخوان المسلمين للإشادة بهذا الفوز ببيان مقتضب، كشف حجم التخبط الذي تعيشه الجماعة وقيادتها.

وعبر بيان رسمي نشرته منصات الإخوان الإعلامية الرسمية احتفت الإخوان بهزيمة دونالد ترامب، قائلة: “تثمن جماعة الإخوان العملية الانتخابية الأمريكية، التي أسفرت عن فوز جو بايدن بمنصب رئيس الولايات المتحدة الجديد”، داعيةً الإدارة الجديدة لمراجعة ما أسمته بـ”سياسات دعم ومساندة الدكتاتوريات، وما ترتكبه الأنظمة المستبدة حول العالم من جرائم وانتهاكات في حق الشعوب”.

لم يكن البيان الإعلامي سوى بداية لحملة دعائية مركزة، قامت بها جماعة الإخوان عبر منصاتها الرسمية والمواقع والقنوات المحسوبة عليها والمقربة منها، استهدفت مغازلة إدارة “بايدن- هاريس”، وحثها على اتخاذ خطوات أكثر حدة في التعامل مع إدارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

هيلاري كلينتون

إلى ذلك، كشفت الأحداث اللاحقة عن تشابه نسبي بين ما تتوقعه جماعة الإخوان من الإدارة الديمقراطية الجديدة، لا سيما أنها تلقت دعمًا وتأييدًا سابقًا من إدارة باراك أوباما، والذي شغل “بايدن” خلالها منصب نائب الرئيس، كما تكشف مراسلات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية سابقًا.

حلم قديم وصدمة جديدة

اعتبرت جماعة الإخوان أن أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة، وهي التي توزعها على اللاعبين، ومن هذا المنطلق بدأت توجيه خطاب أكثر اعتدالا وبراجماتية لدوائر الحكم الأمريكية، حتى قبل سنوات من قيام الثورة المصرية.

وعندما اندلعت شرارة 25 يناير، لم تحُز الجماعة على القدر المطلوب من الثقة لدى الإدارة الأمريكية الديمقراطية برئاسة باراك أوباما، والتي طلبت من دوائر بحثية مقربة منها إجراء استفتاء عن شعبية الإخوان داخل الشارع المصري، ورغم أن النتائج جاءت مخيبة في المرة الأولى، فإنها أكدت في المرة الثانية أن الإخوان أكثر جهات الحراك المدني تنظيمًا وأنها تُشكل أحد اللاعبين البارزين في المشهد، بجانب القوات المسلحة التي تعد حجر الزاوية في الدولة المصرية، كما توضح مراسلات كلينتون.

قُبيل ذلك الحين، كانت أمريكا قد اهتزت نتيجة أسباب عديدة، من أهمها الخسائر التي تكبدتها خلال حربها العالمية على التنظيمات الجهادية العالمية كتنظيم “قاعدة الجهاد” وتنظيم دولة العراق الإسلامية (النسخة الأقدم لداعش)، وجراء ذلك قرر الرئيس الأمريكي الأسبق “أوباما”، الذي وصل إلى سدة الحكم في عام 2009، اتباع استراتيجية مغايرة في التعامل مع ما يسمى “التمرد الإسلامي”.

عناصر جماعة الإخوان

أثبتت التجربة الأمريكية في بعض الدول كالعراق على سبيل المثال أنه يُمكن المراهنة على تيارات الإسلام السياسي الأقل تطرفًا كجماعة الإخوان التي أسهمت في عقد اتفاقات وتحقيق توازنات تتماشى مع الرؤية الأمريكية في مرحلة ما بعد صدام حسين، فضلًا عن دعمها للحملات الأمريكية الرامية لضرب التنظيمات الجهادية في العراق وغيرها.

في 2011، بدا أن الرؤية الأمريكية للمنطقة أصبحت أكثر قابلية للتحقيق، فيما واصلت جماعة الإخوان، خصوصًا في مصر، تقوية علاقاتها بالولايات المتحدة وغيرها من الدول العربية، وعُقدت عدة لقاءات بين قيادات إخوانية ومسؤولين أمريكيين.

وعندما وصل محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين، إلى سدة الحكم في مصر عام 2012، راهنت جماعته على أن تقوم الولايات المتحدة بتدعيم حكمه وممارسة ضغوط على معارضيه ومراكز الثقل داخل الدولة المصرية لكي تستتب الأمور الداخلية، غير أن أخطاء الجماعة المتكررة وفشل تجربتها في السلطة قضى على الآمال الإخوانية، وهو ربما الأمر الذي دفع عصام الحداد، مستشار مرسي، إلى دعوة الإدارة الأمريكية علنًا لحماية ما أسماه بـ”تجربة مرسي الديمقراطية“، التي انتهت رسميًا بإعلان عزل الأخير من الحكم في 3 يوليو 2013.

وخلال الأعوام السبعة التالية، تلقت الجماعة عدة ضربات قوية خلخلت بنيتها القيادية والتنظيمية على حد سواء، وبدت عاجزة ويائسة أمام حالة الجمود التي أصابتها، إلى أن تلقت نبأ فوز المرشح الديمقراطي الجديد “بايدن” بمنصب الرئيس الأمريكي.

جو بايدن

ووفقًا لتأكيد مصدر خاص مطلع على شؤون جماعة الإخوان تحدث لـ”ذات مصر”، فإن عددًا من رموز الإخوان الموجودين في الولايات المتحدة، من بينهم، محمد سلطان، نجل القيادي الإخواني “صلاح سلطان”، عملوا على دعم “بايدن” في أثناء حملته الانتخابية، لكن الجماعة لم تكن واثقة من فوز المرشح الديمقراطي، فلم تستعد له بالقدر الكافي.

وتؤكد تصريحات إعلامية سابقة لـ”عصام عبد الشافي”، مدير المعهد المصري للدراسات -أسسه عمرو دراج وزير التخطيط إبان حكم مرسي في إسطنبول- المعلومات التي أدلى بها المصدر، إذ ذكر الأول أن جماعة الإخوان لم تكن تتوقع فوز “بايدن” وبالتالي لم تعد كل الملفات المطلوبة للتعاطي مع هذا الفوز.

شركة خاصة تتولى الترويج للإخوان

في سياق متصل، أشار المصدر المطلع إلى أن جماعة الإخوان لجأت إلى شركة علاقات عامة لتقوم بحملة ترويج للجماعة داخل الولايات المتحدة، وستركز بشكل رئيس على ملف “حقوق الإنسان في مصر”، والذي يُمثل الرهان الأساسي للإخوان في الفترة الحالية، فهي تتبنى استراتيجية ترتكز على هذا الملف في إطار رؤيتها الكلية لطبيعة الدور الأمريكي في المنطقة والعالم.

لكن على الناحية الأخرى، لم تُبد الإدارة الأمريكية الجديدة موقفًا واضحًا حتى الآن، رغم أن الإدارة التي سبقتها ختمت أيامها بتعزيز إدراج حركة سواعد مصر “حسم” على قوائم الإرهاب الأمريكية، وهو ما اعتبره محللون تمهيدًا لإدراج الإخوان على قوائم الإرهاب.

مناورة ضغط

في هذا الإطار، يقول الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ستُعيد النظر في التعامل مع جماعات الإسلام السياسي، مضيفًا أن “نموذج بايدن” سيكون أكثر تباينًا واختلافًا عن “نموذج ترامب”، وسيُنظر لطريقة التعاطي الجديدة مع الجماعة من ناحية مصلحية وليست أيديولوجية.

وتوقع “فهمي” أن تستعمل الإدارة الأمريكية ملف الإخوان بصورة براجماتية في منواراتها مع الحكومات العربية، لا سيما في مصر ودول الخليج العربي، عبر فتح ملفات كالحريات وحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، لكن مع ذلك سيكون ملف الجماعة ملفًا ثانويًا ضمن عشرات الملفات المطروحة على الطاولة بين الحكومات العربية والإدارة الديمقراطية الجديدة.

واعتبر أستاذ العلوم السياسية أن المنطقة تعيش حاليا استقرارا افتقدته في عهد الإخوان، كما أن الحكومات العربية فيها سجلت الكثير من الإصلاحات، وبالتالي ستكون حجة إدارة الرئيس الأمريكي في طرح هذا الملف ضعيفة.

واستبعد الدكتور سالم حميد، الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي، أن تقوم الإدارة الأمريكية الجديدة بدعم جماعة الإخوان، معتبرًا أن هذا التصور “غير موجود إلا في عقلية الجماعة” بعد فشل تجربة الإخوان قبل نحو عقد، بعد أن عوّلت الولايات المتحدة عليهم للتخلى عن التزاماتها في المنطقة.

وأوضح “حميد” في مقال له أن الإخوان أثبتت أنها لم تكن يومًا مصدرًا للاستقرار، بل للاضطراب وتهديد المصالح الأمريكية.

واتفق الدكتور أحمد البحيري، الباحث المصري في الحركات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مع ما ذهب إليه الكاتب الإماراتي، معتبرًا أن إدارة الرئيس الأمريكي لن تدعم الجماعة، بعكس ما تحاول منابرها الإعلامية، وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، الترويج.

وأضاف “البحيري” أن بايدن أقرب إلى الجمهوريين التقليديين في التوجه والموقف من الإسلامي السياسي، مدللًا على ذلك بأن بايدن كان على خلاف كبير مع باراك أوباما بشأن موقف الأخير من الثورة المصرية عام 2011، خصوصًا حول بقاء الرئيس الراحل حسني مبارك، وعدم دعم الإخوان.

شعار جماعة الإخوان

لماذا تم اختيار جماعة الإخوان المسلمين لهذه المهمة؟

على ناحية الأخرى، يعتقد الباحث الفلسطيني الدكتور تيسير عبد الله أن التعاطي الأمريكي مع الإخوان راجع لعدة أسباب، أهمها قدرة الجماعة اجتماعيا في السيطرة على الشارع، بما لها من حضور ونفوذ اجتماعي وديني وسياسي وأنشطة خيرية، خصوصًا أنها تنشط في دول عديدة، ولها في كل دولة وضع خاص قد يختلف بشكل كامل عن غيرها.

وأوضح “عبد الله” أن تمتع الجماعة بالفكر البراجماتي غير المنغلق له دور في علاقتها مع الولايات المتحدة، إذ إن الإدارة الديمقراطية قد تقبل التعاون المفتوح معها بناءً على هذه الأسس.

وتابع الباحث الفلسطيني: “ما زال هناك دور يمكن أن تلعبه الإخوان في إطار تنفيذ الرؤية الأمريكية، فمثلًا ما زالت التنظيمات والجماعات الراديكالية نشطة ولم تنهزم بشكل كامل، وربما يكون هناك نشاط للإخوان في تحجيم تلك التنظيمات نيابة عن أمريكا”.

حسين جمال

صحفي فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى