زوايامختارات

لعنة مايكل أنجلو.. لوحة “خلق آدم” تطيح بمدير مناهج السودان

 

لم تكن استقالة عمر القراي، مُدير المركز القومي للمناهج بالسودان والبحث التربوي في 7 يناير الجاري، سوى نهاية سلسلة طويلة من حملات تشويه متتالية واجهها الرجل المُنتمي إلى الفكر الجمهوري المناوئ لأيديولوجيا الإخوان المسلمين، فمنذ تعيينه في المنصب بقرار وزاري في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، واجه القرّاي عاصفة رفض وراءها جماعات الإسلام السياسي، في ابتزاز واضح للمشاعر الدينية لعامة المسلمين السودانيين.

ويُعتبر الخبير التربوي عمر القرّاي، بحسب مراقبين، الأكثر إثارة للجدل بين رفاقه  الجمهوريين، وقد خشي كثيرون من أن تعيينه في هذا المنصب شديد الحساسية يُحتمل ألا يكون في صالح التغيير المنشود، خاصة في بلدٍ عانى من قسوة أيديولوجيا الإخوان المنغلقة لثلاثين عامًا، وقد صُبغت المناهج المدرسيِّة لصالح أفكار جماعة الإخوان المسلمين، فصارت بمثابة دعاية سياسية وأيديولوجية لها.

عمر القراي

منذ تسميته مديرًا للمركز القومي للمناهج بالسودان والبحث التربوي، شمّر الإخوان والسلفيّون ومناصرو النظام السابق سواعدهم للإطاحة بالرجل، فاستغلوا منابر المساجد التي يسيطرون عليها لمخاطبة التدين الفطري للمجتمع، مستغلين حادثة إعدام زعيم الجمهوريين محمود محمد طه إبان عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري عام 1985، بعد تكفيره واعتبار أفكاره إلحادّية تمثل خطرًا على المجتمع.

عُش الدبابير

في السياق، حمّل الباحث السياسي محمود نورين، رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وقوى إعلان الحرية والتغيير (تحالف أحزاب ونقابات ومجتمع مدني) تشكّل الحاضنة السياسيِّة للحكومة الانتقالية، المسؤولية في ما يحدث من انتهاكات جسيمة في قطاع التعليم -حسب وصفه- فتعيين رجل مثل عمر القرّاي في هذه الوظيفة، رغم مؤهلاته الأكاديمية العالية وخبراته الطويلة وتخصصه في أرقى الجامعات الأمريكية في هذا المجال، فضلًا عن سماته الشخصية الأخرى من نزاهة ووطنية، لم يكن موفقًا وحاضنته السياسية (قوى إعلان الحرية والتغيير) تعلم ضعفها أمام المكوّن العسكري في الحكومة، الذي يميل نحو الإخوان والسلفيين، خاصة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، بجانب بعض الأحزاب السياسية الكبرى مثل حزب الأمة القومي الذي أعلن مبكرًا اعتراضه على كتاب التاريخ، وأصدرت هيئة شؤون الأنصار (مؤيدو الحزب)، بيانًا شديد اللهجة طالبت فيه بإقالة القراي، على خلفية اتهامها له بحذف دروس مهمة عن الثورة المهدية من مقرر التاريخ للصف السادس الابتدائي.

هكذا، وجد “القراي” نفسه مرفوضًا، ليس من الإخوان والسلفيين فحسب، بل حتى  من القوى المحافظة المعتدلة في البلاد، ولم تتمكن حاضنته السياسية من الدفاع عنه، رغم أنه لم يكن يعمل وحده، بل كان يدير فريقًا أكاديميًّا متخصصًا في المناهج الدراسية، بحسب “نورين”.

قشَّة خلق آدم

القشة التي قصمت ظهر مدير المناهج، كما يقول “نورين”، كانت لوحة “خلق آدم” لمايكل أنجلو، التي بلغت من العمر 500 عام، وقد تضمنها مُقرر تاريخ الصف السادس الابتدائي، في باب “النهضة الأوروبيّة”، الأمر الذي اعتبره المتشددون تجسيدًا للذات الإلهية في صورة بشر يمد يده إلى آدم إشارةً إلى عملية نفخ الروح. وهنا أخذت  سرديّة الإخوان المسلمين والسلفيين القائلة إنّ مدير المناهج يُمثّل خطرًا على الدين والقيم الأخلاقية للمجتمع، تسري بين عامة الناس مُجددًا، خاصة بعد دخول مجمع الفقه الإسلامي التابع لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف على الخط، بإصداره فتوى تحرّم تدريس الكتاب، بحجة احتوائه على “مخالفات خطيرة وعظيمة”، فبجانب إساءته القبيحة للذات الإلهية وتصويرها مُجسدة، أساء للإسلام كدين وصوَّره إرهابيًّا، ومجَّد الثقافة الغربية بوصفها ثقافة العلم والحضارة، وقدّم الثقافة الإسلامية كمعادل للتخلف وتدمير الرقي والنهضة.

وبالتالي، يواصل “نورين” حديثه إلى “ذات مصر”، وجد رئيس الوزراء نفسه أمام خيار واحد، “إقالة القراي”، لكنه لم يقدم عليه بنحو مباشر، بل قرر دفع الرجل إلى الاستقالة بنفسه، فأصدر قرارًا بتجميد العمل بالمقترحات المطروحة من إدارة المركز القومي للمناهج والبحث التربوي وتكوين لجنة قومية تضم التربويين والعلماء المتخصصين وتمثل كل أطياف الآراء والتوجهات، من أجل إعداد المناهج الجديدة حسب الأُسس العلمية المعروفة، على أن تراعي التنوع الثقافي والديني والحضاري والتاريخي للسودان، ومتطلبات التعليم في العصر الحديث، الأمر الذي أجبر عمر القرّاي إلى تقديم استقالته، ربما خشية إقالته المحتملة.

هرج سياسي

من جهته، وصف الشيخ عبد المجيد حامد، من الطريقة القادرية الصوفية، ما حدث بـ”الهرج السياسي وإقحام المناهج الدراسية -التي كان ينبغي توخي الحياد الأكاديمي في إعدادها- على الدعاية السياسية والفكريّة”، واعتبر “حامد” في حديثه إلى “ذات مصر” أن حكومة “حمدوك” لا تزال “عاجزة عن  فهم الواقع الناجم عن 3 عقود من الحكم الاستبدادي الذي استغل المشاعر الدينية لتنفيذ أجندته السياسية والفكرية”، فخلف ذلك تشوهات كثيرة في بنية الوعي الجمعي للمجتمع السوداني، لذا فإنّ توخي الحيطة والحذر، خاصة في ما يتعلق بالجوانب الدينية والقبليّة التي كرّسها النظام السابق، أمر ضروري تنبغي مراعاته في اتخاذ أي قرار سياسي ذي صلة بهما، وهذا ما لا تتحسب له حكومة الفترة الانتقالية، ما يوقعها في فخ الجماعات السلفية والإخوانية ويعرضها لهزات كبيرة.

وفي ما يتعلق باستقالة مدير المناهج، فإنه دُفع إلى ذلك دفعًا، فقد أصرّ في تصريحات سابقة على تمسكه بمنصبه، وقال إنه لن يخضع لابتزازات المهووسين، لكن رئيس الوزراء سحب البساط من تحت قدميه بإعلانه تجميد المناهج التي أعدها مركزه، وأحال الأمر برمته إلى لجنة قومية، ما يعني ببساطة إفراغ منصبه من مهامه الرئيسة.

يستطرد “حامد”: “بصرف النظر عن أفكاره التي هي محل احترام وتقدير، فالقرّاي شخص مثير للجدل، قابل للاستدراج إلى الفخ، كما أنه مصادم ومباشر، وهذه أمور تتنافى مع وظيفة حساسة مثل إدارة مركز لإعداد المناهج، فضلاً عن توليه الرد على خصومه مباشرة من خلال أجهزة الإعلام، وحرصه الشديد على  الدفاع عن نفسه عبر جدل ديني مستمد من الفكر الجمهوري الحداثي الذي لا يزال محل شك، على الأقل، من معظم المسلمين السودانيين التقليديين، لذلك خسر الرجل معركته مبكرًا، ولم يجد من يدافع عنه، فقد تنصل عنه الجميع حتى رئيس الوزراء.

حفل تجريح رئيس الوزراء

علي بخيت، مدير مكتب رئيس الوزراء

إلى ذلك، وبعد دفع مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي باستقالته عبر بيان ضافٍ، قال فيه إنه “غير مستعد للاستمرار مع حكومة جاءت بها ثورة شعبية، فضعفت أمام المكوِّن العسكري، ورضخت لضغوط فلول النظام المدحور”، ووصف  الحكومة بأنها “صارت لقمة سائغة لفلول النظام البائد وقوى الهوس الديني والتطرف الأعمى”.

وشن مدير المناهج المُستقيل عمر القرّاى هجومًا لاذعًا على رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، متهمًا إياه بـ”الوقوف إلى جانب سدَنَة النظام السابق”، كاشفًا أن رئيس الوزراء استشار طوائف دينية وشخصيات لا علاقة لها بالمنهج، مُستهجنًا تشكيل لجنة بديلة لإعداد المناهج تضم جماعة أنصار السنة والإخوان المسلمين.

إلاّ أنّ رد رئيس الوزراء لم يتأخر، فقد تصدَّى، عبر مدير مكتبه علي بخيت الشريف، لمدير المناهج المُستقيل، ووصف بيان الاستقالة بـ”حفل تجريح في حق رئيس الوزراء”، واعتبر “الشريف” -في حوار معه أجرته صحيفتا “حكايات” و”السوداني”- أن الاستقالة التي دفع بها مدير المناهج “ذات حمولة أيديولوجية ثقيلة”، واصفًا “القرّاي” بأنه “شغوف بالإعلام”، وأشار إلى أنه لم يستجب لملاحظات رئيس الوزراء، الذي نصحه بالتفرّغ لعمله بعيدًا عن الضجيج.

 

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى