وجهات نظر

لعنة مقدسة ووطن مفقود: الشعر الكردي.. خيمة في الريح

محسن عوض الله

 

مع قدوم السابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول من كل عام يتذكر الأكراد دولتهم المفقودة “مهاباد” أو جمهورية كردستان، آخر دولة كردية تأسست في القرن العشرين، ويحتفل الأكراد بذكرى رفع العلم الكردي على جمهورية “مهاباد” في ما يعرف وسط الكرد بـ”عيد العَلم الكردي” ليتذكروا حكايتهم مع الحلم المفقود بوطن واحد يجمع شتاتهم.

من المعروف أن جمهورية كردستان الكردية، وعاصمتها “مهاباد”، قد أُعلِنَت عام 1946 داخل حدود إيران الحالية بدعم سوفييتي، إلا أنها لم تستمر طويلاً، وأُسقطت بعد 11 شهرًا فقط من إعلان قيامها، وفي عام 2009 أعلن برلمان إقليم كردستان يوم 17 ديسمبر عيدًا سنويًّا للعلم الوطني الكردي.

ويُعتبَر الأكراد، البالغ عددهم أكثر من 40 مليون نسمة، أكبر طائفة عرقية وأكثر القوميات في العالم التي لا توجد دولة تعبر عنها أو تجمع شتات أبنائها، الذين ينتشرون في 4 دول، تركيا التي تمثل أكبر تجمع للكرد في العالم ويقطن بها 49% من أكراد العالم ويمثلون أكثر من 20% من سكان تركيا، بالإضافة إلى إيران التي يمثل الكرد بها نحو 15% من السكان، فضلاً عن العراق وسوريا اللتين توجد بهما أقاليم كردية بالكامل.

كان يفترض تأسيس دولة كردية مستقلة بالشرق الأوسط داخل الحدود التركية وفقا لمعاهدة سيفر 1920، التي وقعتها الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ولكن ألغيت الاتفاقية بعد التفاهمات بين كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة وبين الدولة البريطانية، وحلت محلها اتفاقية لوزان 1923، وألغت فكرة الدولة الكردية نهائيًّا مع التوصية بمنح الكرد حقوقهم كاملة داخل الدول التي يعيشون فيها، فضاع حلم دولة كردستان، وصار الأكراد في معظمهم ينظرون إلى الدول التي يوجدون فيها على اعتبارها “دول احتلال” وهو ما عبر عنه  الشاعر الكردي  جيكر خوين عام (1903-1984) بقوله:

أين حدائقي وبساتيني؟

أين رياضي وجناني؟

لقد احتلها الأعداء

أين كردستاني… أين؟!

ورغم الممارسات والمجازر التي تعرض لها الكرد بالدول التي يقيمون فيها، لم تغب الدولة الكردية أو كردستان الكبرى عن ذهنية الكرد في أنحاء العالم، وصار تأسيس وطن قومي للأكراد بمثابة حلم بعيد المنال، وهو ما عبر عنه الأدب والتراث الكردي القديم.

في قصيدته “الوطن” عبَّر الشاعر الكردي فائق بيكس (1905- 1948م) عن تمسك الكرد بحلم دولتهم المفقودة بقوله:

آه.. يا أيها الوطن, فُتِنتُ بك بجنون

وإن كنت في ظلمة الليل،

وقدماي في القيود,

لكنني أتذكر هامتك

فلا تظنني أنساك ولا السجون،

ولا المعارك تجبرني على بيعك..

بعيدًا عن فكرة المؤامرات والمظلومية التي يعيشها بعض الكرد، يتحمل الكرد ربما جزءًا كبيرًا مما وقع لهم، فالكرد من أكثر القوميات المنقسمة على ذاتها، والخلافات هي السمة الرئيس في أى تجمع كرديّ، ما يسهل على أي عدو لهم القضاء عليهم من داخلهم.

والخلافات الكردية- الكردية التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ ربما صارت من ثوابت الكرد، يؤمنون بحتمية وقوعها، بل وينسجون الأساطير حول أصلها، ولعل أغرب ما قيل في عدم وفاق الكرد واختلافهم في ما بينهم ما أورده البدليسي، أحد أشهر الكتاب الكرد، في كتابه المعروف “شرفنامه” الذي ألفه في القرن السادس عشر كأول كتاب يبحث في التاريخ الكردي.

يقول البدليسي في كتابه: “في بداية الرسالة الإسلامية أرسل أغورخان، ملك تركستان، وفداً إلى النبي محمد (ص) برئاسة شخص يدعى (بغدور)، وكان من أمراء الكرد وكان كريه المنظر فظًّا غليظًا شديد المراس، فلما وقع نظر النبي (ص) عليه فزع ونفر منه نفورًا شديدًا، وعندما سأل عن أصله وجنسه قيل إنه من الطائفة الكردية، عندئذ دعا النبي قائلاً: لا وفَّق الله تعالى هذه الطائفة إلى الوفاق والاتحاد”.. (أورده زبير سلطان في كتابه القضية الكردية من الضحاك إلى الملاذ، دار الكشاف، دير الزور – سوريه، ط1، 1990، ص 28-29).

ورغم تعارض الرواية المذكورة مع سماحة النبي محمد، فضلاً عن التشكيك في صحتها لأن دعوة الإسلام لم تكن وصلت في عهد الرسول إلى بلاد التركستان، فإنها تعزز ما ذكره كاتب كردي بحجم البدليسي في القرن السادس عشر الميلاديّ، وهو ما يؤكد فكرة الأصول التاريخية للخلافات الكردية أو اللعنة كما وصفها البدليسي.

الخلافات الكردية – الكردية ما زالت حاضرة حتى الساعة، ففي الوقت الذي يُكتب فيه هذا المقال يتهم أكراد إقليم كردستان بالعراق أشقاءهم الأكراد في سوريا بمحاولة اقتحام حدود الإقليم، والهجوم على قوات البشمركة “القوات المسلحة” التابعة لأكراد العراق.

أكراد سوريا من جانبهم يتهمون أكراد العراق بالعمالة للدولة التركية، وتنفيذ مخططاتها لاستهداف الإدارة الذاتية التي أسسها الأكراد بسوريا، وتبقى الاتهامات متبادلة بين الطرفين لتجسد واقعيًّا فكرة اللعنة المقدسة التي تلاحق الأكراد.

واليأس من وجود حل للقضية الكردية وجد طريقه إلى الشعر الكردي الذي كان حاضرًا دومًا للتعبير عن أحلام الكرد ومآسيهم، فعدم وجود حل للقضية الكردية وبقاء الكرد بلا دولة ولا وطن جعلهم عرضة للكثير من المجازر واستباحة دمائهم وأراضيهم على مدار التاريخ، ولم يتوان الشاعر الكردي عبد الله بشيو عن توصيف تلك الحالة في قصيدته “الجندي المجهول” التي يقول فيها:

حين تزور الوفود بلادًا أجنبية..

تحط أكاليل ورد على قبور جنودها..

جنودها المجهولين

غدًا إن زار وفد بلادي وسألني: أين قبر جنديكم المجهول؟

سأجيبه:

يا سيدي! في حواف كل ساقية..

على دكة كل مسجد..

على عتبة كل بيت..

على باب كل كنيسة ومدخل كل كهف..

على جنادل كل جبل..

على أشجار كل غاب في هذه البلاد..

على كل شبر من أرضها..

تحت كل ذراع من سمائها..

أَحنِ رأسك قليلاً .. وضعْ أكليل وردك!

“بيشو” نفسه، الذي يعتبر من أكبر الشعراء الكرد المعاصرين، أرجع هذه المجازر والأشلاء الكردية المتناثرة في كل مكان إلى عدم وجود دولة تحمي الكرد وتجمع شتاتهم، متهمًا العالم بأنه لا يعترف بمن ليست له راية أو دولة تدافع عنه.

يقول “بيشو” في قصيدته “أيها الأطفال”:

ليلاً في الحلم..

كنتُ عابر سبيل إلى مقر يو ثانت (يو ثانت الأمين العام الثالث للأمم المتحدة 1961-1971)

حين بلغت البوابة

رايت الأسود كانت له راية

رأيت الأخضر كانت له راية

كل مَن رأيت كانت له راية

فجأة

صرخوا بوجهي:

إلى الخارج يا من لا تملك راية!

قلتُ: لا تصرخوا! حين أعود سأروي هذا الدرس للأطفال!

ربما نجح الشعر الكردي في ما فشل فيه ساسة الكرد، فالشعر أكثر وضوحًا وتجسيدًا للمأساة الكردية العابرة للعصور، وأكثر وفاء لفكرة الدولة والوطن الكردي من عشرات الزعامات الكردية التي ما زالت أسيرة لفكرة اللعنة المقدسة، وما زالت تعتبر أن إحياء يوم العلم الكردي هو قمة الوفاء للوطن المفقود.

وبعيدًا عن السياسة والساسة، يبقى الشعب الكردي جزءًا لا يتجزأ من شعوب الشرق الأوسط، ورغم كل ما تعرض له الكردي من مجازر وجرائم على مدار تاريخهم، بقي صامدًا لا يلين.

 

 

محسن عوض الله

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى