زوايامختارات

لقاء خاص- أشهر حاملي “التابوت” في العالم.. ابقَ في منزلك وإلا سنرقص معك

 

“جاء عام 2020 بكوفيد – 19 ليصيب الكثيرين بالإحباط، لذا كان أمامنا ما نقوم به، أن نجعل الناس سعداء، أسرة المتوفى تريد له أن يكون سعيدًا، لذا أعتقد أنني أعمل على إسعاد الناس ومساعدتهم على الابتسام، أنا راضٍ عما أفعل”.

قبل 17 عامًا وتحديدًا في 2003، وبينما كان يسير بنيامين إيدو في جنازة تقليدية لأحد أقاربه، سقط شخص آخر فاقدًا الوعي، لم يحالفهم الحظ لنقله إلى المستشفى وتوفي يومها: “عندما ذهبت إلى البيت جلست لأحلل ما حدث، ورأيت أننا نحتاج إلى الاحتفال بالموتى بدلًا من الحداد عليهم، وكان هذا باعثًا لي على ما أفعل الآن”.

اليوم أصبح إيدو وفرقته، “Nana Otafrija Pallbearing”، وتعني “رقص حاملي النعش”، أشهر “راقصي التابوت” في العالم، وتحول أسلوبهم إلى نمط يقلده كثيرون، حتى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد استخدم أحد مقاطعهم المرئية في معاركه السياسية حين أراد توجيه رسالة عبر صفحته على “فيس بوك”، نهاية مايو/أيار الماضي، إلى منافسه الأقوى في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، جو بايدن.

كيف تعامل بنيامين إيدو ورفاقه مع “كورونا”؟

يقول إيدو، الذي يعيش في غانا، في لقاء أجراه معه “ذات مصر” عبر الإنترنت، إن “كوفيد-19” أصابهم بحيرة شديدة، فقد جعلهم بين شقي رحى الظهور غير التقليدي لمتابعيهم وبين دعوة الناس للجلوس في منازلهم خوفًا من الإصابة.

مقاطع “رقصة التابوت”، التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي على نحو كبير تزامنًا مع انتشار فيروس كورونا على مستوى العالم، دفعتهم لاستغلال شهرتهم على نحو إيجابي للتوعية من الوباء، عبر شعار “ابقَ في منزلك وإلا سنرقص معك”، في إشارة إلى ضرورة الالتزام بالإجراءات الاحترازية وإلا فإن الموت في انتظارك وستشيع بالرقص إلى العالم الآخر. يقول إيدو: “الناس في تلك الفترة كانوا يشعرون بالهلع المبالغ، لذلك حرصنا على توعيتهم بطريقة تجعلهم سعداء”.

لا يخشى الشاب الثلاثيني العمل في ظل الجائحة التي ضربت العالم: “نحرص على أن نحمي أنفسنا جيدًا من العدوى، لذلك أصبحنا نستخدم المطهرات مع غسل اليد بالمياه الجارية”.

 

حافظ “راقصو التابوت” على هيئة خاصة بهم في زمن كورونا، إذ صنعوا كمامة مميزة وضعوا عليها شعارهم “Nana Otafrija” ليظهروا بها خلال المشهد الأخير في الجنازات، وبجانب كمامتهم الخاصة يستخدمون كمامة الأنف مرة واحدة، وبعد ذلك واقي الوجه الذي يستخدمونه مع الحالات المصابة بكوفيد.

“أحب أن أشير إلى أننا منذ وباء كورونا تولينا دفن نحو 20  حالة حتى الآن، وعلينا أن نحمي أنفسنا باستخدم واقي الوجه، لذلك أعتقد أننا نسير على نحو جيد في عملنا، ونحن مستمرون”.

وبحسب إحصائيات موقع “كورونا ميتر” العالمي، فإن غانا قد سجلت حتى 23 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، 47601 إصابة، ووصلت الوفيات بها إلى 314.



نور لعتمة الفراق

“راقصة التابوت”، طقس جنائزي قديم اقتصر في وقت سابق على زعماء القساوسة والعسكر إلى أقلية غانية كانت ورثتها عن معتقدات إثيوبيين هاجروا ما بين القرنين 15 و18، إلا أنّ مؤرخين آخرين قالوا إنها تعود إلى الخمسينات من القرن الماضي.

وبحسب موقع الإحصاء العالمي فإن غانا يعيش بها 31 مليونا و283 ألف مواطن، غالبيتهم من المسيحيين بنسبة 71%، في حين يبلغ المسلمون 23%، والباقون يعتنقون ديانات محلية تقليدية.

يشير إيدو إلى أن التوابيت يصل قيمتها بين 400 و1000 سيدي غاني، (172 دولارًا) وهو مبلغ ليس كبيرًا بجانب تكاليف الطقوس.

يرى قائد فرقة الرقص بنيامين إيدو، أن “الموسيقى والرقص نور لعتمة الفراق، يستحضر من خلالهم روح المرح ويخفف بهما عن القلوب الآلام عبر حركات معينة يبتكرونها ويتدربون عليها قبل تنفيذها في العرض”.

يمزج إيدو وفرقته رقصاتهم الغريبة بموسيقى مُميزة، يرجع أصلها لقصيدة يونانية قديمة، قدمها الفنان ستيفان أف والمؤلف توني إيجي عام 2010، بشكل عصري تحت عنوان Astronomia، وتعني الفلك، كما يحرص على حرية اختيار العميل لشكل الجنازة من خلال توجيه بعض الأسئلة إليه مثل: هل تريد الجنازة تقليدية أم تريد إضافة بعض الحركات الاستعراضية؟ أو هل تريد بعض الرقص المصمم خصوصًا لها؟

يصف إيدو فريقه بـ”الموهوبين”: “نعرف ما نفعله بإتقان للغاية، لذلك أعتقد أن أي شيء جديد نخترعه نتكيف معه بسهولة.. هذا ما نفعله بالتحديد، كل يوم لدينا اختراعات جديدة، وهذه هي الطريقة التي نسير بها في الرقص، وهي ما تجعل 95% من شعب غانا يحبون ما نقوم به”.

100 وظيفة للرجال والنساء

يشترك في فريق إيدو نحو 100 شاب يعملون معه، 95 منهم ذكور و5 إناث، جميعهم من مدينة أكرا، ويقدم لهم برنامج تدريبي متكامل لتأهيلهم كي يصبحوا راقصي تابوت مُحترفين ومُنظمين: “في غالب الأوقات نخصص يومي الثلاثاء والأربعاء لذلك التدريب، ويشترط أن تكون متوسط أعمار من يعمل معنا 17 عامًا حتى يستطيعوا فعل ما نؤديه من حركات”.

لا يمنع إيدو أي شخص يريد الانضمام إلى الفرقة، فقط عليه أن يأتي إليهم ويقدم طلبًا ويملأ الاستمارة ثم يدفع رسومًا مُعينة خاصة بتلك الاستمارة، وبالتالي يعمل هذا الشخص معهم، لكن يشترط أن يمتلك القدرة على فعل ما يفعلونه ثم يبدؤون تدريبه.

لم يضع إيدو في الحسبان المؤهلات الدراسية أو العمل، أو حتى مواصفات المظهر والجسم: “الأمر لا يتعلق بمؤهلاتك، أنت فقط تضع مؤهلاتك جانبًا وتنضم إلينا، نحن لا ننظر هل أنت سمين أم نحيف، طويل أم قصير، بعض الناس يأتينا للتعلم، وآخرون للعمل بدوام جزئي، وغيرهم يأتي لعمل شيء واحد ويأخذ أجره على ذلك ثم يرحل”.

فرقة بنيامين إيدو، المكونة من 100 فرد، لا تهتم بالرقص بجثامين الموتى فقط، بل تعمل أيضًا على تصميم زينة مراسم الدفن، وتنسيق الزهور والكراسي والطاولات وعربات الإسعاف وتجهيز النعش.

كيف واجه “راقصو التابوت” انتقادات الناس؟

لا يُنكر إيدو التعليقات السلبية والانتقادات التي تعرض لها: “في بداية عملنا لم يكن الأمر على ما يرام، لأن الناس كانوا يتحدثون بطريقة سيئة عما نقوم به،  لكن نحن لم نكن ننظر إليهم ولا إلى ردود فعلهم المُحبِطة، ونواصل عملنا، ونتغلب على ذلك بتطوير أنفسنا، وهذا قلب الموازين رأسًا على عقب، إذ عادوا ليهنئوا الفريق.. أنا أمتن لهم للغاية وسعيد جدًّا”.

تعرض إيدو لموقف أشد صعوبة عندما أثرت طبيعية عمله في علاقته بعائلته وأولاده الأربعة وأصدقائه: “لقد تجاهلتني عائلتي ولم تكن تتحدث معي، لكنني لم أستسلم لأنني أردت أن أصل إلى ما وصلت إليه، لأنه كما ترى، أن تصوُّر الناس عن عملنا هذا في غانا هو مثل استخدام الدواء، والتصور الكامن وراءه سيئ للغاية. في عام 2017 عندما ظهرت في فيديو على بي بي سي وانتشر أمر فرقتي، بدأ الناس يدعمونني، ولكن في البداية لا، لم يفعلوا هذا، ولكنهم الآن سعداء بما أفعله لأنه عملي الذي أحبه”.

أضواء عالمية

يعتبر إيدو نفسه من هؤلاء المشهورين الذي يغيرون نظرة الناس وتصوراتهم عن الأشياء: “غالب الناس يعتبر ما نؤديه من رقص بالموتى غريبًا، ولكن بالنسبة إلينا فنحن نقدم للمتوفى ما يليق به من الدفن والاحترام الأخير في رأيي”.

أصبح إيدو مصدر بهجة في إفريقيا حتى وصل إلى العالمية، وانتشرت رقصاته بجثث الموتى على نطاق واسع، محمولة بالسخرية والضحك نذيرًا للنهاية التعيسة، أو الموت الوشيك.


















يقول بنيامين إيدو إن لديه جمهورًا كبيرًا في جميع أنحاء البلاد العربية والإفريقية وخارج إفريقيا أيضًا: “المعجبون يتصلون بي عبر الفيديو، والبعض يتصلون بي عبر واتس آب، وآخرون يتصلون بي على خط الهاتف ليهنئوني ويقولون لي إنني أمنحهم أكبر متعة، أجعلهم سعداء”.

وأبدى إيدو سعادته من تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي معه: “نستخدم دائمًا وسائل التواصل الاجتماعي ونتابع غالبية مقاطع الفيديوهات (الكوميكس والميمز) المُضحكة، من على حساب تويتر الخاص بي، وكذلك فيس بوك وإنستجرام ويوتيوب أسبوعيًّا، وكل يوم أنشر أشياء يشاركها معنا الجمهور في رسائل ليراها الجميع، بعضهم يرسل إليّ أعماله الخاصة، ومن ثمَّ أنشرها على منصات التواصل الاجتماعي وأشير إليهم في المنشور الذي يقدم أعمالهم، حتى عندما نؤدي تجربة مع أعضاء الفريق أنشر لهم هذا ليكونوا سعداء”.

أبدى فرحته لتقليد الشباب رقصاته ووضعهم صورته على الـ”تي شيرتات” التي يرتدونها، حتى إنهم أصبحوا يضعونه على غلاف الهاتف المحمول: “الناس يضعون أعمالنا في ألعاب الفيديو وغير ذلك، أعتبرها عملية ترويج لنا وأنا ممتن لكم للغاية، وأشكركم على ذلك”.

“أود فقط أن أقول إن بعض الناس لا يريدون البكاء بعد الآن، وآخرون أيضًا سواء أرادوا البكاء أم لا، فنحن نجعلهم سعداء ومبتهجين بسبب ما نقوم به، ونعدكم بأن نرسم دائمًا ابتسامة للجميع في هذا العالم، شكرًا جزيلاً لكم، ولكل معجبينا.. من دونكم لن تكون رقصة التابوت مميزة”، هكذا أنهى “إيدو” حديثه.

بسمة مشالي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى