وجهات نظر

لكل جماعة أجلٌ.. كيف سنرى “الإخوان” بعد 30 سنة؟

عماد عشماوي

في مارس 2028م (بعد 7 سنوات من الآن) تكمل جماعة الإخوان عامها المائة، ومع اقتراب قرن كامل من الوجود والاستمرار، يبدو التساؤل حول مآلها ومستقبلها مُلحا، وإن كان السؤال عن مستقبل الجماعة أو مرحلة ما بعد الإخوان ليس جديدا، فقد فرضت معارك الجماعة المتعددة عليها وعلى مؤيديها ومنتقديها على حد سواء أن يتناولوا مستقبلها في كل منعطف تاريخي مرت به، لكن اللحظة الحالية هي الأصعب في تاريخها، فقد وصلت إلى مرحلة التمكين ثم فشلت، ليس في الاستمرار، وإنما في المحافظة على وجودها وشعبيتها، حتى صار غدها في مهب الريح، مواجها سيناريوهات عدة نتناولها فيما يلي:

الأول: الانشقاق أو الانقسام

يقوم هذا السيناريو على افتراض حدوث انشقاق داخل الجماعة يؤدي لخروج مجموعة محدودة منها لتتبنى فكرة التخصص، سواء العمل الدعوي، أو العمل الحزبي، أو ممارسة العنف، ونتناول فيما يلي كل مسار وحظه من التحقق.

  • مسار الجمعية الدعوية

يفترض هذا السيناريو خروج مجموعة معتبرة في الجماعة من حيث قيمتها المعنوية ومناصبها القيادية ومعهم بعض أعضاء الجماعة لتكوين جماعة دعوية جديدة، وهو سيناريو ضعيف التحقق، فقد شهدت الجماعة محاولات في هذا السياق من قبل في فترة الحكم الملكي، مثل محاولة أحمد السكري إنشاء جمعية الإخوان المجاهدين الأحرار، وفكرة محمود عبد الحليم عند إعادة بناء الجماعة في السبعينيات، بأن يأخذ نشاطها وجهة ثقافية وفكرية بعيدا عن التنظيمات السرية والعمل السياسي المباشر، ومحاولة السيد عبد الستار المليجي إنشاء جمعية الإخوان المسلمين للتنمية البشرية وخدمة المجتمع عام 2008م، والتي باءت جميعها بالفشل لأن الجماعة قامت على فكرة الولاء المطلق النابع من الإيمان بفكرة مقدسة يُثاب عليها المرء ويجاهد في سبيلها بكل جوارحه وإمكاناته، فإن تم الاستغناء عن الجانب السياسي في الفكرة سقطت بالكلية وصارت غير إسلامية، خاصة في ظل القيادة الحالية التي تدير الجماعة كحزب سياسي وتتعامل مع أعضائها كدعوة دينية.

توجد أخيرا، محاولة حديثة لمجموعة من شباب الإخوان في السجون تحاول تدشين مشروع فكري تجديدي متكامل لمراجعة المنطلقات الفكرية التأسيسية للجماعة والفكرة الرئيسية التي سيطرت على الإخوان، والمتمثلة في أن التراجع السياسي هو سر تأخر العرب والمسلمين، بينما الصحيح من وجهة نظرها أن الأمة تراجعت حضاريا لا سياسيا فقط، ومن ثم يجب أن يركز التغيير على كل مناحي حياة الأمة وليس السياسة فقط، ما يستدعي التخلي عن فكرة الخلافة والخلط بين الدين والتنظيم، واعتبار المجتمع هو المظلة الكبيرة للعمل وليس التنظيم، وكذلك التخلي عن صيغة التنظيم الشمولي، وتكوين تيار فكري جماهيري يؤمن به ويحمله، وهي رؤية تحتاج إلى وقت لاكتشاف قدرتها على التحقق.

2-مسار الحزب السياسي

هذا السيناريو خضع للتجربة من خلال محاولات كثيرة طوال تاريخ الجماعة، منها محاولة مجموعة فتحي العسال إنشاء الحزب الجمهوري إبان النظام الناصري، ثم خروج مجموعة من جيل الوسط بقيادة أبو العلا ماضي تبنت مشروع حزب الوسط، وهناك أيضا المجموعات التي انشقت عن الإخوان بعد ثورة يناير، مثل: تجربة حزب التيار المصري وعبد المنعم أبو الفتوح في تجربة حزب “مصر القوية”، فلم تفلح أي منها في اجتذاب سوى عدد قليل من أعضاء التنظيم الفعليين وإنما قامت على الخارجين عن الجماعة، وهم قلة، وبعض المتعاطفين مع تجربة الإسلام السياسي والمؤمنين بفكرة المشروع الحضاري الإسلامي والمتوجسين خيفة من الإخوان، لكن جميعها فشلت وبقي تأثيرها هامشيا.

3- مسار العنف

وهو سيناريو تكرر كثيرا في حياة الجماعة بداية من محاولة عبد الرحمن السندي تكوين تنظيم إسلامي إرهابي عالمي، ثم الانشقاق الفكري لعدد كبير من أعضاء الجماعة أثناء محنة تنظيم 1965م، وكونّوا ما صار يعرف بـ”التيار القطبي” ومنه خرجت جماعة شكري مصطفى وصالح سرية، وحدث مثل ذلك أيضا في الثمانييات حينما انشق ما يزيد على المائة من إخوان جامعة الأزهر تحت قيادة مسؤولها محمد رشدي، وكانت مجموعة أقرب للتأثر بالأفكار القطبية واعتبرت أن الجماعة خرجت على الخط الإسلامي، وتكرر الأمر مع مجموعة محمد كمال والانقسام الذي حدث في 2015م بين فريقه وفريق القائم بأعمال المرشد، محمود عزت، وما رافق الانقسام من أحداث غامضة أدت إلى مقتل محمد كمال وأهم عناصر مجموعته واستمرار اختفاء “عزت” حتى قبض عليه.

هذا السيناريو ضعيف التحقق بسبب طبيعة الشعب المصري الذي سيلفظ الإخوان تماما إن لجؤوا إلى العنف بشكل سافر، كما أن قيادة الجماعة نفسها لن تلجأ إلى هذا السيناريو لأنه يهدد بانتهاء التنظيم وانفضاض غالبية أعضائها عنها في هذه المرحلة، ليس ذلك فحسب، بل إنه يسقط عن قادة الجماعة قناع الرؤية الإصلاحية الوسطية الذي يرتدونه منذ السبعينيات، كما أنه سيُفقدها تأييد الدول التي تحتضنها لأغراضها الخاصة لأنه سيُسقط كل اعتبار أخلاقي تدعيه تلك الدول في احتضانها الإخوان كجماعة دعوية إصلاحية تؤمن بالديمقراطية والسلمية والتعددية.

ومن ثم، فإن سيناريو التوجه نحو العنف الكامل ضعيف التحقق، لكنه لا يعني تخلي الجماعة عن العنف النسبي بدرجة مساوية أو أقل مما مارسته بالفعل في السنوات السابقة كجزء من إيمان وثقافة قادة التنظيم الحاليين وشرائح من شباب الإخوان التي تبنت انتهاج العنف بعد محنتها الأخيرة، وهو ما رأيناه في انضمام كثير من شباب الجماعة إلى تنظيمي القاعدة والدولة، سواء في سوريا أو في غيرها.

وبذلك يمكن القول إن المسارات الثلاثة السابقة يصعب تحققها لأن الجماعة في نشأتها وفي بعثتها الثانية قامت على أساس تنظيم حديدي ينكسر ولا ينقسم، فالشكل التنظيمي التراتبي في الجماعة وشبكة التربية الإخوانية المرتبطة بشبكة المصالح الاقتصادية وعلاقات النسب والمصاهرة والمصير المشترك، كلها تجعل من الصعوبة الشديدة أن تنقسم الجماعة، كما أن قيادة التنظيم واعية تماما لخطورة فتح الباب للانشقاقات، ولذلك تستخدم أدواتها العقيدية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية في عملية اختيار القيادات القاعدية، بغض النظر عن معايير الإيمان والإخلاص للفكرة الإسلامية.

السيناريو الثاني: البعث الثالث للجماعة

يقوم هذا السيناريو على افتراض إمكانية أن تتجدد الجماعة بشكل كامل، فتعود إلى فكرتها التأسيسية القائمة على التربية والدعوة حتى تكتسب ثقة الدول التي تعمل من خلالها دون الدخول في أتون السياسة بشكل مباشر، وهو سيناريو صعب التحقق في لحظتنا الراهنة، وإن كان ممكنا في المدى المتوسط مع حدوث تغيرات دراماتيكية، كما حدث من قبل مثل: قيام ثورة يوليو، وموت عبدالناصر، وتولي السادات ثم مقتله، ومجيء مبارك ثم خلعه ووصولهم إلى الحكم، وما أتاحته تلك التحولات من مساحة وفرصة للجماعة بأن تعود في ظل ظروف حتمت على خصومها استخدامها لتجاوز محنهم الذاتية وتحقيق مصالحهم الآنية.

هذا السيناريو مرهون بما يمكن أن تقدمه الجماعة لمخاطبة الأجيال الجديدة، وإنجاز عودة جديدة بكيفيات جديدة تناسب العصر مع التخلي عن الانغماس المباشر في الشؤون السياسية، وتدخل إلى المجتمعات دون خوف مرضي أو تبعية مهينة أو عداوة غشيمة.

لكن احتمال تحقق هذا السيناريو مرتبط بشروط مستحيل تحققها في الظروف الحالية تتمثل في:

1وجود نظام سياسي يميل للمهادنة أو المصالحة مع الجماعة، أو احتمال ميل النظام الحالي للمصالحة تحت وقع ظروف معينة، وهذا غفير متحقق، فالدولة القائمة ونظامها في الحالتين ستكون من أهم مفاتيح أي تجديد في وضع الجماعة.

2- تصفير المشكلات الخلافية بين الأطراف المتصارعة داخل الجماعة وتنحي القيادة الحالية خارج وداخل السجون وتعديل الرسالة الأيديولوجية بشكل جذري، والعودة للرؤية التربوية، ومن ثم تجديد التنظيم في الأجواء الجديدة مع احتفاظ الجماعة بالقدرة التنظيمية التي تميزت بها لأنها الدعامة للبعث الجديد، وتلك معضلة بحد ذاتها.

3- وجود موقف محايد أو غير رافض من القوى الإقليمية والدولية ذات الصلة والتأثير والنفوذ داخل الجماعة (أمريكا وأوروبا والخليج وتركيا) تجاه عملية التغيير القيادي وتغيير الخط الفكري للجماعة، ومن ثم إمكانية لعب دور الوسيط مع النظام المصري في اتجاه العودة أو على الأقل عدم الممانعة فيه.

4- محاولة جسر الهوة بين الروافد المتجددة للإخوان مع مختلف التيارات الإسلامية “السياسية وغير السياسية”، والمتدينين العاديين، بل وغير الملتزمين، لتخطي مرحلة الأزمة وبناء جسور حقيقية مع الجميع، وإعادة بناء الثقة بينها وبين مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء والإدارة العامة بشكل عام، وأن تستعيد ثقة الجسم الرئيسي للمؤسسة الدينية الرسمية: الأزهر الشريف والأوقاف.

5- طبيعة انحيازات الشباب المسجون والهارب بعد خروجه أو عودته، وماهية الأفكار التي تدور في أذهانهم في حالة تحقق هذا السيناريو، وهل يمكن أن يتحرروا من قوالب فكرية جامدة تربوا عليها لسنوات ودفعوا مقابلها ثمناً باهظا؟ وهل يمكنهم أن ينظروا للدولة والمجتمع نظرة إيجابية تسهم في إعادة بناء الجماعة وفق النهج الجديد؟

السيناريو الثالث: الزوال التدريجي للتنظيم

تعرضت الجماعة لأزمات كثيرة أوشكت فيها على نهايتها إلا أنها تعود للساحة من جديد، وهو ما جعل البعض يراها جماعة عصية على الزوال لكونها تمتلك قوة على الأرض أو كما يراها أعضاؤها جماعة “ربانية تحميها السماء”، ومن ثم فهي بعيدة كل البعد عن الانتهاء.

لكن الدراسة المتأنية لحالة الجماعة اليوم من: انقسامات داخلية، وفقدان للشرعية، واختراق لا مثيل له في تاريخها من قوى إقليمية ودولية باتت تتحكم في مصيرها، بالإضافة إلى تصدير خطاب المظلومية بما أوجد وحدة بين أعضائها، وإيواء بعض الأنظمة لها ودعمها، يجعل القول بقدرتها على الاستمرار هو أمل ضعيف جدا، خاصة أن العناصر السابقة سبب لاستمرارها وليس قدرتها الذاتية.

فالجماعة بحالتها وقيادتها الراهنة وبالظرف المحلي والإقليمي الحالي لن تتمكن من تقديم نموذج إسلامي يشابه الجماعة في نشأتها الأولى لاختلاف كل هذه الظروف تماما، كما أنها ليس لديها الفكر ولا المفكرون القادرون على تقديم ذلك النموذج وهي بحالتها الراهنة، ولا يمكن أن تتبنى الرؤية الوسطية لمفكرين مثل الغزالي أو فتحي عثمان لأنها تضرب رؤيتهما في الصميم، بل إنها لا تستطيع أن تقدم رؤيتها الإسلاموية المواربة التي اعتادت عليها طوال العقود الثلاثة الماضية، وهو ما يجعل عملية استمرارها مجرد كسب وقت حتى يظهر تيار جديد مصنوع من أصحاب المصلحة في ذلك من داخل وخارج المجتمعات المسلمة، أو أن يتبلور مشروع جديد يرث الجماعة ويعتمد طريقاً جديداً، دون الوقوع في براثن الكهنوت الديني أو الأفكار التبسيطية عن الخلافة، مستغلا تاريخ المشروع الإخواني لتلافي الأخطاء، وربما يكسب رضا كتلة حرجة من المجتمعات وعدم تصادمه مع الحكومات والقوى الإقليمية والدولية.

ولذلك يتوقع هذا السيناريو، في ظل ذهول الجماعة عن الإجابة الصحيحة على سؤال مستقبلها الوجودي وتركه للزمن وللقوى الخارجية تعالجه كما حدث كثيرا من قبل، غافلة عن أن لكل جماعة أجلا محتوما لا تتجاوزه عندما يتجاوزها زمانها وتفقد وظيفتها وحاجة المجتمعات إليها بعد أن فقدت غايتها، أن الجماعة ستختفي في غضون العقود الثلاثة القادمة.

عماد عشماوي

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى