زوايا

“لا يوجد أشرار بل سياسة فاشلة”.. لماذا انهارت أمريكا أمام كورونا؟

عرض لكتاب "عام الوباء" للورانس رايت

ما الذي حدث حقًا؟ استجابتنا للكوارث أمر مُحيّر، ويستحق دوام السؤال، ربما من باب استعادة التجربة لتفادي أخطائها في التجربة/التجارب اللاحقة.

خلال العام الماضي وجد العالم نفسه في حالة ذهول، وشبه تسمّر، أمام فيروس جامح غير معروف، اخترق كل قارات العالم، مخلفًا وراءه أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون قتيل. حتى الولايات المتحدة، أقوى قوى العالم، لم تنجُ من تداعيات الوباء، بل إن الولايات المتحدة تحديدًا كانت من أكثر بلدان العالم عرضة لعصف الجائحة، وذلك رغم كل شيء: القوة الاقتصادية العظمى، البحث العلمي، الجاهزية المسبقة لأي وباء عبر عمليات المحاكات التي لا تنتهي.

إذا لم يكن ثمة ما يدفع لطرح سؤال “ماذا حدث حقًا؟” في كل ما جرى في العالم بسبب كورونا، فإن ما جرى في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، لا بد أن يجعلنا نتساءل: “ماذا حدث حقًا؟”، وهو ما فعله الصحفي لورانس رايت في كتابه الأحدث “عام الوباء“، الذي تستعرضه سونالي ديرانياجالا في مقال نشر بصحيفة نيويورك تايمز، ننقله مترجمًا بتصرف فيما يلي:


قبل 16 عامًا، في لحظة أخرى من الدمار المرعب؛ انتزع تسونامي المحيط الهندي عائلتي مني، وما زلتُ أجد نفسي في حالة من الذهول حتى الآن. وبينما يظل ارتباكنا من مثل هذه الأحداث العجيبة قائمًا، إلا أننا ممتنون للوضوح الذي يأتي من محاولة فهم القصة الأكبر.

يعد كتاب “عام الوباء” لورانس رايت، بمثابة شهادة على عام كورونا في الولايات المتحدة. تدور أحداث الكتاب عندما “سقط فيروس كورونا في أيدي القطط” على حسب تعبير الكاتب.

يوضح الكتاب فشل الولايات المتحدة في التعامل مع الجائحة بشكل صحيح، إذ ما هي احتمالية أن يلقي أكثر من نصف مليون شخص حتفهم متأثرين بالفيروس في أقوى البلاد اقتصاديًا في العالم، إذا لم يكن هذا فشلًا؟

كتاب عام الوباء
لورانس رايت مؤلف كتاب “عام الوباء”

رايت الكاتب بصحيفة نيويوركر، نشر بها مقالًا أصبح بعد ذلك نواةً لكتابه “عام الوباء”، والذي يُعد إنجازًا فذًا لرؤيته البانورامية الفريدة.

يختلف هذا الكتاب عن كتابه الآخر الذي يحمل عنوان “البرج الذي يلوح في الأفق”، والذي ركز فيه على جذور تنظيم القاعدة، وعلى الأحداث التي أدت إلى هجمات 11 سبتمبر. كتاب “عام الوباء” يتنوع فيه الأسلوب، وينتقل من العلوم للسياسة للاقتصاد للثقافة بتدقيق بارع يثير دهشتنا حتى بشأن الأحداث التي عشناها مؤخرًا، وظننا أننا نعرفها جيدًا.

القصة التي يحكيها رايت حديثة للغاية، وأحيانًا حميمية بدرجة موجعة، وينطلق بها من قلب مركز العمليات لمواجهة الوباء أمريكيًا: البيت الأبيض، ومركز مكافحة الأوبئة والوقاية منها، والمعاهد الوطنية للصحة، ومستشفى “بلفيو” في مدينة نيويورك.

بالجملة، هذا الكتاب مليئ بالشخصيات والسير الذاتية والحكايات، كما أنه يتضمن حوارات، بعضها مخيف، مثل الحوار الذي دار بين جورج فو جاو، رئيس مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الصين، وهو يتحدث مع نظيره الأمريكي باكيًا، إذ قال: “أعتقد أنه قد فات الأوان”. هذه المحادثة دارت مطلع يناير 2020، حين كان لا يزال تأثير كورونا محدودًا جدًا.

صار من البديهي تقريبًا، أن نقول إن الكوارث “الطبيعية” لا تنتج عن أفعال الطبيعة الوحشية وحدها. هنا يتحد التاريخ والسياسة والمجتمع والاقتصاد، وحتى الحظ، ليضعونا على طريق الأذية؛ لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية الأولى بين دول العالم أجمع من حيث الجاهزية لمواجهة أي وباء. كانت هناك خطط، وأجريت عمليات محاكات لسيناريوهات مشابهة، فماذا حدث؟

وفقًا لرايت، وصل فيروس كوفيد 19 إلى الولايات المتحدة الأمريكية في لحظة ضعف من تاريخها. ثم يكشف عن أبعاد هذه اللحظة:

كارثة كورونا.. لا يوجد أشرار بل سياسة فاشلة

لا يوجد أشرار في هذه الحكاية، لا على مستوى الأفراد ولا المؤسسات. كل ما في الأمر أن السياسة، وحدها السياسة، هي التي سمحت لكورونا باختراق الولايات المتحدة.

كانت هناك إخفاقات استخباراتية بشأن جزء أساسي من المعلومات حول كورونا المستجد، وهو أنه فيروس ينتشر دون أعراض.

وحتى الاختبارات المبكرة للحالات المصابة بالفيروس، كانت مخزية على مستوى النتائج، بالأحرى على مستوى كل مراحلها. كان مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، المؤسسة الوحيدة المعنية بإجراء الاختبارات، ويبدو أنه لم يكن قادرًا على التعامل كما ينبغي مع الوضع، والأسوأ من ذلك أن العينات التي كان يجري عليها الاختبارات، تعرضت للتلوث، ما أدى لنتائج خاطئة.

من جهة أخرى، تحول ارتداء الكمامة إلى عملية مسيسة، وهكذا بات رفض الرئيس دونالد ترامب ارتداء الكمامة، أحد وجوه الانهيار الخطير للقيادة السياسية في تعاملها مع الجائحة، كما يذكر رايت في كتابه. يقول: “تحدى ترامب، الفيروس، أن يلمسه. كان أشبه بالملك لير بعد جُنَّ وصار يزأر في وجه العاصفة”. هنا تتدخل شخصية ترامب في السياسة، ويظهر بشكل جليّ كيف تصرف ترامب كمخرب بدلًا من أن يتصرف كقائد.

ترامب
كان رفض ترامب ارتداء الكمامة أحد وجوه الانهيار الخطير للقيادة السياسية الأمريكية في تعاملها مع الجائحة

براعة رايت في سرد ​​القصص تجعل كل هذا ينبض بالحياة، فهو عادة ما يستخدم، في عام الوباء، خبيرًا مرشدًا ليصحبنا ويصف لنا الأحداث وقت وقوعها. هذه التقنية أثبتت نجاحها، ففي البيت الأبيض لدينا مات بوتينجر، نائب مستشار الأمن القومي، وهو رجل أشقر يتحدث الصينية بطلاقة، وحين يتعلق الأمر بالفيروس، نراه في المقدمة دائمًا، في مواجهة الإدارة الأمريكية التي ترفض الاعتراف بحجم الكارثة.

يورد الكتاب حكاية مقتضبة لبوتينجر مع الإدارة الأمريكية في ظل جهود مواجهة كورونا، قد تكشف الكثير عن سياسات تلك الإدارة: عندما وصل بوتينجر إلى اجتماع حول كورونا، وكان يرتدي كمامة من نوع N95، يقال له: “لن يُسمح بارتداء الكمامات في الاجتماعات لاحقًا”!

هذا وتجدر الإشارة إلى أن أحداث رواية رايت الأخيرة، “نهاية أكتوبر”، الصادرة مطلع 2020، دارت حول فيروس مدمر!

إدارة متفاجئة.. وأخبار كاذبة

يوضح لنا كتاب “عام الوباء” حقيقة فشل الحكومة في وقت الأزمة، لتتفرع الأزمة إلى عشرات الأزمات، وتحدث الكارثة في ظل وجود إدارة متفاجئة على ما يبدو، فضلًا عن أنها غير مستعدة.

الحقيقة الرهيبة التي تكشفها لنا الكوارث مرارًا وتكرارًا، هي أن الكثير من الخسائر التي وقعت، كان الممكن تجنبها. يوضح لنا رايت أن الفيروس لم يكن السبب الوحيد في تفشي الوباء، فهناك التداعيات المميتة للأخطاء المبكرة التي ارتكبتها الحكومة والإدارة الأمريكية، لينتهي الأمر بموت هذه الأعداد الكبيرة.

ولإبقاء حالة التشويق يقدم لنا المؤلف تفاصيل عن أطباء شباب يكتبون وصياتهم، فنقرأ عن خوف بارني جراهام الكبير من ارتكاب أي خطأ أثناء عمله على إنتاج لقاح شركة مودرنا.

وفي فصل بعنوان “ثيلما ولويس” نرى ديبورا بريكس، مسؤولة ملف الكورونا في البيت الأبيض، وهي تذرع البلاد ذهابًا وعودة ثمان مرات، فقط من أجل الترويج لضرورة ارتداء الكمامات بين المحافظين.

كورونا في أمريكا
مظاهرة ضد ارتداء الكمامات في الولايات المتحدة الأمريكية

كما يتضح لنا أن المعلومة الزائفة التي زعمت أن دواء “هيدروكسي كلوروكين” المستخدم لعلاج أنواع معينة من الملاريا، قادر على العلاج من كورونا؛ كان مصدرها الأصلي تغريدة على تويتر نشرها يميني متطرف كان يعتقد أن كورونا سيدمر الحركة النسوية، أو دونالد ترامب!

اقرأ أيضًا: ما الذي علينا أن نعرفه عن اليمين المتطرف في أمريكا؟

سياق مستطرد

بالطبع، للكوارث الطبيعية خسائر اقتصادية وبشرية، وإن كانت الأخيرة أكثر صعوبة. ورغم أن الحكومة الأمريكية كانت تدفع مبالغ طائلة وغير مسبوقة للمساعدة في احتواء الأزمة، إلا أن البلاد شهدت في نفس اللحظة، أوبئة أخرى مختلفة. على سبيل المثال: كان الأمريكيون من أصل أفريقي ولاتيني، أكثر عرضة بثلاثة أضعاف للإصابة بكورونا، ما يعكس، ولو جزئيًا، تأثير الفقر على زيادة احتمالية الإصابة.

من ناحية أخرى، فإن مستوى الأطفال الناشئين في بيوت فقيرة أو متوسطة الحال، ضعف مستواهم الدراسي في مادة الرياضيات بنسبة 60% تقريبًا! وعلى هذا المنوال، يقدم الكتاب معلومات فريدة، مع الكثير من الاستطرادات، قبل العودة في كل مرة للقصة الرئيسية.

على سبيل المثال، ينطلق الكتاب من أزمة العنصرية العرقية في الولايات المتحدة، متمثلة في حادث مقتل جورج فلويد، ليشير إلى عدم المساواة العرقية الرازحة تحت التأثيرات المتباينة للوباء عبر المجتمعات. هناك مثلًا بعض الأمثلة المروعة، مثل: انضمت شرطة مينيابوليس إلى مستشفى المقاطعة وأجروا تجارب إكلينيكية استمرت سنوات، على تأثير دواء الكيتامين المهدئ، والذي يمكن أن يتسبب في توقف عضلة القلب. أجريت التجارب على عدد من المشتبه فيهم دون موافقتهم، وكان أغلبهم من أصول أفريقية.

ينقل رايت عن طبيب التخدير الأمريكي من أصول أفريقية، إيبوني هيلتون، قوله: “إن كان لديّ طفل الآن، فإن احتمالية موته أكبر بكثير من أي طفل آخر ولد في الماضي”.

في فصل مثير للاهتمام حول أصول فيروس كورونا، يتضمن الإشارة إلى النظرية الشهيرة بأن كورونا فيروس مُخلّق معمليًا؛ يقول رايت إن كورونا بمثابة “إنذار لأشياء قادمة”. حدوث خطر جديد، في ظل انقسام الشعب الأمريكي بهذا الشكل الكبير، هو أمرٌ مرعب.

حتى لا تنسى حكايات الأفراد

أخيرًا، كيف سنتذكر السنة الأولى من هذا الوباء بعد كل هذا الخراب الذي شهده العالم؟ يخبرنا رايت أن التاريخ طمس الحكايات الفردية للأشخاص الذي لقوا حتفهم في آخر جائحة شهدها العالم قبل كورونا، وهي إنفلونزا عام 1981. لذا فإن رايت، يحاول في كتابه توثيق بعض القصص الشخصية في ظل وباء كورونا، من بينها قصة أيريس ميدا.

اقرأ أيضًا: “كورونا يحكم”.. وباء يلاعب الصناديق.. ومرض ترامب ينتظر التعاطف

أيريس هي ممرضة متقاعدة حديثًا، نشأت فقيرة، فكان سريرها الأولى عبارة عن طاولة للكي. كانت أريس وضعت خطة لتقاعدها: ستستقل سيارة مكشوفة للمرة الأولى في حياتها، لتجوب البلاد. لكن الفرصة لم تكن سانحة لتنفيذ الخطة، إذ أصيبت بكورونا، لتموت بين يدي ابنتها التي كانت مرتدية قفازين وكمامتين.

في النهاية، يمكن القول إن رايت وضع في كتاب “عام الوباء”، حجر الأساس لإحياء ذكرى كارثة مروعة، وخلق مساحة لعدد كبير من أمثال ابنة أيريس، من أجل الحداد، والتساؤل أيضًا: ما الذي حدث حقًا؟!

غادة محمد محمود

مترجمة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى