لماذا تجتذب التكنولوجيا مرضى "التوحد"؟

وصف تيم بيرنرز، مبتكر شبكة الإنترنت، النسخة الحالية منها، بأنها معادية للإنسان وأنها أفشلت الإنسانية، بدلاً من خدمتها.

فيما اعتبرها أستاذ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وناشط الإنترنت، ورائد التكنولوجيا إيثان زوكرمان، بمثابة الدليل على الإخفاق البشري التام، وأن وعود وادي السيليكون بجعل العالم مكانًا أفضل يتحول إلى كلام فارغ بشكل متزايد، حيث يتضح أن قيمه ونواياه أفسدها نظام يواصل إعطاء الأولوية للأشياء الخاطئة أولها وأهمها: الأرباح!

ممارسات رجل مثل مارك زوكربرغ – أطاح برفاقه من “فيسبوك منذ اللحظة الأولى- وإحالته للتحقيق أمام الكونغرس كل فترة تثبت ذلك طوال الوقت!

بهذه المصارحة القاسية يتحدث كثيرون من تخصصات شتى… فما القصة؟

تيم بيرنرز.. مبتكر شبكة الإنترنت
بروفايل كئيب

يقع وادي السيليكون، قرب خليج سان فرانسيسكو شمال كاليفورنيا، ويمتد 15 ميلاً، وهو موطن بعض أشهر شركات التكنولوجيا: آبل، وفيسبوك، ونيتفليكس، ولينكد إن، وجوجل، وهيوليت باكارد، وإنتل، وسيسكو، وإي باي، وغيرها الكثير. ورغم ما سبق فإن شوارعه ليست كالمتوقع نظيفة وآمنة ومرتبة، لكنها أقرب للضواحي.

 ويحوي الوادي الصناعة الأكثر ربحية والأسرع نموًا وتأثيرًا في تاريخ البشرية. وبحسب ريد هوفمان مؤسس “لينكد” فإن الوادي عقلية وليس موقعًا.

ومركز الهوية التاريخية للمنطقة، العدد الهائل لقصص النجاح المالي. منذ “فورة الذهب” في القرن التاسع عشر، وقد استمرت الولاية مرتبطة بريادة الأعمال، والمخاطرة. والثروة الهائلة للمنطقة يقابلها انعدام شبه تام للمساواة الاقتصادية.

والرواية القائلة بأن المنطقة ككل تستفيد من نجاح وادي السيليكون مضللة للغاية. فقد أصبحت من أغنى المقاطعات في البلاد، بعد مدينة نيويورك.

لكن على النقيض من نيويورك، التي لديها قوانين الحق في المأوى، فإن سان فرانسيسكو ليست ملزمة قانونًا بتوفير مأوى، ما أدى إلى وجود مشردين ومدن خيام، والتكلفة السنوية لتنظيف القمامة وبراز البشر من الشوارعها تبلغ 30 مليون دولار.

ريد هوفمان مؤسس لينكد إن

 وبعد جولة في مانيلا وجاكرتا والأحياء الفقيرة في مكسيكو سيتي، قام المقرر الخاص للأمم المتحدة ليلاني فرحة بزيارة لتقييم وباء التشرد ووصفه بأنه انتهاك مؤسف لحقوق الإنسان.

وأشار الدكتور لي رايلي، عالم الأمراض المعدية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، إلى أن أجزاء من المدينة ملوثة بالفعل بالنفايات والبراز أكثر من بعض الأحياء الفقيرة الأكثر قذارة في البرازيل وكينيا والهند، حيث تميل المساكن العشوائية في هذه البلدان إلى أن تكون أكثر ثباتًا، بينما مجتمعات المشردين في سان فرانسيسكو تنقل من جزء من المدينة إلى آخر. والبعض يعيش في خيام ويستحم في صالة الألعاب الرياضية.

عباقرة وادي السيليكون ومرضاه

يُكرِّر الكاتب “لي بيرنرز ” كثيراً أن السبب الجذري لهذا الأمر يعود إلى الشركات التي تعمل على جني الأرباح لحد أقصى حد بدلاً من الصالح الاجتماعي. وصناعة التكنولوجيا الحديثة وعلى وجه التحديد منصات الوسائط الاجتماعية والبيانات الضخمة وتكنولوجيا الهاتف المحمول والذكاء الاصطناعي، تهيمن بشكل متزايد على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.  ومن المفاجآت التي يكشف عنها الكتاب أن الشركات، في البداية، كان من الصعب عليها معرفة المهارات المطلوبة لهذه المهنة الجديدة تمامًا. وكانوا بحاجة إلى مبرمجين جيدين ولم تكن لديهم فكرة محددة عن المهارات اللازمة. فكيف يمكنك توظيف أشخاص لمهنة من هذا القبيل؟

وادي السيلكون

من أجل تحديد نوع الأشخاص الذين يبحثون عنهم، بدأت صناعة الكمبيوتر في استخدام اختبارات الكفاءة. وفي منتصف الستينيات قامت شركة برمجيات بتعيين اثنين من علماء النفس: ويليام كانون وداليس بيري، لبناء مقياس مهني، ونُشرت النتائج التي توصلوا إليها في ورقة بحثية عام 1966، تناولت بالتفصيل سمتين رئيستين للمبرمجين: الاهتمام بحل الألغاز، وعدم الاهتمام بالناس. وكان الغالب على الجيل أول منهم أن يكونوا: ذكورًا معادين للمجتمع، وميالين للرياضيات. وقد وجد سايمون بارون كوهين، عالم النفس بجامعة كامبريدج، أن المصابين بالتوحد أو أصحاب سمات مصابي التوحد (أسبرجر) مُـمثَّلون بشكل كبير في هذه الصناعة. وهؤلاء يميلون إلى إظهار تفكير منطقي قوي ويكونون بارعين بشكل خاص في العمل الذي يركز على انتقاء الأنماط في المعلومات وتمييز القواعد المنطقية التي تحكم الأنظمة.

 وفي عام 2012، نشر الصحفي التكنولوجي ريان تيت مقالًا قال فيه إن عدد المهندسين المصابين بأسبيرجر كان يتزايد في منطقة الخليج. ووصف رجل الأعمال بيتر ثيل انتشار مرض أسبرجر في وادي السيليكون بأنه متفشٍ.

الغطرسة وفقر الذكاء العاطفي
تطبيقات التواصل الاجتماعي

هناك فوائد يجلبها تعيين عمال عقلانيين للغاية، ذوي مهارات فنية، وهناك عيوب في التمثيل المفرط للذكاء المعرفي بدلًا من الذكاء العاطفي.

والنتيجة: نقص التعاطف، في جميع أنحاء الصناعة. ويتم تعريف التعاطف بأنه القدرة على إدراك مشاعر الآخرين وعواطفهم والقدرة على وضع الذات بشكل افتراضي في وضعهم.

وكما يوضح بيتر بازالجيت في كتابه: غريزة التعاطف، غالبًا ما يكون هناك عرض واضح لنقص النشاط في أجزاء الدماغ المرتبطة بالتعاطف لدى أولئك الذين يُظهِرون بشكل طبيعي مهارات تحليلية أكثر من المهارات العاطفية.

ويُشار إلى هذه المناطق مجتمعة باسم: دائرة التعاطف. وأشارت دراسات حديثة إلى أن مرض ألكسيثيميا، وليس التوحد نفسه، هو المسؤول عن تناقص التعاطف. وتوصف ألكسيثيميا بأنها العجز عن تحديد المشاعر تجاه الذات والآخرين، وبينما يصاب به 10% من البشر، فإن حوالي 50% التوحديين يعانون من ألكسيثيميا. وهذا أدى إلى الخلط بين التشخيصين.

أليكس ستاموس، كبير مسؤولي الأمن في فيسبوك سابقًا، الذي يحاضر الآن حول الأمن السيبراني وسياسة التكنولوجيا في ستانفورد، يؤكد وجود مشكلة حقيقية مع فعل “التعاطف” في هذه الصناعة: “فنحن عاجزون حقيقية على وضع أنفسنا في مكان الناس الذين الذين يستخدمون منتجاتنا”.

أليكس ستاموس.. كبير مسؤولي الأمن في فيسبوك

أما لينوس تورفالدس، مبتكر نظام التشغيل لينوكس، فيحذر من احتمال أن يظل العاملون في الصناعة بعيدًا عن المشكلات الاجتماعية الأوسع نطاقًا التي يصنعونها بسبب المنتجات التي ينشئونها، مثل ظهور المعلومات المضللة أو الاستغناء عن الوظائف التكنولوجية.

وقد كتب إم. جي. سيجلر، وهو شريك عام في مشروعات جوجل وخبير قديم في وادي السيليكون، محذرًا من نقص الوعي بالتكنولوجيا وانزلاق العاملين في الصناعة في منحدر فقدان الاتصال بالواقع.

وعزز نجاحهم ما يصفه البعض بالغطرسة الصريحة، وتنبع من الاعتقاد بأنه لا مشكلة لا يمكن للتكنولوجيا حلها.

ولدى كثير من العاملين فيها قناعة راسخة بأنهم الأذكى والأكثر ملاءمة لحل المشكلات التي تم تكليفهم بها، وبالتالي لا يمكنهم تعلُّم أي شيء من أي شخص آخر.

تكنولوجيا من أجل الخير؟

 يعود الفضل إلى مارجريت وينماشرز، الشريك التشغيلي في شركة أندرسن هورويتز للاستثمار، في تكريس الصورة السائدة عن وادي السيليكون.

ففي عام 1997 أسست شركة اتصالات وتسويق تمثل الآن فيسبوك وأمازون والعديد من عمالقة التكنولوجيا الآخرين. ومنذ عام 2010، تم تكليفها بإنشاء ونشر مجموعة  قصص تربط القصص المتباينة في سلة الشركات الناشئة بسرد متماسك حول التأثير الأوسع للتكنولوجيا على الأعمال.

وفي حين أن وينماشرز ليست مسؤولة وحدها عن السردية السائدة عن وادي السيليكون، فهي مثال جيد على كيف ولماذا تعمل الأساطير الحديثة في صناعة التكنولوجيا.

وينماشرز وخبراء التسويق الآخرين  قدموا بهدوء رواية شكلت كيف يرى العالم وادي السيليكون وكيف يرى الوادي نفسه، وروجوا لقصص مؤسسين متحمسين لكن ذوي نوايا حسنة، هم أبطال ورواية: “التكنولوجيا من أجل الخير” التي تحيط بها الشبهات بشكل متزايد، نظرًا لانكشاف المزيد والمزيد من حقيقة أن أساطير وادي السيليكون غير صادقة.

ويحذر جورج أبي هيلا، رئيس قسم الاستحواذ ونمو المنتجات في شركة ستيشن التي تتخذ من باريس مقراً لها، من الانخداع بشعارات الشركات لعملاق الإنترنت مثل: فيسبوك وجوجل وأمازون. ويوضح أبي هيل أن الشعارات إلهاء عن الأهداف الحقيقية لشركات هذه الصناعة. وهذا الكلام التسويقي المزيف أسهل بكثير من الاعتراف بأن المهمة هي التهام البيانات الشخصية حتى نتمكن من استهدافك بالإعلانات!

مارك زوكربيرغ.. مؤسس فيسبوك

فما حدث بالفعل هو أن نمو ثراء وادي السليكون زاد اندماجه في عالم رأس المال الاستثماري. وبحلول أوائل القرن الحادي والعشرين، بدأت ولادة الرأسمالية التكنولوجية. مع تدفُّق الأموال والفوائد على الوادي، وبدأ التحول في القيم. ومن بين المشاكل العديدة الناشئة عن تفكير وادي السيليكون، تجاهل حجم القضايا الإنسانية والاجتماعية وتعقيداتها طويلة الأمد، إلى جانب الغرور الذي يفترض أن الخوارزميات الصحيحة يمكنها حل أي مشكلة.

مسلحين بهذا الاعتقاد وبدعم من التدفق الحر لرأس المال المغامر، ولد عددًا غير مسبوق من الشركات، تعمل على أساس الاعتقاد بأن التطبيق أو النظام الأساسي الخاص بهم سيغير العالم.

 وفي عام 2014، شق 48 مليار دولار طريقه إلى الشركات التكنولوجية الناشئة وتلقى نصفها وادي السيليكون. والتفكير في إيجاد الحلول في صناعة التكنولوجيا سيكون له عواقب غير متوقعة يمكن أن تسبب في النهاية ضررًا أكبر من المشكلات التي يسعون إلى معالجتها. وإذا كانت المعلومات قوة في العصر الرقمي (وهي كذلك)، فإن لجوجل ادعاء عادل بأنها أقوى شركة في العالم. لقد جمعت ورقمنت ورتبت وقدمت معلومات أكثر من أي شركة في التاريخ.

في الوقت نفسه هناك مشكلة الموقف الأبوي الإشكالي لمنصات مثل فيسبوك: “نحن نعرف ما الأفضل لك، أفضل مما تفعله … سنقوم بتدوير الخوارزميات، وأنت تستهلك ما نضعه أمامك”!

إدمان التواصل الاجتماعي - تعبيرية

وهناك بالتأكيد بشر رائعون يعملون في مجال التكنولوجيا، لكن افتراض أن دافعهم الإيثار بدلاً من الأرباح، وهمٌ ثقافي خطير. وفي استطلاع في الفترة من أكتوبر 2017 إلى مارس 2018، تبين انخفاض تفضيل فيسبوك (–28%، أمازون (–13%، جوجل (–12%)، وتويتر (– 7٪).

وفي مقال رأي نُشر عام 2019 في نيويورك تايمز، أعرب الشريك المؤسس لشركة فيسبوك، كريس هيوز، عن قلقه من أن التركيز على النمو يقوض سلامة المستخدمين، وأمن المعلومات، والحضارة.

هامش:

المقال اعتمد على كتاب: “علم نفس وادي السيليكون.. التهديدات الأخلاقية والذكاء العاطفي في صناعة التكنولوجيا” للمؤلف: كاتي كوك، بالجراف ماكميلان، بريطانيا 2020

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ممدوح الشيخ

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram