لماذا تخشى دول الخليج وصول "بايدن" للحكم؟

إذا تأملنا تاريخ العلاقات الاستراتيجية الخليجية-الأمريكية منذ عام 1945، حينما تم توقع اتفاق “كوينسي” بين الملك السعودي المُؤسِّس “عبدالعزيز آل سعود” والرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت”، وحتى عام 2011، قبيل الربيع العربي؛ ربما نجد في “جو بايدن” المرشح الرئاسي للانتخابات الأمريكية، خيارًا مثاليًّا بالنسبة لدول الخليج، فهو ابن مؤسسة الحكم في واشنطن، التي أقامت علاقات استراتيجية متينة على مدار عقود مع الدول الخليجية.

الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قبيل توقيع اتفاقية كوينسي

“بايدن” خبير في السياسة الخارجية، وصاحب عقود من الخبرة في واشنطن. بدأ مسيرته السياسية عام 1973 كسيناتور في مجلس الشيوخ الأمريكي، وأُعيد انتخابه 6 مرات، وترشح للرئاسة 3 مرات في أعوام 1988 و2008 و2020، وشغل منصب نائب الرئيس مدة 8 أعوام في عهد الرئيس “باراك أوباما“.

على الجانب الآخر، جاء “دونالد ترامب”، رجل الأعمال الأمريكي الجامح، من خارج منظومة الحكم، دون خبرة سياسية تُذكر، والذي لا يعرف سوى لغة المال والصفقات.

إلا أن الخبرة السياسية التي مرّت بها العلاقات الخليجية-الأمريكية خلال العقد الماضي ربما تُخالِف المنطق السياسي للعلاقات التاريخية بين الطرفين. ومن ثَمَّ تدفع دول الخليج لتفضيل “ترامب” عن نظيره “بايدن”. بل وربما ترى في الأخير تهديدًا لمصالحها السياسية وخططها المستقبلية في المنطقة.

استعادة سياسات "أوباما"

يمكن القول إن جوهر المصالح الأمريكية-الخليجية ينقسم إلى مستويين:

  • الأول: يشمل المصالح الحيوية التي توصف بالاستراتيجية الأساسية، والتي من غير المرجح أن تتغير في المستقبل المنظور، من حيث: أمن الطاقة، وحاجة واشنطن لنفط الخليج، ومكافحة الإرهاب الذي تتعرض له المصالح الأمريكية في المنطقة.
  • الثاني: يتضمن المصالح المهمة، وتتعلق باستقرار أسعار النفط في الأسواق العالمية، وعدم إتاحة الفرصة لأي طرف للتلاعب في سعر الطاقة أو استخدام النفط كسلاح سياسي، فضلًا عن ارتباط ذلك بأمن الخليج والذي يقتضي ردع أي محاولة لتهديده أو التأثير عليه سلبًا.
أوباما يدعم نائبه السابق بايدن في السباق إلى البيت الأبيض

وجاءت موجة الثورات العربية، لتسبّب قدرًا كبيرًا من الإرباك على صعيد المستوى الثاني، فقد اتجهت إدارة “أوباما” (ونائبه بايدن) إلى سياسة “التحوّل إلى آسيا”، والتي صاحبتها بداية الانكفاء عن منطقة الشرق الأوسط، وتحميل دول الخليج مسئولية الدفاع عن نفسها، وحل نزاعاتها بنفسها.

كما أن إدارة “أوباما” تخلت عن دعم بعض حُكّام المنطقة العربية الذين أسقطتهم الثورات، ضمن أجندة أمريكية جديدة للإصلاح السياسي، والتي لم تتوافق مع رغبات ومصالح الدول الخليجية حينئذ.

الأمر الذي دشّن لحقبة جديدة في العلاقات الأمريكية الخليجية امتدت إلى عام 2016، وشابها التوتر وعدم التوافق، وتكلّلت بتوقيع واشنطن للاتفاق النووي مع طهران عام 2015، الذي رأت فيه دول الخليج “خيانة” لمصالحها وأمنها القومي.

لذلك، بدا الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، رغم جموحه السياسي ومزاجه المتقلب، حليفًا جيدًا. فهو من ناحية أعاد الملف الإيراني إلى نقطة “الصفر”، فألغى الاتفاق النووي وغلّظ العقوبات الاقتصادية عليها، ثم ما لبث أن أيّد دول الخليج في معظم تحركاتها السياسية والعسكرية في المنطقة، أو على الأقل لم يعارضها، كما حدث في مقاطعة قطر.

ترامب أعاد الملف الإيراني إلى نقطة الصفر.. وأيد الخليج

وبناءً على ذلك، تبدو المقارنة بين “ترامب” و”بايدن” بالنسبة لدول الخليج، في غير صالح الأخير، فهو بالتأكيد محسوب على سياسات إدارة “أوباما”، ويعزز من هذا الطرح خلفيات مساعديه ومستشاريه المحتملين داخل البيت الأبيض، فجميعهم خدموا في إدارة أوباما، وصاغوا سياسة واشنطن تجاه دول الخليج.

ومن بين أبرز هولاء هو “توني بلينكن”، أحد مستشاري “بايدن” الحاليين، والذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد “أوباما”، والذي يعارض فكرة دفع الدول الخليجية لتأسيس حلف “ناتو عربي”.

كما أن “بايدن” حينما كان نائبًا لأوباما عام 2014، اتهم السعودية والإمارات (بجانب تركيا) صراحةً بـ”تمويل الإرهاب في المنطقة”، وذلك في محاضرة ألقاها في جامعة هارفارد حول سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. حيث قال: “إن مشكلتنا الكبرى كانت حلفاءنا في المنطقة. الأتراك أصدقاء كبار لنا وكذلك السعودية والمقيمون في الإمارات العربية المتحدة وغيرها، لكن همهم الوحيد كان إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، لذلك شنوا حربًا بالوكالة بين السنة والشيعة، وقدموا مئات الملايين من الدولارات وعشرات آلاف الأطنان من الأسلحة إلى كل من يقبل بمقاتلة الأسد”.

محاضرة بايدن في جامعة هارفارد عن سياسات الشرق الأوسط

ولكن سرعان ما قدّم “بايدن” اعتذرًا عن هذه التصريحات، وأوضح وجهة نظره للأطراف المعنية حينئذ.

سياسات "بايدن" المحتملة تجاه الخليج

يعود السبب المباشر في عدم تفضيل دول الخليج لبايدن، إلى برنامجه الانتخابي، حيث تعهّد “بايدن” بالعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وقال عن ذلك إنه: “إذا عادت إيران للامتثال بالتزاماتها النووية، فإنني سأعود مجددًا لخطة العمل الشاملة المشتركة، وسأستخدمها كنقطة للانطلاق في مواجهة تصرفات طهران الخبيثة الأخرى في المنطقة”.

ويُعد هذا مؤشرًا قويًّا على أن معسكر “بايدن” ربما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، والتوصل إلى اتفاق أقوى بجداول زمنية مطولة.

ويدعم مستشارو “بايدن” فكرة الحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، ويعارضون خيار المواجهة العسكرية لإنهاء التوترات بين الطرفين، والسماح لإيران بأن تؤدي دورًا في حماية أمن شركاء أمريكا، وهو ما قد يُعزز من دور سلطنة عمان، الأقرب من دول المجلس لطهران سياسيًّا ودبلوماسيًّا، لتكون وسيطًا محتملًا كما كان الحال أيام إدارة “أوباما“.

كما تعهّد البرنامج الانتخابي لبايدن بإنهاء “الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن”، واعتبر أن مسئولية المجتمع الدولي تتطلب أن يتم وقف الحرب، “وعلى الولايات المتحدة دعم الجهود الدبلوماسية، لا عرقلتها”، ومن ثَمَّ من المتوقع ألا تكون مبيعات الأسلحة ضمن أولويات تعامله مع دول السعودية وباقي دول الخليج.

الحرب في اليمن

بل ويعتقد بعض المحللين أن “بايدن” قد يُضطر إلى التحرك نحو حظر تصدير السلاح إلى بعض الدول الخليجية.

ويبدو أن السعودية قد تكون أكثر المتضررين من وصول “بايدن” إلى البيت الأبيض، فقد تحدّث عن تصوره للعلاقة مع الرياض على موقعه الرسمي، دون ذكر بقية العواصم الخليجية.

فبجانب سعيه المحتمل لإيقاف حرب اليمن، وحظر تصدير السلاح إلى الرياض؛ يبدو أن إحدى القضايا الداخلية التي تُؤرِّق “بايدن” في تعامله مع المملكة هي القضايا الحقوقية، والتي تستدعي -وفقًا لتصريحاته- ممارسة ضغوط على قادة السعودية لاحقًا من أجل “علاقات صائبة”.

وعلى خلاف السعودية، لم يذكر “بايدن” أي عاصمة خليجية للحديث عن شكل علاقة بلاده معها حال صعوده لمنصب الرئيس الأمريكي، وهو ما يعزز من احتمالية استمرار العلاقات بالصيغ القديمة نفسها خلال ولاية “أوباما”، حين كان “بايدن” نائبًا له.

التحضير لرئاسة "بايدن"

لعقود كانت العلاقات الثنائية الوثيقة والواسعة مع الولايات المتحدة هي أفضل وسيلة لتعزيز الأمن والدفاع في المنطقة، ولكن فترة رئاسة “أوباما” أحدّثت تآكلًا كبيرًا في ثقة دول الخليج العربية بدور واشنطن باعتبارها ضامنًا رئيسيًّا لأمن الخليج على المدى الطويل.

ومن ثَمَّ راحت دول الخليج تبحث عن وسائل جديدة للتعامل مع الفراغ الذي تواجهه، سواء من خلال تعزيز قدراتها العسكرية على مستوى التسليح والتدريب، أو تشكيل أحلاف إقليمية جديدة في مواجهة التهديدات الإيرانية.

توقيع اتفاقتي السلام بين الإمارات والبحرين وإسرائيل بالبيت الأبيض

ونظرًا لتخوّف دول الخليج من وصول “بايدن” إلى سدة الحكم؛ فقد أسرعت في عملية التطبيع الرسمي مع إسرائيل. فمن جهة تكون قد ضمنت وجود “حليف إقليمي قوي” إلى جانبها في مواجهة إيران، بغض النظر عن الموقف الأمريكي الرسمي. ومن جهة أخرى تستطيع دول الخليج استغلال علاقتها مع تل أبيب للضغط على واشنطن في مختلف القضايا، وهو الضغط الذي ربما يجبر “بايدن” على تغيير دفة سياساته، وهو المعروف بتأييده القوي لإسرائيل، وطالما وصف نفسه بـ“الصهيوني”.

كما أنه وجد نفسه مضطرًا لتأييد اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات، واصفًا إياه بأنه “خطوة إيجابية”، رغم أن هذه الخطوة تصب في صالح حظوظ منافسه “دونالد ترامب“.

ختامًا، ليس هناك ضامن بأن سياسات “بايدن”، حال توليه الرئاسة الأمريكية؛ ستكون في غير صالح دول الخليج، فالمنطقة وتفاعلاتها في حالة سيولة دائمة، كما أن اتفاقات التطبيع الخليجية-الإسرائيلية المتتالية ربما تقلب معادلة السياسة في واشنطن تجاه المنطقة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد محمود السيد

باحث في العلوم السياسية

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram