سياسة

لماذا تزدهر عمليات “داعش” الإفريقية حاليا؟

ما كاد العام 2021 يأخذ موضعه على خريطة الأحداث، إلا وكان اسم تنظيم "داعش" يفرض حضوره بقوه على الأخبار الواردة من دول القارة الإفريقية

ما كاد العام 2021 يأخذ موضعه على خريطة الأحداث، إلا وكان اسم تنظيم “داعش” يفرض حضوره بقوه على الأخبار الواردة من دول القارة الإفريقية، ورصد المراقبون إقدام مسلحي التنظيم على تهجير “آلاف اللاجئين الطوارق على الحدود المالية مع بوركينا فاسو، فضلاً عن استيلاء آخرين على قاعدة عسكرية شرق نيجيريا”، وتواكب ذلك مع عودة حاملة الطائرات الفرنسية، شارل ديجول، إلى مهمة عمل تتعلق بـ”مكافحة الإرهاب” في شرق المتوسط.. فكيف استعاد التنظيم توازنه في القارة السمراء، وإلى أي مدى أسهم الاضطراب الحاصل في ليبيا في مد مسلحيه بالسلاح والرجال؟

بحسب ما تقدر “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” فإن “العنف المستمر في منطقة الساحل الإفريقي أدى إلى نزوح أكثر من مليوني شخص داخل حدود بلدانهم للمرة الأولى على الإطلاق”، وتشير المنظمة الأممية إلى أن “منطقة الساحل (تضم بوركينا فاسو وتشاد ومالي والنيجر) هي موطن لبعض أقل البلدان نمواً في العالم”، رغم ذلك، فإن “العنف أجبر (حتى يناير 2021) 21 ألف شخص في النيجر وبوركينا فاسو على الفرار من ديارهم والبحث عن ملاذ داخل بلدانهم”.

يفاخر “داعش” بدوره في إزكاء تلك الأزمات، فقد تبنى صراحة في منتصف يناير الماضي مسؤوليته عن “هجوم دموي على قوات الأمن في النيجر أسفر عن مقتل 89 من عناصرها”.

أما في نيجريا فقد تمكن مسلحون مرتبطون بـ”داعش”، في 16 يناير الماضي من السيطرة على “قاعدة عسكرية في ولاية (بورنو) جنوب شرقي البلاد”.

ولم يكن الحال أفضل في مالي، جارة نيجيريا والنيجر، إذ أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجومين منفصلين على قواعد عسكرية، وسط اضطراب متصاعد بفعل الانقلاب الذي شهدته مالي في أغسطس من العام الماضي، بينما حاول مقاتلون يدينون بالولاء لتنظيم “القاعدة” مجاراة السياق التنافس الأصولي عبر تبني هجمات أخرى في نفس البلد وراج ضحيتها جنود فرنسيين.

مسلحو داعش في جنوب الصحراء الأفريقية

أين المنافذ؟

لا يمكن بطبيعة الحال استبعاد أثر الحدود غير الخاضعة للسيطرة، وهشاشة الأنظمة المحلية أو ضعف التأهيل والتسليح للجيوش الرسمية في دول الساحل، التي تعتمد في محاربتها للمتطرفين على إسهامات فرنسية وأخرى دولية، كمرتكزات أساسية عند محاولة فهم سبب عودة “داعش” للواجهة في تلك المنطقة، معيداً سخونة المنافسة مع أمثاله من المتطرفين، “بوكو حرام” والموالين للقاعدة، غير أن نظرة فاحصة على النطاق الجغرافي وخريطة تلك الدول ونقاط تماسها يجعل الحقائق أكثر وضوحاً، وتظهر الساحة الليبية القريبة جغرافياً والمهترئة استراتيجياً كممر مركزي في عبور التسليح والمقاتلين لعناصر داعش في كل من النيجر ونيجيريا ومالي.

وتشير مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبيرة في الشؤون الأفريقية الدكتورة، أماني الطويل، إلى أن “ضعف القدرة على ضبط الحدود الوطنية أسهم في عودة أنشطة “داعش” مرة أخرى في شرق إفريقيا، فضلاً عن دخول تلك الفلول المتطرفة الفارّة من سوريا والعراق في نوع من العلاقات مع كيانات محلية، خصوصاً في منطقة ما بعد بحيرة تشاد”.

وبسبب تركيز تركيا على نقل ودعم الكثير من المسلحين القادمين من فلول “داعش” في سوريا والعراق، باتت ليبيا محطة أساسية في عمليات إعادة التموضع لمقاتلي “تنظيم الدولة”.

ويتكامل الموقف السابق مع ما ذهب إليه الرئيس النيجيري، محمد بخاري، مطلع العام الجاري، والذي قال صراحة إن “زعزعة الاستقرار في ليبيا في عام 2011 نتجت عنه آثار وخيمة على أمن دول إفريقية أخرى بما في ذلك نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون وغيرها”، وزاد أن “(الإرهاب) أصبح مثل طاعون يمكن أن ينتشر في أي وقت ما لم يتم اتخاذ إجراء موحد ضده”.

وتلفت “الطويل” إلى أن “أي منطقة تزداد فيها القبضة الأمنية أو تُستعاد فيها قدرات الدولة أو حتى تكون هناك قدرات إقليمية صديقة تدعم الحالة الأمنية، ستدفع بلا شك الجماعات المتطرفة للهروب إلى مناطق أخرى تتسم بأوضاع أكثر هشاشة لإيجاد فرصة للتمدد”، مشيرة على وجه خاص إلى “تعاون خاص يربط تلك الكيانات المتطرفة مع عصابات الجريمة غير المنظمة التي تعمل في تهريب البشر والمخدرات والخمور”.

مقاتلو داعش

وبشكل إحصائي، وبحسب إفادة لمؤسسسة “سلفيوم” للدراسات والأبحاث الليبية، في ديسمبر الماضي، فإن “عدد رحلات الشحن الجوي العسكري التركي إلى ليبيا بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار (بين الجيش الوطني وحكومة الوفاق) في أكتوبر الماضي بلغ 40 رحلة”، وبشكل إجمالي فقد وصل “عدد رحلات الشحن العسكري من قواعد تركية إلى غرب ليبيا من منتصف مارس حتى نهاية العام الماضي 172 رحلة”.

إذن، فنحن نتحدث عن كمية هائلة وصلت حديثاً تتضمن -على الأقل- عشرات آلاف من قطع السلاح جاءت فقط بطريق الجو، غير أنها مُكبلة بمراقبة أممية ودولية صارمة هذه المرة بعد توقيع اتفاق الهدنة بين طرفي الأزمة في ليبيا، وسيكون من الصعب ظهورها في نطاق عملياتي كبير، ما يمكن معه توقع تهريب وتسريب كثير من تلك الأسلحة إلى دول الجوار الليبي.

وفضلاً عن الأسلحة المنقولة خلال الأشهر الثلاث الماضية، فإن ليبيا يوجد بها فعلياً ما يزيد على 20 مليون قطعة سلاح بحسب تقديرات أممية في فبراير الماضي، وستكون هذه الترسانة هي الأخرى، في ظل استمرار فرض الهدنة منذ أكتوبر الماضي، هدفاً للنقل ومحاولة التربح.

داعش في أفريقيا

تطويق فرنسي

وإذا كان الواقع الميداني يؤكد استمرار نقل الأسلحة إلى ليبيا ثم تهريبه بعد ذلك إلى متطرفي الجوار في نيجيريا والنيجر ومالي، وهي دول نطاق عملياتي ونشاط فرنسي كبير يعود إلى عقود عدة، فإن ذلك ربما كان الدافع وراء محاولة التطويق التي سعت باريس إلى تنفيذها عبر مياه المتوسط، إذ قررت في 13 يناير من العام الجاري، عودة حاملة الطائرات “شارل ديجول” للعمل بالمنطقة لتنفيذ مهام خلال النصف الأول من العام الجاري في شرق البحر المتوسط، ما يعني سد المسار البحري الذي تسعى الأطراف الأوروبية لسده على التحركات التركية عبر العملية “إيريني” لمراقبة حظر نقل السلاح إلى ليبيا.

وتتماشي التحركات الفرنسية، مع تحذيرات مباشرة للأمم المتحدة جاءت على لسان ممثلتها الأبرز في “شؤون نزع السلاح” إيزومي ناكاميتسو، والتي قدرت، قبل عام تقريباً، من أن “جميع أنحاء منطقة الساحل وأجزاء من وسط إفريقيا هي المعرضة للتأثير الخطير لتدفقات الأسلحة غير المشروعة، والمرتبط منها بالتطرف العنيف”، ومحذرة بشكل خاص من “قلق الأمم المتحدة إزاء استمرار تدفق الأسلحة، بما في ذلك عن طريق البحر، إلى ليبيا”.

وترى الدكتورة أماني الطويل أن “مسألة قصر مصادر السلاح التي تحصل عليها الجماعات الإرهابية في الحدود الساحلية الليبية لا تعد معبرة بدقة عن الواقع، وربما تمثل نسبة قليلة من إجمالي المتوفر فعلياً في مناطق شرق إفريقيا”، مؤكدة أن الأمر “يحتاج إلى ما هو أكبر وأوسع (من العملية الأوروبية للرقابة على الساحل الليبي)”.

أماني الطويل

تناقضات مؤجلة

بالنظر إلى حقائق الأوضاع الراهنة في منطقة الساحل، واستمرار تشظي السلطات الرسمية والأمنية واضطراب الأوضاع السياسية، فإن الفترة المقبلة ستشهد بلا شك استمرار ونمو وتوحش عمليات “داعش”، وكذلك مسلحي التنظيمات الأخرى، سواء من “بوكو حرام” أو القاعدة.

واستناداً إلى ترامي نطاقات العمل المستهدفة من قبل مسلحي تلك التنظيمات، فإنه سيكون من المؤجل حدوث اشتباكات أو عمليات قتال بين تلك الكيانات المتطرفة المتنافسة في المستقبل القريب، غير أن تلك “التناقضات المؤجلة” ستأخذ دورها من الحضور بعد أن يأخذ سيناريو استعراض القدرات على الضرب الغاشم مداه بهدف ترسيخ الحضور، ومع الوصول إلى مرحلة السيطرة على مصادر الدخل، ومنها مثلا مناطق تعدين الذهب في مالي، التي تحتل مركزاً متقدماً على المستوى العالمي في ضخامة المناجم، ستبدأ بلا شك مسألة التنافس الإرهابي-الإرهابي على مواقع الثروة، على ما جرى في النموذجين السوري والعراقي.

وإذا كان من لا بد من تحرك دولي لازم وعاجل في اللحظة الراهنة لموقف تضييق الخناق على “داعش”، فإنه سيكون بإتمام المسار السياسي في ليبيا، وتعضيد سلطة الدولة بهدف وقف تدفق الأسلحة إلى دول الساحل والصحراء عبر المسارات المختلفة، وكذلك توجيه ضربات مبكرة وميدانية إلى جيوب المتطرفين، وتكثيف عمليات الإغاثة للمتضررين والفارّين الذي ربما يتحولون إلى حاضنة إذا انتبه المتطرفون إلى استقطابهم بما لديهم من وفرة مالية ولوجستية.

محمد إبراهيم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى