لماذا تصطدم الأقليات الإسلامية بمجتمعاتها؟

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

الصين، وبورما، والهند، وروسيا،  والبلقان، وغيرها… كثيرة هي تلك الدول والأقاليم التي تتعرض فيها الأقليات المسلمة لمشكلات وجودية مع محيطاتها الاجتماعية والثقافية في عالمنا المعاصر.

المسلمون، الذين غزوا مساحات شاسعة من عالم العصور الوسطى، وأقاموا بعضا من أكبر الإمبراطوريات على مر التاريخ، صارت العديد من أقلياتهم المعاصرة، عاجزة عن الاندماج الحقيقي في أوطانهم، وسط دعوات متكررة بالانفصال عن تلك الأوطان في بعض الأحيان، أو العزلة وتأسيس جيتوهات داخلية في أحيان أخرى.

ومع كثرة الأخبار الأخيرة، التي تتحدث عن اضطهاد الأويغور في تركستان، والروهينجا في ميانمار، يُعاد طرح السؤال الجدلي حول حقيقة الأسباب المفسرة لتلك الصراعات العنيفة بين الأقليات الإسلامية والدول التي يعيشون فيها.

سبب تاريخي: التوسع الإمبريالي والتماهي الديني/ الإثني

أحد أهم الأسباب المفسرة لحالة الصدام الإسلامي المتجددة مع الآخر، تتمثل في فهم الكيفية والطريقة التي وقع من خلالهما الغزو الإسلامي لمختلف الأقاليم في آسيا وإفريقيا وأوروبا، في العصور الوسطى.

يمكن أن نُجمل مراحل التوسع الإسلامي الإمبريالي، في ثلاث موجات رئيسة، الأولى، وقعت على يد العرب في القرن الأول الهجري، وتمكن المسلمون فيها من فتح معظم أقاليم الشرق الأدنى القديم، مثل بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس.

الموجة الثانية، وقعت على يد الشعوب التركية والمغول، في الفترة الممتدة من القرن الخامس إلى القرن الثامن الهجري، وكان ميدانها الرئيس في آسيا الوسطى وبلاد ما وراء النهر وشبه القارة الهندية.

أما الموجة الثالثة، فوقعت في القرن العاشر الهجري، على يد الأتراك العثمانيين،  واستهدفت القارة الأوروبية، وتمكنت من السيطرة على الكثير من الأقاليم في البلقان وتراقيا وأوروبا الشرقية.

إعادة قراءة الأحداث التي تواكبت مع تلك التوسعات، من خلال وجهة نظر ديموغرافية، من شأنه أن يفسر العديد من مظاهر الصراع في العالم المعاصر.

على سبيل المثال، يمكن أن نفهم نجاح التغلغل الإسلامي/ العربي في بلدان الشرق الأدنى في القرن الهجري الأول، بأن العنصر العربي -وهو العنصر الفاتح- كان منتشرا في معظم تلك البلدان من فترة طويلة سابقة عن زمن الفتح، فبحسب ما يذكر المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي في كتابه “دراسة التاريخ”، فإن شبه الجزيرة العربية قد شهدت هجرتين موسعتين إلى باقي أقاليم الشرق الأدنى القديم، في القرنين السابع والثاني قبل الميلاد، وهو الأمر الذي أتاح الفرصة لتكوين قاعدة بشرية أساسية، استند إليها الفاتحون عند عملهم على نشر عقيدتهم فيما بعد، مما نتج عنه تحول أغلبية سكان تلك الأقاليم بعد أقل من ثلاثة قرون، من أديانهم الأصلية -وهي في مجملها أديان إبراهيمية سامية قريبة إلى حد بعيد للمبادئ الإسلامية.

هذا الأمر لم يتحقق بالشكل ذاته في الموجتين الثانية والثالثة من التوسعات، لأن العناصر الفاتحة ذات الأصل العرقي التركي، كانت تتوجه طوال الوقت لتتمركز وتستقر في الجهات الغربية، ولم يكن استهدافها لنواحي الهند وآسيا الوسطى وأوروبا، إلا من قبيل فرض النفوذ والسيطرة، وتوسيع دائرة السلطة فحسب.

الأديان والأفكار التي اصطدم بها الفاتحون المسلمون في تلك الأقاليم، كانت بعيدا جدا عن فلك المعتقدات الإسلامية التقليدية، ومعظمها كان منبثقا عن الذهنية الشرق آسيوية، والتي عرفت ديانات الشنتو والبوذية والهندوسية، فضلا عن صور مختلفة من تقاليد عبادة الأسلاف، مما منع من تأسيس جسور فكرية لعبور الأفكار والمعتقدات الإسلامية إلى شعوب تلك الجهات.

حتى فيما يخص الفتوحات العثمانية في البلقان، وجد الأتراك أنفسهم بإزاء ثقافة مسيحية أرثوذكسية تحمل أفكارا مشوهة وسلبية عن الإسلام، ولم يكن ذلك بغريب، لأن الصورة الذهنية التي كونها الأوربيون الشرقيون عن المسلمين، قد نتجت بالمقام الأول عن إرث الحروب الصليبية وذكرى الصراع الإسلامي- البيزنطي الممتد عبر القرون.

من هنا، فإن التواجد الإسلامي في تلك النواحي،  لم يتعد -في أغلب الأوقات- التمثل في الطبقة الأوليجاركية المحاربة التي اعتمدت على قوة السيف، واستأثرت بالحكم والسطوة، وانعزلت عن عموم الشعوب المحيطة بها، وهو الأمر الذي ترتب عليه أن صار المسلمون في تلك الشعوب بعد انحسار السلطة السياسية الإسلامية الحاكمة، مجرد أقليات كبيرة العدد، ارتبط تشكلها التاريخي ببعض من اللحظات المؤسفة في الذاكرة الجمعية عند تلك الشعوب، ويظهر ذلك بجلاء في حالات الهند والصين والبلقان وبعض الدول الإفريقية.

يُلحق بتلك النقطة، مسألة أخرى من الخطورة بمكان، ألا وهي تركز الدين الإسلامي في عرقيات وإثنيات بعينها، وهي تلك التي كانت قد سارعت للاستجابة للفاتحين المسلمين، فتصالحت معهم، ووقعت بينهم حالات المصاهرة والتعامل التجاري، وهو ما أسفر فيما بعد، عن وقوع حالة من التمايز الهُوياتي المبني بالأساس على التماهي والاندماج بين ثنائية الديني والعرقي، ومن ثم، فقد صارت التركيبة الهوياتية في تلك الأقاليم في غاية التركيب والتعقيد، ووقف هذا حاجز صد منيع أمام تعايش المسلمين بشكل طبيعي في محيطهم الجغرافي والثقافي.

على سبيل المثال، سنجد أن الكثير من مسلمي الهند، يرجعون في أصولهم إلى العنصر المغولي، والذي يختلف عن العنصر الهندوسي الذي يمثل أغلبية السكان في الهند، أما في الصين، فإن شعب الأويغور المسلمين يعّد أحد الشعوب التركية الأصل، والتي تختلف عن عنصر الهان صاحب الأغلبية السكانية في الصين. وفي السياق ذاته، سنجد أن المسلمين المُضطهدين  في ميانمار، يعودون إلى إثنية الروهينجا، وهي إثنية متمايزة بشكل كامل عن عموم السكان البورميين الذين يعتنقون البوذية. أيضا، كان المسلمون في البوسنة من البوشناق، الذين لم يتمكنوا على الإطلاق من الاندماج مع محيطهم البشري، والذي شهد عبر تاريخه تواجدا مكثفا من الكروات الكاثوليك، والصرب الأرثوذكس.

سبب عقائدي: الدعوة العالمية وتقسيم العالم إلى معسكرين

من أهم الأسباب المفسرة لحالة الصدام التي دخل فيها المسلمون مع العديد من المجتمعات التي يعيشون فيها، هو ذلك السبب المتعلق بطبيعة الدين الإسلامي نفسه، وبثوابته وأصوله التي ترسخت منذ اللحظات الأولى من عمر الرسالة المحمدية.

الإسلام، حرص على تقديم نفسه منذ فترة مبكرة، على كونه دينا دعويا عالميا، فإذا كان قد ظهر في شبه الجزيرة العربية، إلا أنه قد تمكن من الانتقال بسرعة إلى حوض البحر المتوسط وأقاليم مختلفة من إفريقيا وآسيا، وتماشى ذلك الانتشار مع الرغبة التوسعية التي تمكنت من نفوس الفاتحين العرب.

القرآن الكريم، لمح في عدد من المواضع إلى البُعد التبشيري العالمي للإسلام، ومن ذلك ما ورد في الآية 28 من سورة سبأ “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ”، وما وافق ذلك في الحديث النبوي، ومنه ما ورد في الصحيحين “… كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة”، وما ذكره  مسلم في صحيحه “والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار”.

الدعوة التبشيرية العالمية للإسلام، توافقت مع نزعة استعلائية واضحة لا يمكن إنكارها، فبحسب ما ورد في “جامع  البيان في تأويل آي القرآن” لابن جرير الطبري، في تفسير الآية 35 من سورة محمد “فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ”، فإن العلو المقصود في الآية معناه أن المسلمين هم الغالبين آخر الأمر “وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وقهروكم في بعض الحروب”، وهو ما يعني أن العُلوية المقصودة، عُلوية غير موضوعية وغير مقيدة بظرف تاريخي، بل هي في حقيقة الأمر علوية ذاتية مطلقة، تتحقق للمسلمين من جراء إسلامهم واتباعهم لأوامر الله عز وجل.

من هنا، فقد كان الخطاب الديني الإسلامي التقليدي يقدم الوعد الإلهي للمسلمين بالتفوق والسيادة الدائمين، ومن ثم، فقد جرى التعامل مع العالم على كونه مُقسما إلى صنفين أو قسمين، الأول، مسلم يمتلك الحق والهداية، أما الثاني، فكافر يجب دعوته إلى الإسلام أو الجهاد ضده حتى يرضخ للمشيئة الإلهية التي تؤكد على أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون لا غيرهم.

هذه الرؤية تتسق مع  ما نُسب إلى الرسول من كونه إذا أرسل سرية للجهاد، فإنه كان يوصي قائدها: “… ثمّ ادعهم إلى الإسلامِ، فإنْ أجابوك، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى التّحوّل مِن دارهم إلى دار المهاجرين”، وذلك بحسب ما يذكر مسلم في صحيحه.

وترتب على ذلك أن أغلبية كتب الفقه الإسلامي -والتي ظهرت عقب انتهاء موجات المد التوسعي العربي المبكرة- قد قسمت العالم إلى دار للإسلام ودار للكفر، ويقول ابن تيمية في ذلك “وكونُ الأرضِ دارَ كفر ودارَ إيمان أو دار فاسقين ليست صفةً لازمةً لها؛ بل هي صفةٌ عارضةٌ بحسب سكانها ..، فإنْ سكنها غيرُ ما ذكرنا وتبدّلت بغيرهم فهي دارُهم”.

من النقاط المهمة التي قد تُلحق بتلك المسألة، أن الدين الإسلامي ذو بعد سياسي لا يمكن تهميشه، إذ تذخر المدونة الفقهية الإسلامية بالنصوص التي ترفض الانصياع أو الخضوع للحاكم الكافر، وترى آن الولاية إنما تكون للأمير المسلم، حتى لو كان ظالما أو جائرا.

كل تلك الأسباب احتشدت مع بعضها البعض، لتؤجج نار الخصومة بين المسلمين من جهة وأصحاب العقائد المخالفة للإسلام، ولا سيما تلك العقائد التي تتضمن نزعات تبشيرية ونظرة كلية للعالم، مثل المسيحية والهندوسية، من جهة أخرى.

ولما كانت أغلبية الأقاليم التي حل بها المسلمون في موجات التوسع المتأخرة، إنما ترجع عقائدها الأساسية إلى ذلك النوع، فإن حدة الصدام والتناحر قد زادت وتفاقمت مع مرور الوقت، حتى إذا ما ظهرت الدول القومية الحديثة في العالم المعاصر، وجدت الأقليات المسلمة بتلك الدول نفسها في مواجهة أغلبيات مخالفة لها في الدين، ووقف الفهم التقليدي للعقيدة مانعا صعّبا من عملية الاندماج والتعايش.

سبب نفسي: نظرية المؤامرة والإسلاموفوبيا

مأزق الانحطاط الأخلاقي والضعف العسكري والتخلف الحضاري، الذي  وجد المسلمون أنفسهم وقد وقعوا به في القرون الأخيرة، تسبب في ظهور نزعة سلفية ماضوية، تعمل  على تفسير تدهور حال المسلمين بمجموعة من الأسباب الذاتية، والتي تؤكد على أن الحل الوحيد للمسلمين، إنما يتمثل في العودة والرجوع لصحيح الدين، وما يرتبط بهذا من أداء ملتزم وحرفي للطقوس والشعائر الدينية.

تلك النزعة المنكفأة على ذاتها، والرافضة لسبل التحليل والنقد الموضوعيين، استلزمت القول بأن ثمة مؤامرة عالمية قد اتفقت عليها القوى الكبرى للنيل من الإسلام والقضاء على المسلمين وإجبارهم على التخلي عن عقيدتهم.

في الحقيقة، تلك المؤامرة المزعومة، وجدت سبيلا لترسيخها في العقل الإسلامي الجمعي، بعدما دخل العديد من المفكرين الغربيين المعاصرين على خط المواجهة، وأعلنوا في كتاباتهم ومؤلفاتهم عن الخطر العظيم الذي قد يمثله المسلمون على الغرب، وكيف أن الإسلام المؤدلج من شأنه أن يهدد قيم الليبرالية الغربية، وكان من بين أشهر هؤلاء الكتاب كل من برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما.

على سبيل المثال، فإن نظرية صدام الحضارات -وهي أطروحة علمية لهنتنغتون تؤكد على وقوع الصراع بين الإسلام والغرب-  شاعت وذاعت على الألسن في العقود الأخيرة، واتخذ منها بعض السياسيين الغربيين ذريعة لتنفيذ خططهم ومشاريعهم البراجماتية في الشرق الأوسط، مستندين في ذلك للتصاعد الملحوظ لظاهرة رهاب الإسلام أو الإسلاموفوبيا، والتي طفت على السطح بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

إذن يمكن القول ختاما، إن المسلمين المعاصرين إنما يقعون بين ضغط منظومة الأفكار الإسلامية التراثية التي تحتاج إلى مراجعة وتعديل، من جهة، وما تمخض عن تلك الأفكار من الاعتقاد بنظرية المؤامرة والتأسيس المضاد للإسلاموفوبيا، والخوف المرضي من الإسلام، من جهة أخرى.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search