وجهات نظر

لماذا على أوروبا إعادة النظر إلى الدين؟

ثائر ديب

كاتب سوري

 

من بين القناعات التي لم يكن يرقى إليها كثير من الشكّ لدى مفكري القرن التاسع عشر، أنّ المكانة المركزية التي يحتلّها الدين في الثقافة والمجتمع غدت شيئًا من الماضي.

فقد اعتبر هيجل، مثل مفكري عصر الأنوار من قبله، أنًّ العقل بدقته المفهومية المتفوقة، قد تخطّى الدين، وصوّر فيورباخ في كتابه جوهر المسيحية 1841 علاقة الإنسان بالألوهيّة على أنّها لعبةُ قوى محصلتها صفر، ورأى أنَّ الإلحاح على الإيمان والتُّقى ينتقص من رفعة الغايات الإنسانية.

ورأى ماركس أنَّ الإنسان -بوصفه عالَم الإنسان والدولة والمجتمع- هو الذي يخلق الدين -بوصفه الوعي المقلوب لعالَمٍ مقلوب- وليس الدين الذي يخلق الإنسان، ذلك أنَّ الدين هو “زفرة المخلوق المضطهَد، قلبُ عالَمٍ بلا قلب، وروح عالَم بلا روح، الدين أفيون الشعوب”.

وهذا ما يقتضي، في عُرف ماركس، إلغاء الدين كسعادة وهمية من أجل سعادة البشر الواقعية، لا بنقد السماء والدين واللاهوت، بل بنقد الأرض والحقّ والسياسة التي تخلق السماء والدين واللاهوت.

أما نيتشه، فقد أعلن، على لسان زرادشت، أنَّ “الله قد مات” ووصف المسيحية بأنّها “أخلاق العبيد” أو منظومة اعتقادية عامية مبتذلة تلائم الخانعين الجبناء، ولم يمدح من بين ممثلي المسيحية سوى أولئك الذين وجدوا متعةً بالغة في وقوفهم أمام محاكم التفتيش التي كانت تأمر بحرقهم مثل أغناطيوس لويولا.

لم تكن أوائل القرن العشرين أقلّ سخاءً في وصفها الظاهرة الدينية، ويكفي أن نتذكّر عنوان كتاب فرويد الصادر عام 1927، مستقبل وهم، غير أننا نجد اليوم أنَّ ما نبذه فرويد بوصفه وهمًا قد عاد تلك العودة التي لا تبدي سوى أقلّ العلائم على أنّها ستتوقّف أو تخفّ في وقت قريب.

والسؤال هل كان المفكّرون الغربيون مهيّئين لتفسير هذه التطورات اللافتة؟ وَمن المفكّر الذي يمكن أن نلجأ إليه لنرصد قدرة الفكر الغربي على تناول هذه الظاهرة؟

لعلّ يورجن هابرماس، خاصة بعد وفاة جاك دريدا، أبرز فلاسفة العالم الأحياء، وثمّة الكثير مما يرشّحه لأن نتتبّع لديه هذين السؤالين اللذين نطرحهما.

ومع أنّ هابرماس كان معروفًا حتى فترة قريبة كمفكّر علماني صارم، لم تمسّ كتاباته الموضوعات الدينية إلا في مناسبات عابرة واستثنائية، لكن سنوات مطلع القرن الواحد والعشرين راحت تشهد شيئًا من التغيير على هذا الصعيد. ففي خريف عام 2001، وبمناسبة تسلّمه جائزة السلام التي تمنحها رابطة الناشرين، ألقى هابرماس خطبةً عنوانها “الإيمان والمعرفة”.

وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 شدّد في تعليقاته على أهمية التسامح بين الفهم العلماني والفهم الديني، وفي 2004 شارك في حوار مع الكاردينال جوزيف راتزنجر-الذي صار البابا في 19 أبريل/نيسان 2005- بناءً على طلب الأخير الذي يُعَدُّ واحدًا من أشدّ المحافظين بين مطارنة أوروبا.

وفي عام 2002 نشر هابرماس كتابه “دفاعًا عن الإنسانية”، وفيه نقدٌ مرير لمخاطر الهندسة الوراثية واستنساخ الإنسان، ودفاع بليغ عن الحقّ في هوية إنسانية فريدة يعرّضها الاستنساخ لخطر واضح، ويبدو أنَّ هذا الدفاع عن الهوية الفريدة هو ما أثار فضول الكاردينال واهتمامه.

وكي نضع هذه التغييرات الهابرماسية في سياقها ونتعمّقها، ربما كان من الضروري أن نتلمّس جذورها في مؤلّفاته الأقدم، لا سيما الأساسية منها، ولا نكتفي بالأحداث التي دفعت إليها.

ففي عمله الفلسفي الأساسي المؤلّف من جزئين، نظرية الفعل التواصلي، 1981، نجد أنَّ واحدة من أفكار هابرماس الأساسية هي “إضفاء الطابع اللغوي على المقدّس”، ويؤكّد هابرماس، من خلال هذا المصطلح الثقيل كما يقول هو نفسه، على أنّ أفكار المساواة والعدل الحديثة هي استخلاصات علمانية من التعاليم والوصايا الدينية، ذلك أنَّ “نظرية العقد” في السياسة، تلك النظرية التي هي أساس التصور الحديث “للحكم برضا المحكومين” ما كانت لتقوم لولا عهود ومواثيق “العهد القديم”.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى فكرة “الجدارة الداخلية” التي ينطوي عليها كلّ شخص، والتي تشكّل أساس حقوق الإنسان، فهي تنبع مباشرةً من المثال المسيحي الذي يقول بتساوي البشر جميعًا في نظر الربّ.

ويرى هابرماس أنّه لو ضَمَر هذا المصدر الديني من بين مصادر الأخلاق والعدالة ضمورًا كاملاً، لكان من المشكوك فيه أن تتمكَّن المجتمعات الحديثة من تعزيز هذه المُثُل وتثبيتها كمُثُلٍ خاصةٍ بها.

لخّص هابرماس في مقابلةٍ أجراها مؤخّرًا آراءه هذه، ورأى أنَّ الدين قد عمل كأكثر من سلف أو محفّز للحداثة، “فنزعة المساواة الكونية التي بزغت منها مُثُل الحرية، والحياة الجمعية المتضامنة، والانعتاق، والديمقراطية هي إرث مباشر من الأخلاق اليهودية الخاصة بالعدل، والأخلاق المسيحية الخاصة بالمحبة”.

وعام 2002 نُشِر لهابرماس بالإنجليزية كتابه “الدين والعقلانية: مقالات في العقل، والله والحداثة”، وهو مجموعة من كتاباته التي تتناول موضوعات دينية. وقد حرّر هذا الكتاب وقدّم له الفيلسوف إدوارد منديتيا، وختمه بمقابلة مهمّة مع هابرماس يوضح فيها هذا الأخير آراءه في عدد من المسائل الدينية.

فبصدد عودة الدين –حيث يصل هابرماس إلى حدّ الكلام عن ظهور “مجتمعات ما بعد علمانية” ربما لأنّ في ذهنه الوضع الأمريكي- يرى هابرماس أنَّ هذه العودة تواجه البشرية بتهديدات ومخاطر لا يمكن نكرانها.

فالدين الذي وفّر للبشر العزاء والسلوان إزاء مظالم القدر القاسية، كثيرًا ما علّمهم أيضًا أن يرضوا بقسمتهم وأن يبقوا سلبيين، لأنه يحطّ من قيمة النجاح الدنيوي ويغري المؤمنين بوعد البركة الأبدية في الآخرة.

ويتمثّل الخطر هنا في أنَّ ما يشجّع عليه الدين من سلبية اجتماعية ينتهك حاجة الديمقراطية إلى مواطنين فاعلين ومشاركين، خصوصًا أنَّ قصة السقوط (من جنة عدن) تصوّر التاريخ الدنيوي العلماني كقصّة انحدار أو تدهور لا يمكن أن ينبثق عنه أيّ خير جوهريّ.

لكن هابرماس يرى، في المقابل، أنَّ مسيرة الرأسمالية العالمية المنتصرة لا تواجه اليوم سوى بضعة اتجاهاتٍ معارضةٍ أصيلة، وهذا ما يُبقي للدين دورًا مهمًّا يلعبه بما يمتلكه من ذخيرةٍ للتعالي، فهو يحول بين أفراد المجتمعات العلمانية الحديثة وبين أن تطغى عليهم متطلبات الحياة المهنية والنجاح الدنيوي التي تتّسم بالشمول.

وبذلك يمكن للقيم الدينية، قيم المحبة والجماعة والتُّقى، أن تقف قبالة قيم التنافس والكسب والتلاعب الشاملة والمسيطرة، وتشجّع البشر على التعامل بعضهم مع بعض بوصفهم غايات وليس بوصفهم مجرّد وسائل.

لدى هابرماس إذًا اهتمام بمخاطر ما يمكن أن نصفه بـ”العلمانية الشاملة”، وقد ألحّ في محاضرة ألقاها منذ فترة قريبة على ما للتقاليد الدينية من “قوة الإفصاح عن حدوس أخلاقية في ما يخصّ الأشكال الجماعية من الحياة الإنسانية الكريمة”، وعلى أنّ المبادئ الفلسفية العلمانية –كفكرة حقوق الإنسان- يمكن أن تنتفع من تجديد صلتها بأصولها المقدّسة من حين إلى آخر.

وفي أبريل/نيسان 2005 ألقى هابرماس في مؤتمر دولي حول الفلسفة والدين، في بولونيا، محاضرةً بعنوان “الدين في المجال العام” قال فيها إنّ “التسامح” –الذي يُعْتَبَر أساس الثقافة الديمقراطية الوطيد- هو شارع باتجاهين على الدوام.

فالأمر لا يقتصر على ضرورة أن يتسامح “المتديّنون” مع عقائد الآخرين، بمن فيهم اللادينيين والملحدين، بل من واجب العلمانيين أيضًا أن يحترموا قناعات المواطنين الذين يحفّزهم الدين، لأنه من غير الواقعي، بل من المتحامِل، أن نتوقّع من هؤلاء أن يتخلّوا عن قناعاتهم العميقة لدى دخولهم المجال العام.

والحلّ الأفضل هو أن نفكّر في شيء شبيه بتلك المثالية الدينية، التي بثّت الحياة في حركة الحقوق المدنيّة في خمسينات القرن العشرين وستيناته، والتي تشكّل مثالاً مثيرًا للإعجاب على الطريقة التي يمكن بها أن يؤتى بقيمة دينية –كقيمة العدل- إلى مشكلات اجتماعية معاصرة.

يشير هابرماس في محاضرته هذه إلى الفيلسوف جون رولز، الذي سبق أن تناول مثل هذه الموضوعات على نحو مباشر في السنوات الأخيرة. ولعلّ من أهمّ آراء رولز المتعلّقة بدور الدين في السياسة المعاصرة، ذلك “التحذير” أو “الاشتراط” الذي يرى أنَّ على العقليات الدينية، إذا ما أرادت أن تحظى بالقبول، أن تكون قابلةً للترجمة إلى أشكال علمانية من الحجاج.

بل إنَّ رولز يرفع الحاجز العلماني إلى أعلى من ذلك في حالة الموظفين العموميين –مثل السياسيين والقضاة- ويعتقد أنَّ لغتهم لا ينبغي أن تترك حيّزًا واسعًا للعقليات غير العلمانية، التي من المؤكّد أن تثير الشقاق والخلاف ما دامت العقائد الدينية متعددة وكثيرة.

ويؤكّد هابرماس على هذا المطلب الملحّ، شرط أن يوضع على باب السياسيين وحدهم لأنهم “يخضعون، ضمن مؤسسات الدولة، لضرورة أن يبقوا حياديين إزاء رؤى العالم المتنافسة”.

غير أنَّ هابرماس، إذ يضع هذا المطلب على باب السياسيين وحدهم، يرى أنَّ “على كلّ مواطن أن يعلم أنَّ العقلية العلمانية هي التي تصلح لدخول العتبة المؤسساتية، التي تفصل المجال العام غير الرسمي عن البرلمانات والمحاكم والوزارات والإدارات”.

وإذًا، فإنَّ هابرماس، رغم إقراره واسع الأفق، بما للدين من مكانةٍ في طيف الجدال السياسي العام، يقطع خطوة واسعة ولا غنى عنها باتجاه تحديد أخلاقيات التسامح في المجتمعات متعددة الثقافات والأديان. ذلك أنَّ آفاق الديمقراطية القائمة على المساواة سوف تبدو ضيّقة وكالحة إلى أبعد الحدود، من دون مثل هذا التحديد.

وبذلك يكون المعيار في تحديد قدرة المنظومات الدينية على أن تجعل وصاياها الأخلاقية تُحَسّ ويُعْتَرَف بها، هو قدرتها على اتخاذ موقف الآخر، فوحدها تلك الديانات القادرة على أن تضع بين قوسين، أو جانبًا، إغواءاتها النرجسية اللاهوتية -أي قناعة كلّ دين بأنّه وحده الذي يقدّم طريق الخلاص- هي التي يمكن أن تكون من اللاعبين المناسبين في هذا العالم السياسي والأخلاقي ما بعد العلماني سريع التغير.

وإذْ نتذكّر أنَّ مقاربة هابرماس لفلسفة الأخلاق هي مقاربة كانطية –من حيث اعتباره مثل كانط، أنّ على الأفعال أن تجتاز اختبار الكونية– فإنَّ السؤال الذي يمكن أن يُطْرَح هو: ما مدى ملاءمة تصورات هابرماس للمجتمعات غير الغربية؟

ما مدى النقد و/أو إعادة الإنتاج التي يمكن إخضاعها لها؟ هل تنبغي زيادة حدّتها أم التخفيف منها؟ أسئلة لدى الكثيرين، خصوصًا أولئك الذين لا يجدون سبيلاً لاحترام الاتجاهات الدينية إلا بخلع جلودهم وصيرورتهم، رأس حربتها، والذين تسعدهم كثيرًا تلك “السوسيولوجيا” البائسة، بل الأبأس، التي تنظر إلى مجتمعاتنا على أنها، أساسًا، نِحَل دينية وطوائف.

 

ثائر ديب

كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى