سياسةمختارات

لماذا علينا دمج آليات مكافحة الجريمة والإرهاب؟

على مدار العقود المنصرمة تكاثفت جهود القوى الدولية في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، وقد تم استخدام أساليب مختلفة تنوعت ما بين الأساليب العسكرية، والقانونية، وفي ذات الوقت عمل الباحثون على تقديم الدراسات الأكاديمية التي سعت لتبرير سلوك الجماعات الإرهابية، ودوافعها، ثم بدأت التهديدات الإرهابية في التراجع على قائمة أولويات القوى الكبرى المتعلقة بالأمن القومي، ليحل محلها التنافس بين القوى وبعضها، كالتنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين.

ولم يتوقف الأمر على الولايات المتحدة، حيث تراجعت قيمة التهديدات الإرهابية عند بقية الدول الغربية أيضًا، واستفادت تلك الدول من تجربة منطقة الشرق الأوسط المتعلقة بتنامي الإرهاب وأسبابه، وعوامل دحره، واستطاعت صياغة قوانين لمكافحة الإرهاب، ونجحت في تقليل مخاطره نسبيا على المستويات الداخلية.

وعلى الرغم من نجاح القوى الكبرى في مكافحة الإرهاب، فإن مخاطره لا زالت قائمة داخل العديد من المناطق على مستوى العالم، وباتت الطرق التقليدية القديمة غير مُجدية، وبحاجة إلى التجديد من أجل زيادة القدرة على دحر الإرهاب وأصوله.

في هذا السياق، تأتي ورقة بحثية بعنوان “الشبكة مقابل الشبكة: مكافحة الجريمة والإرهاب من خلال الجمع بين قوى تطبيق القانون والقوى العسكرية والأكاديمية”، للكاتبين “كريستيان فيانا دي أزيفيدو”، الذي عمل كوكيل خاص للشرطة الفيدرالية البرازيلية لمدة 19 عاما، فضلا عن كونه طالب دكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة البابوية الكاثوليكية في ساو باولو، و”سارة بولاك دودلي”، التي تخدم في الفيلق المالي للجيش الأمريكي منذ عام 1998.

تناقش الورقة طبيعة العلاقة بين الجريمة والإرهاب، والعوامل المحفزة لنمو الإرهاب والجريمة، وكيفية تطور العلاقات الديناميكية داخل المنظمات الإجرامية والإرهابية، فضلا عن آليات مواجهة الجريمة والإرهاب، وتحديات تُحقق تلك المواجهة.

العلاقة بين الجريمة والإرهاب

يمكن ملاحظة وجود روابط بين الجريمة عبر الوطنية والإرهاب داخل الدول، فعادةً ما يكونان مصحوبين بمجموعة من الأنشطة غير المشروعة، كما أن طبيعة العلاقة بين الجريمة والإرهاب تتشكل وفقا لخصائص المكان الجغرافية والسياسية والاجتماعية والدينية، ويكون الارتباط بينهما من خلال مؤسسات أو من خلال مجموعات بشرية مستقلة.

وقد ترتبط المنظمات الإجرامية بالجماعات الإرهابية لتنفيذ مهام محددة، ويتجسد هذا الارتباط في ثلاثة أشكال رئيسية:

  • تحالف أساسي
  • تكتيكات متخصصة
  • روابط تنظيمية

والتحالفات لا تُترجَم بشكل عام إلى علاقة طويلة الأمد بسبب نقاط الضعف التي يشكلها الارتباط الدائم. وتحُدث التحالفات عادةً عندما يحتاج الإرهابي أو الجماعة الإجرامية الوصول إلى “المعرفة المتخصصة” كغسيل الأموال، أو “الخدمة المتخصصة” مثل التزييف أو “الدعم التشغيلي” كالوصول إلى شبكة التهريب أو “الدعم المالي” كتحويل الأموال والوصول إلى الأسواق.

أما عن “التكتيكات المتخصصة”، فترتبط بتطوير قدرات المجموعة الإجرامية أو الإرهابية من خلال تعلم أنشطة محددة، كانخراط مجموعة إرهابية في أنشطة إجرامية مُربحة مثل تهريب المخدرات والأسلحة والابتزاز، لتتمكن من تمويل عملياتها الإرهابية وأهدافها السياسية.

كذلك فقد تتعلم المنظمة الإجرامية كيفية القيام بأعمال إرهابية لإثارة الخوف داخل شريحة المجتمع التي تريد التأثير أو السيطرة عليها.

وتتنامى الروابط التنظيمية المختلفة بين المنظمات الإجرامية والجماعات الإرهابية عندما تحدث الأنشطة الإجرامية والإرهابية بنفس الزمان والمكان، وتختلف هذه الروابط باختلاف الأنشطة ومدى قدرتها على الانصهار في رابطة واحدة، فتحدث روابط تنظيمية متكاملة في حالة اندماج التنظيمات الإجرامية والإرهابية في تحالف واحد، بالتزامن مع التجنيد المستمر للأشخاص ذوي الخلفيات الإجرامية للحصول على قدرات تكتيكية أكبر في غضون فترات زمنية قصيرة، كما تنشأ روابط تنظيمية هجينة عندما تقوم الجماعات الإرهابية بتنفيذ عملها الإرهابي بالتزامن مع انخراطها في مؤسسات إجرامية، وشن هجمات إرهابية لجني أرباح مادية.

أما التحول الكلي، فيحدث عندما تُعيد الجماعة الإرهابية أو المنظمة الإجرامية نشاطها بشكل كامل، بحيث تتحول كليا إلى شكل آخر، فمثلا قد تتحول الجماعة الإرهابية إلى منظمة إجرامية. يشار إلى أنه بتفكيك وتحليل شكل الرابطة التنظيمية وأسباب وجودها يمكن صياغة الآلية المناسبة لمواجهة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

عوامل محفزة لنمو الإرهاب والجريمة

يعتبر الفساد هو أحد العوامل الأساسية المساهمة في نمو الإرهاب وتصاعد الجريمة داخل الدول، خاصة تلك الدول الفاشلة الضعيفة سياسيا، حيث يتسبب الفساد في إفقار المواطنين، وهو ما يكون عاملا مُحفِّزا على نمو الجريمة والإرهاب.. ولا يعني ذلك أن الفقر عادةً ما يؤدي إلى الإرهاب والجريمة، إلا أنه قد يدفع أحيانا لممارستهما، فسوء إدارة الدولة وضعف مؤسساتها وإساءة استخدام السلطة مع تفشي الفساد والفقر والصراعات، يجعل الدول أكثر عُرضة لجميع أنواع التنظيمات الإرهابية والإجرامية.

فعلى سبيل المثال، استغلت جماعة داعش الإرهابية تهاوي مؤسسات الدولة في العراق وسوريا، وتفشي الفساد، ولعبت على فكرة المظلومية حتى تتمكن من تجنيد المزيد من العناصر الإرهابية وتوسيع نشاطها وإرهاب المواطنين، ومن ثَمَّ الحصول على أكبر قدر ممكن من الأهداف في فترة زمنية قصيرة.

وفضلا عن الفساد والفقر، فقد أسهمت العولمة في زيادة اندماج الأسواق العالمية، وفي وصول التكنولوجيا لمختلف أرجاء العالم، ما أدى إلى تسهيل حياة الناس، إلا أن التطور الرقمي أسهم أيضا في زيادة مخاطر التنظيمات الإرهابية وتنظيمات الجريمة العابرة للحدود، لذا أُطلق على العولمة التي كانت سببا في انتشار التكنولوجيا داخل التنظيمات الإجرامية والجماعات الإرهابية “العولمة المنحرفة”، حيث أفضت تلك العولمة إلى عرقلة القضاء على التنظيمات الإرهابية وتنظيمات الجريمة العابرة للحدود، خصوصا أن طرق التواصل بين عناصر التنظيمات باتت أكثر تعقيدا وسرعة عما كانت عليه سابقًا.

وصار على الحكومات مواكبة تلك التطورات، كما صار من الضروري لها دمج الأدوات التكنولوجية المختلفة في آليات مكافحة الإرهاب والجريمة.

واستفادت التنظيمات الإرهابية وتنظيمات الجريمة من اندماج الأسواق أيضا، حيث باتت أكثر قدرة على الوصول لأحدث الوسائل التكنولوجية، وكذا الحصول على التمويلات المالية اللازمة لها من خلال زيادة نشاطها في السوق السوداء، وهو الأمر الذي شكَّل ضغوطا كبيرة على الأنظمة البيروقراطية التي تكون بطيئة عادةً في مواكبة تلك التطورات السريعة، ولذلك أصبحت حياة المواطنين أكثر عرضة لخطر منظمات الإرهاب والجريمة، التي باتت تعتمد بشكل كبير على الأدوات التكنولوجية في تسيير أعمالها، وتسريع وتيرة تنفيذ عملياتها المختلفة.

إضافة إلى ذلك، فالضغط المتزايد على الدول لفتح حدودها للسماح بالحفاظ على سير التجارة الدولية، يتسبب -حال كانت الدول هشة بالأساس- في اختراق حدود الدول، مما يؤدي إلى تنامي دور التنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تستغل ضعف الحدود، وسهولة اختراقها، وتعمل على الانخراط في الأنشطة التجارية غير المشروعة.

وبناءً على ما سبق، يمكن استنتاج تفضيل المجرمين والإرهابيين للدول الفاشلة الضعيفة سياسيا، وعدم دعمهم لاستقرار الدول، بل وسعيهم عادةً إلى زعزعة استقرار الدولة وإضعاف مؤسساتها لتعظيم مكاسبهم المادية، أو لتحقيق رؤيتهم الأيديولوجية.

وتساعد العولمة وما صاحبها من تطورات تكنولوجية في استفادة التنظيمات الإرهابية من الخبرات الخارجية، والاستعانة بعناصر أجنبية لتنفيذ أهدافهم الخارجية دون الحاجة للتخلي عن القاعدة التي يتمركزون بها، والتي غالباً ما تكون داخل دولة هشة وضعيفة سياسياً.

تطور العلاقات الديناميكية داخل المنظمات الإجرامية والإرهابية

حتى القرن الحادي والعشرين، كانت معظم الجماعات الإجرامية والإرهابية تعتمد على التنظيم الهرمي، الذي يسمح بتراتبية في أدوار أعضائه، حيث يتم صياغة القواعد والحدود والأهداف الخاصة بعمل التنظيم بشكل هرمي، ودائمًا ما يقود التنظيم زعيم استبدادي. ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت المنظمات الشبكية، التي تتخذ أشكالاً مختلفة وتسعى إلى تحقيق أهداف متعددة ومتضاربة أيضاً.

فباتت المهام تنقسم داخل التنظيمات الشبكية بين مختلف الأعضاء، وتغيب فكرة البنية الهرمية في “القيادة والسيطرة”، حيث تتشكل طبيعة العلاقات داخل الشبكة على أساس نوعية المعاملات التي تتم بين أفرادها. وتتميز تلك التنظيمات بأنها ذات بنية كفء، حيث تسمح طريقة الشبكة بتعزيز الاتصال والتنسيق السريع بين أجزاء التنظيم، كما أن فكرة الشبكة تسمح للتنظيم بممارسة أنشطته في الخفاء وبطرق مشتتة مما جعله أقل قابلية للاكتشاف من قِبل السلطات العامة، وبذلك بات التنظيم أكثر قدرة على جمع شتات نفسه، كما أنه أضحى أكثر قدرة على المقاومة وعدم الانهيار في حال تهاوى أحد عناصره.

وتعمل التنظيمات الشبكية على الاستفادة من نقاط القوة المشتركة، وتقليل نقاط الضعف الفردية، مستغلة التقدم التكنولوجي ودوافع المصلحة الذاتية التي تحرص على إبقاء تلك الشبكات التي تحقق لها الفوائد والأرباح والنفوذ.

ويعتبر “حزب الله” اللبناني هو أحد الأمثلة على التنظيمات الشبكية، التي بدأت في صورة كيان سياسي وتطورت حتى أصبح شبكة تعتمد على الأنشطة غير المشروعة، وذلك لجلب التمويل الذي يساعده على تنفيذ نشاطاته الواسعة.

آليات مجابهة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود الوطنية

يمكن القول إن هناك ثلاثة نماذج للتمويل الإرهابي، يتمثل الأول في نموذج المانحين أو المتبرعين، كما في حالة تنظيم القاعدة، والذي يعمل على جمع الأموال من الرعاة والداعمين لأنشطة القاعدة والمتعاطفين معها، وهناك نموذج “رعاية الدولة” والذي يعتمد على تمويلات الحكومات الأجنبية كما في حالة حزب الله اللبناني الذي يعتمد على إيران، فضلاً عن النموذج الإقليمي كداعش، والذي يجمع الأموال من مبيعات السوق السوداء والضرائب المحلية وابتزاز السكان والمصارف داخل الدولة.

وبما أن التنظيمات الإرهابية وتنظيمات الجريمة المنظمة العابرة للحدود تحتاج إلى التمويل بشكل أساسي لاستمرار أعمالها، لذا سيكون قطع هذه التمويلات هو أحد السبل لتجميد أو تعطيل أنشطة تلك التنظيمات الإرهابية.

وتمتلك الولايات المتحدة مجموعة من العقوبات التي تعمل على معالجة التمويلات الإرهابية، وتنجح بالفعل في تضييق الخناق -نسبياً- على التنظيمات الإرهابية، إلا أنها مع ذلك غير كافية، نظراً لأن بقية الدول لا تمتلك تلك الأدوات العقابية ولا تُطبِّقها عند التعامل مع تلك التنظيمات، حيث تقوم الدول بشراء منتجات تلك التنظيمات دون النظر إلى السبل التي سيتم توظيف الأرباح بها لاحقا، كذلك فالمنظمات الدولية لا تُفعِّل آليات التنفيذ القوية التي تحمي النظام المالي العالمي من تحديات الجهات الفاعلة غير المشروعة. ومن ثَمَّ تستمر التنظيمات الإرهابية في الحصول على التمويلات اللازمة لاستمرار أنشطتها.

وقد قدَّرت مجلة فوربس دخول التنظيمات الإرهابية الأكثر فتكاً في العالم سنوياً في عام 2018، فوُجد أن الدخل السنوي لأغنى عشر منظمات إرهابية في العالم يُقدر بأكثر من 3.6 مليار دولار أمريكي، كما وُجد أن المنظمات الإرهابية الأكثر فتكا هي الأكثر ثراءً.

وقد تصدّر “حزب الله” القائمة بدخل سنوي يبلغ 1.1 مليار دولار حينها، ما يشير إلى عظمة الأرباح التي تجنيها تلك التنظيمات، كما يشير إلى الحاجة المُلحة لتطوير البنى التحتية للمؤسسات الدولية لمكافحة غسيل الأموال ووقف التمويلات الإرهابية.

تحديات مكافحة الإرهاب والجريمة

نجحت الحكومات في القرن العشرين في تفكيك التنظيمات الإرهابية عبر التخلص من القادة الأساسيين، وهو ما أسهم في إضعاف التنظيمات ومن ثَمَّ تشتتها، ولكن استخدام هذا التكتيك في الوقت الراهن سيكون صعبا، خاصةً أن التنظيمات الشبكية لا تعتمد على فكرة الهرم، ولكنها تتكون من علاقات متشابكة ومعقدة، وعند التخلص من طرف بعينه ستظهر أطراف بديلة تقوم بنفس الدور. كما أن الأدوات التكنولوجية الراهنة تُسهِّل هذا الأمر، وخاصةً شبكات “الإنترنت المُظلم” Dark Web.

فضلا عن أن ازدحام الحدود التي لا تسيطر عليها الدول بشكل كبير، يسمح باختراقها من قبل التنظيمات الإرهابية والإجرامية، والتي تلجأ إلى التجارة غير الرسمية، مُستغلة الفساد المحلي لضمان وجود سيولة مناسبة في شبكة التجارة غير المشروعة، مما يسمح لها بتأمين دخلها المالي ومن ثَمَّ استمرار أنشطتها غير المشروعة.

وبناءً على ما تم عرضه، يمكن القول إن أنسب آلية لدحر الإرهاب والجريمة المنظمة ستكون من خلال إدماج الخبرات العسكرية مع الرؤى الأكاديمية النابعة من مراكز الفكر، إضافةً إلى توفير الأطر القانونية التي سيتم تطبيقها من خلال القوى الفاعلة الرسمية والمنظمات الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

فعبر استخدام تلك الآلية، ستتمكن الجهات المعنية بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة من الحصول على المعلومات الرئيسية من خلال القوات العسكرية التي تحتك بشكل مباشر مع التنظيمات الإرهابية وتنظيمات الجريمة العابرة للحدود، ومن ثَمَّ ستتمكن القوى الفاعلة الرسمية من تجفيف منابع الفساد والتمويلات غير الشرعية التي تمثل المغذيات الرئيسية لاستمرار عمل التنظيمات الإرهابية.

وهنا سيظهر دور الأوساط الأكاديمية التي تدرس أيديولوجيات وآليات عمل تنظيمات الجريمة والإرهاب، مما سيتيح للجهات الرسمية تحديد آليات الردع القانوني المناسبة، وطرق محاكمة المذنبين المنتمين لتلك التنظيمات. ويمكن تحقيق ما سبق عبر خلق قنوات اتصال بين أجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات العسكرية والأوساط الأكاديمية، لضمان تناقل المعلومات عن الإرهاب والجريمة بشكل أسرع وأسهل.

المصدر

Christian Vianna de Azevedo & Sara Pollak Dudley, “Network vs. Network: Countering Crime-Terror by Combining the Strengths of Law Enforcement, Military and Academia”, Perspectives on Terrorism, Terrorism Research Initiative, Vol. 14, No. 4 (August 2020), pp. 99- 117.

ياسمين أيمن

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى