وجهات نظر

لماذا لم يعلمنا القرآن طرق صناعة المدافع؟

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

 

لعله المشهد الأهم في تاريخنا الحديث، “عزومة” لنابليون بعد دخوله القاهرة بعدة أشهر (تحديدا في 11 ديسمبر/ كانون الأول 1798) في بيت الشيخ السادات. دار خلالها حوار مع كبار مشايخ الأزهر وسجله أرشيف الدبلوماسية الفرنسية، أما الأهمية المفترضة فلا تعود فقط للحظة الفارقة في تاريخنا، إنما لما سيحمله حديث المشايخ من دلالة غالبت الزمن فغلبته.

قال الجنرال للمشايخ: في الماضي، بزمن الخلفاء، تفوق العرب في الفنون والعلوم، لكنهم اليوم يرزحون في جهل عميق ولم يتبقَّ لهم شيء من علوم أسلافهم. فعلق الشيخ السادات: لقد بقي لهم القرآن الكريم وهو يجمع بين دفتيه كل المعارف! عندها سأله ممثل التنوير متعجبًا: وهل يعلمكم القرآن طرائق صناعة المدافع؟ أجاب جميع المشايخ في حزم: نعم!

إجابة شيوخ الأزهر على سؤال بونابرت جاءت معبرة أكثر مما أرادوا، فهي أولا أوجزت ماضيًا مثَّل فيه النص جوهر الثقافة العربية الإسلامية ومصدر قوتها وفخارها، كونه منشئًا للحضارة لتدور في مداره -خادمة له- غالبية العلوم والمعارف، مثل: علوم اللغة والتاريخ وعلم الكلام والفقه وأصوله وعلم الحديث… وهي ثانيًا استشرفت المستقبل، فلم تغادرها إجابة دعاة التنوير.

جاء مشروع رائد التنوير الأبرز محمد عبده موافقًا لإجابة المشايخ، فالنهضة وفق “عبده” تمر من درب التراث، وعمم نفوذه الفكري هذه الإجابة حتى “الجيل الثالث للحداثة”، بتعبير عبد الإله بلقزيز، فالتنوير لدى حسن حنفى يقوم على إعادة بناء علوم الدين، بداية من الوحي، وفق الواقع المعاصر ومتطلباته، فعلم الفقه الذي وجَّه عنايته للعبادات وجب تغيير وجهته ليركز أكثر على المعاملات، وعلم أصول الدين الذي اهتم بالذات والصفات لزم تحويل مركزه إلى الإنسان لا الإله، كذلك علم الحديث عليه الاهتمام بالمتن بدلاً من السند، وعلم السيرة عليه الاعتناء بالوقائع لا الشخوص.

وهو عند الطيب تيزيني يستهدف إعادة قراءة التراث معتمدًا على المنهج المادي التاريخي، وقريبًا من هذا ما قدمه حسين مروة في “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”، في حين أسس محمد أركون لقراءة جديدة للنص، أما الجابري فنادى بـ”استنبات الفلسفة الرشدية” التي رآها وحدها القادرة على منح حياتنا الثقافية ما هي في حاجة إليه من “القدرة الذاتية على التصحيح والتجديد”.

هيمنت إجابة عبده على غالبية المشروعات الفكرية العربية الكبرى، إن لم يكن جميعها، راسمة مسارًا وحيدًا للتنوير أو بالأحرى منحرفة به، وبهذا لم تتحقق لمفتي الديار المصرية رغبته، بحسب إفادة المؤرخ الإنجليزي ذي الأصل اللبناني إلياس حوراني، في لعب دور مارتن لوثر، ففي الواقع لعب عبده دورًا أكبر بكثير وإن لم يُصَبْ نهايةً بمبتغاه “التنوير”.

حل هذه المعضلة يكمن بنسق وُضع فيه الرجلان، لوثر وعبده، وحدد لكل منهما دوره، فالراهب الألماني انتظمت حركته الدينية بالموازة مع إثبات جاليلو نظرية كوبرنيكوس حول مركزية الشمس، وقبلها جاء اكتشاف العالم الجديد ثم طرح ديكارت مبدأ الذاتية (الكوجيطو): أنا أفكر –إذًا- أنا موجود كخط فاصل بين المنظومة القيمية القديمة المتمركزة حول الإله والمنظومة الحديثة المتمركزة حول الإنسان، ومع دخول القرن الثامن عشر تبلور المشروع الفكري الحداثي فأسس منظورًا جديدًا للعالم ومنظومة أخلاقية جديدة وعلمًا جديدًا ونظرية خلاص جديدة.

وضع جان جاك روسو مفهومًا مغايرًا للإنسان ركيزته الحرية، وأسس لـ”عقد اجتماعي” ينظم العلاقة بين المجتمع والدولة، وقرر جون لوك أن معارفنا كافة متضمنة أفكارنا عن الله والصواب والخطأ مصدرها الخبرة، وسعى -كذلك فولتير وديدرو- لتأصيل مفهوم التسامح في مواجهة الحروب الدينية بأوروبا، وأطلق كانط صيحته “كن جريئًا واستخدم عقلك الخاص”، واكتشف نيوتن قانون الجاذبية مؤسِّسًا لتصور ميكانيكي للكون، وألهمت أفكار لوك وروسو وفولتير ومونتسيكيو الثورة الفرنسية.

ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن ثورة مارتن لوثر الدينية لم تكن غير مكون من مكونات كثيرة، وربما اتخذت موضعًا على هامش التنوير، أما في صدارته فكانت حركة فكرية وفلسفية وعلمية استقبلت الواقع تصديًا لمشكلاته ودفعًا لعجلة تطوره، ليصبّ كل هذا في صالح متغيرات مجتمعية وسياسية واسعة بالغرب.

أما في الشرق فتمددت رؤية محمد عبده الميممة وجهها نحو التراث على حساب -لا بالموازاة كما أوهم ربما جميع من تناولوا أو أرّخوا للتنوير- توجه أسَّس له عبد الرحمن الكواكبي بكتابه الأشهر “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”. فرغم أصالة الطرح، في جهازه المفاهيمي، أو انطلاقه من الواقع العربي متمثلاً في معالجة العائق الأبرز للنهضة (الاستبداد)، لم يتشكل تيار حول رؤية الكواكبي، ولعل ذلك راجع أيضًا للثمن الباهظ المقترن بها، وهو ثمن سدده الكواكبي بحياته. وبرز بالموازاة كذلك تيار علماني رواده أسماء مثل: فرح أنطون، شبلي شميل، جورجي زيدان، سلامة موسى… تصوروا أن اقتباسهم أفكار ورؤى الحداثة أو حتى استيراد النصوص المؤسسة سيستنبت حداثة ببلادنا.

وفق تلك الصورة لم ينتظم مشروع محمد عبده الإصلاحي في نسق حداثي يتيح للرجل “لعب دور مارتن لوثر”، أو لِنَقُلْ إن عبده لعب في نسختنا من التنوير دور البطولة المطلقة، أما الكاهن الألماني في رواية التنوير الغربية، فقدم شخصية ثانوية أو بطولة مشتركة مع أبطال كثر: ديكارت، هوبز، روسو، جون لوك، ليبنتز، ديدرو، فولتير… وكان صلب ما قدمه هؤلاء وغيرهم ليس إعادة قراءة التراث أو تفكيكه وتحليله، بل قراءة الواقع ومعالجة مشكلاته وأزماته.

وبينما أشرفت أطروحات هذه الأسماء وما تلاها من أجيال لمفكري الحداثة على “تغيير العالم”، تكالبت المشروعات الفكرية بمجتمعاتنا حتى “الجيل الثالث للحداثة”، على التراث تفكيكًا ونقدًا وتحليلاً وإعادة للقراءة. لهذا كان للأولى صداها على مسار الأدب وانعكاسها على حركة العلم وتأثيرها في سير الواقع والعكس بالعكس، وأما رَجْعُ المشروعات الفكرية العربية فانحسر في المؤتمرات والندوات والأكاديمية.

كل هذا جعل التحديث بمجتمعاتنا بلا حداثة، أي ليس مرتبطًا بجذور فكرية تكفل له نموًّا طبيعيًّا وتنفي شعورًا مستدامًا بالأزمة وتضمن انتماءً حقيقيًّا للعصر. ولم تقف حالة الإنكار وعدم الاعتراف بأن هذه الثقافة العربية الإسلامية لا تقدم إجابة على سؤال العصر الجديد عند حد مشايخ نابليون، بل استطالت وتلونت بألوان مختلفة منها ما كان سخيفًا، بتوصيف طه حسين، تعليقًا على ادعاءات أطلقها عدد من معاصريه أمثال العقاد وأحمد أمين، بروحانية الشرق ومادية الغرب، زاعمين أنه مثلما نحن في حاجة إلى بضاعة الغرب فهو كذلك في حاجة إلى ما نمتلكه، لتتوازن الكِفّتان. وردد هذا أيضًا اسم مثل سيد قطب، وحتى مفكر أقرب زمنيًّا إلينا مثل عبد الوهاب المسيري في مقابلته بين المجتمَعَين التعاقدي والتراحمي.

ومن تجليات إجابة المشايخ ما كان أكثر طرافة ببلوغه حد التطبيق الحرفي! فأطّر حسن البنا الإجابة في تنظيم، طامحًا إلى إنزالها على أرض الواقع. وانعكس ذلك بشعار جماعة الإخوان الشهير “الإسلام هو الحل”. ثم كان مشروع “الإعجاز العلمي للقرآن” الذي انطلق أول مرة تحت رعاية الدولة في ثمانينات القرن الماضي! وإن كان كل هذا السخف لم يستهدف أبعد من معالجة نزيف الكبرياء القومية.

إجمالاً، صوَّر حوار المشايخ مع نابليون ما يسميه المسرحيون “لحظة التنبؤ” أو “التلميح”، وهي لحظة تختزل المستقبل -داخل العمل المسرحي- في جملة أو مشهد ليُعرض بعدها تفصيلاً، فجاءت إجابة محمد عبده رائد التنوير الأبرز متماهية مع رد المشايخ على بونابرت ممثل التنوير، بأن جعل التراث قبلته، ولا مأخذ عليه، في ما سجله حوراني، من طموح إلى لعب دور مارتن لوثر، لخلفية عبده الدينية، إلا أن الانحراف أكده غالب مفكري الحداثة. فرغم خلفياتهم العلمانية، لم يبصروا غير الباب الذي تركه عبده مفتوحًا خلفه، وكانت النتيجة الماثلة أن لا تراثَ تجاوزنا، ولا حداثة أدركنا.

 

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى