ثقافة وفن

أيقونة لا تذهب إلى”Gym”.. لماذا نحب “عشري” ونسخر من بلطجية “الفورمة”؟

حين عُرِض فيلم “إبراهيم الأبيض” عام 2009، تسبب في صدمة صاعقة للكود الأخلاقي القابع على صدر الطبقة الوسطى، وهو الكود الذي إفرز موجة “السينما النظيفة” التي هيمنت على العقد الأول من الألفية الثالثة بكامله.

في هذا العقد كانت الشوارع مشحونة بغضب مجهول، لذا، لم يكن الوقت مناسبًا لصناع الرأي وأصحاب الطموحات الكبرى من المُسيّسين الجدد أن يشاهدوا فيلمًا يتمركز حول العنف والدموية المفرطة، والتعبير الفج عن واقع غامض يكمن تحت أقدامهم دون أن يفهموه.

ظل الفيلم على هامش الذاكرة الفنية حتى استعاده الجمهور مؤخرًا بحفاوة لافتة، وإن تمحوّر المُستعاد منه حول أداء الراحل محمود عبد العزيز في دور “عبد المللك زرزور”، وأحمد السقا في دور “إبراهيم الأبيض” ومن ورائهم تأتي هند صبري في دور “حورية”.

منذ استعادته تلك والفيلم يظهر ويختفي وفقًا لـ”الميم” المستوحى منه للاشتباك مع “تريندٍ” ما، أو مع شعور شخصي يتطلب السخرية.

وراء كل هذه الطبقات التي كوّنت الفيلم والانطباعات المُشكَّلة حوله، سواء وقت صناعته أو عرضه أو مشاهدته في سياقاتٍ لاحقة، كان “عشري” يقف بعيدًا، ينظر إلينا من هامش شديد الجانبية، كشخصية تستقل بذاتها، وتنفلت من تشابكات الفيلم وتقاطعاته، وتنفلت حتى من موقعها من العالم الذي تعيش فيه، أو بتعبير أدق تنفلت من “الحضور المركزي”، وتلك أداة رئيسية للشخصية السينمائية، كي تظل باقية.

باستثناء “عبد الملك زرزور” انزوت الشخصيات الرئيسية في الفيلم في المناطق المعتمة من الذاكرة تدريجيًا لصالح شخصية “عشري” الأكثر هامشية.

عمرو واكد في دور عشري
عمرو واكد في دور عشري

دون عضلات أو “أفورة”

اتخذت شخصية “البلطجي” حيزًا مهمًا في السنوات الأخيرة في السينما والدراما التليفزيونية، نموذج بلطجي الحارة كبطل مخلّص أو كمجرم مذنب، يظهر وهو يحاول أن يستقطب تفصيلاته من قلب المساحة الواقعية التي يشتبك معها دراميًا، لكن بدلًا من ذلك التتبّع الضروري لخلق شخصيات ذات حضور مقنع وحقيقي، تأثّر نموذج “البلطجي” بسمات البطولة المطلقة المنفصلة عن الواقع كليًا.

خلال مسحة زمنية سريعة منذ ميلاد “عشري” في 2009 وحتى الآن، توضّح هذه المرحلة أن كل محاولات تجسيد “البلطجي”، كامتداد للصورة الكبرى والمركبة للبطولة الشعبية، بائت بفشلٍ ذريع وطواها النسيان سريعًا، لأنها كانت تبحث عن صورة مطلقة لنموذج هو على النقيض تمامًا من أي بطولة مفترضة. فشخصية “البلطجي” كي تشغل دور أساسيًا في العمل السينمائي أو التليفيزيوني، لابد لها أن تقطع تذكرة الإقناع وإعطاء انطباع بالواقعية لدى المشاهد.

عمرو سعد ومصطفى شعبان في مسلسل ملوك الجدعنة
عمرو سعد ومصطفى شعبان في مسلسل ملوك الجدعنة

في الموسم الرمضاني الحالي 2021، ظهرت 3 نماذج لهذه الصورة في مسلسلي: “ملوك الجدعنة” و”اللي ملوش كبير”.

في “ملوك الجدعنة”، يتشارك “أحمد عبد القارد سريّة” (عمرو سعد) و”أحمد عبد الظاهر سفينة” (مصطفى شعبان) تكوينة بطولية ذات فحولة، نماذج منمّقة بهيئة جسدية كأنها مصممة على الفوتوشوب.

وقد باتت من الضروري أن يذهب البطل إلى الـ”gym”، وأن يصنع “فورمة”، وهي شيء أصبح إنجازًا فرديًا للممثل، كمحاكاة للخيال الذكوري الذي يضع قالبًا ثابتًا للشكل الذي لابد أن يظهر عليه الجسد كي يكسب علامة الجودة.

إن كانت طفولتك عزيزي القاريء في منطقة شعبية، أو تحققت لديك فرصة للاشتباك مع هذه المناطق، هل تتذكر نحافة بائعي المخدرات؟ أو “البلطجي” ضئيل الحجم وضعيف البنية، الذي يخشاه الجميع؟ هذا الواقع الذي نتقاطع معه يوميًا هو النقيض التام تلك القوالب الجاهزة.

فالانطباع الأولي عن أبطال “ملوك الجدعنة”، يضع “سفينة” و”سرية” في مساحة الشخصيات البهلوانية التي لا تضيف للمسار الدرامي شيئًا، بعيدًا عن أن الطبيعة الأولية لحكاية المسلسل تعطي احتمالًا بأنها حكاية مقبولة، إلا أن المسار الأساسي، الذي ينطلق منه “سفينة” و”سرية: ويعودان إليه، هو محاولة استقطاب السمات الرسمية “للدكرنة” المحلية.

فالبناء الجسماني لابد أن يكون مضبوطًا على المسطرة الذكورية، بعد ذلك نبدأ في سلسلة التركيبات الدرامية التي تضع الشخصية في المركز، “سرية” يحب ابنة تاجر العطارة في الحارة “ياسمين رئيس” ويحاول الانتصار على ظروفه المادية السيئة، و”سفينة” متعلّق بأخته وابنتها ودائم الدفاع عنها والهجوم على زوجها الذي يعتدي عليها من وقت لآخر.

كل شخصية مربوطة برباط عاطفي يحقق لها مزيدًا من “ذكورة مفارقة للطبيعة القهرية التي تُمارس على هذه النماذج في الحياة الواقعة”.

بالنظر إلى نموذج “عشري”، وبالتباين مع “سرية” و”سفينة” كنماذج أكثر حداثة على المستوى الزمني البحت، لا زالت هناك مساحة شاسعة للتعاطف مع “عشري” أو إمكانية تفّهمه كتجربة واقعية، كشخصية لديها نواقصها الخاصة، والتي بشكل ما تتشابه مع نواقصنا في الحياة، لم يكن “عشري” طوال فيلم “إبراهيم الأبيض” محط اهتمام لأنثى من الناحية العاطفية، فقط على علاقة جانبية قائمة على الاهتمام الجنسي ليس أكثر، ومع ذلك، لازلنا نتذكر “عشري” ونتناوله ونصنع عنه “ميمز”، ونكتب عنه حتى اللحظة.

هيئة “عشري” الجسمانية تستجيب لفكرة الحرية التي دائمًا تميل إليها شخصية “البلطجي” في الواقع، فهي شخصية لا تضع مثالية الجسد ضمن جدول الثوابت الضرورية، بل بالعكس يجد “البلطجي” سعادته في ضرب أصحاب “الفورمة” المنسجمين مع قوالب الذكورة المفروضة من قِبل الشاشة.

يعود ذلك لأن طبيعة الحياة في المناطق الشعبية ترفض التخيلات الحداثية عن الجسد، والتي أفرزت كتالوج صناعة الذكر المقبول اجتماعيًا، وعاطفيًا أيضًا.

أحمد العوضي في مسلسل اللي ملوش كبير
أحمد العوضي في مسلسل اللي ملوش كبير

في مسلسل “اللي مالوش كبير” بطولة أحمد العوضي وياسمين عبد العزيز، يظهر العوضي بثوب فحولي وذكوري جديد كغطاء جيد يضمن له البقاء في مهنة التمثيل.

فحولة قائمة على جسد يضمن أن يندرج مبدئيًا ضمن إطار “الدكرنة الدرامية” التي لها معاييرها الثابتة حاليًا، لكن المثير أن المركز الذي يحوم حوله نموذج العوضي، هو نموذج “الفحولة الخطابية”: لسان طليق يطفح جمل ليس لها معنى ولا فائدة، سوى أنها تتناسب مع صورة دعائية للمسلسل، مثل جملة “على الله حكاياتك يا ست” المنزوعة من أي سياق درامي أو لُغوي حتى، وهو شيء يتناقض تمامًا مع طابع “البلطجي” في الشارع، الذي يعتبر الإكثار من الكلام دليلًا على الضعف.

هناك مشكلة حقيقية في كتابة نموذج “البلطجي” في موسم رمضان الحالي، والتي تكمن في التسيّد الذي تمارسه هذه الشخصيات، فجميعها نماذج أكبر من الأزمة مهما احتدّت، جديرة بالتصرف الشهم والنبيل مهما دفعتها الأزمات إلى المفارقة والاختيار المصيري، شخصيات ذات سيادة على عالمها، تنظر له دائمًا من أعلى، حتى وإن كانت مُفقرة وجاهلة وقليلة الحيلة عمليًا بالنسبة لعالمها الواقعي التي تدعي تمثيله.

من هنا، يمكن النظر إلى “عشري” كنموذج مغاير، موجود بأدوات إبداعية مختلفة ، وبعيدة عن الأدوات التقليدية التي تتكون بها أشكال البطولة، ولا تعتبِر تلك الأدوات ضرورية لاكتساب قيمة مجتمعية.

نماذج البلطجي/البطل الباهتة، يتلقفها النسيان سريعًا، لأنها  لا تشتبك مع الواقع، بل مع ما يتم تصديره رسميًا كقوالب جاهزة للذكورة يتم صب “أبناء البلد الجدعان” أصحاب “الفورمة” التي تنضح بـ”التستوستيرون” وبحِكَم “التكاتك” فيها، فيما تظل شخصية “عشري” وحيدة فوق القمة، وعصية على الاستنساخ كصورة أيقونية لـ”بلطجي” قفز من منطقة شعبية إلى الشاشة رأسًا.

 بطل من وراء حجاب

عمرو واكد في دور عشري
عمرو واكد في دور عشري

يصعب على ممثل مهما كانت مهارته الأدائية، أن يضيف أي ثقل سينمائي إلى شخصية مكتوبة كتابة رديئة لا تتماهي مع عالمها الذي تشتبك معه، لذا تقوم الجودة الفنّية على جودة الكتابة قبل أي شيء.

وتعتمد جودة الكتابة في هذه المساحة على تملٌّك الشخصية لعالمها المستقل، وبالتالي يصبح للمثل قدرة على أن ينطلق من مساحة ضيِق التقديم إلى حيّز المهارة والحرفية في الأداء، مهارة خطْف انتباه المشاهد في لمحة، أعنى: المشاهد التي نتوقف عندها فجأة، مصدومين أو مندهشين من تدفق الانفعالات الشعورية.

وحده “عشري”، الذي أتى من خارج كل هذه السياقات، دون استقلالٍ في أساس بنيته الدرامية عن البطل الأول “إبراهيم الأبيض”، ودون أي مساحة تنفصل عن قوانين المكان المحلّي.

عقب مشهد المطاردة الافتتاحي في “إبراهيم الأبيض”، يُضيع “عشري” كيس الحشيش، عكس “إبراهيم”، المستهدف الأول، الذي حافظ على أمانة الشغل.

هنا، تظهر الخطوط العريضة لشخصية “عشري”: سرعة الفقد والتسبب في حدوث مشكلات، الصاحب بالجنب في شوارع مراهقتنا، حيث نحتفظ غالبًا بصديق الخيبة الطيب والمخلص.

اقرأ أيضًا.. كيف وصلنا إلى “نسل الأغراب”؟.. عن صعيد نسكنه ولا نعرفه

التباين الحاصل منذ أول الفيلم بين “عشري” و”إبراهيم”، يضع الأول في مساحة متأخرة حتى عن فكرة “التابع” لحساب زعامة “إبراهيم”، وهي زعامة مبّطنة بالتزام المحبة.

حينما يقرر “إبراهيم” أن يذهب ليستعيد كيس الحشيش المفقود من “عشري”، يلفظ الأخير جملته الأولى والفارقة، والمؤسسة لإخلاصه الساذج: “ماطول عمرنا كتف في كتف في أيتها مصلحة، إنشالله حتى لو رايحين جهنّم”.

حتى عند أزمة “عشري” الكبرى في الفيلم، حينما يتهجّم على “حورية”، صديقة “إبراهيم” والتي كانت تتلصص على غرفة صديقها الغائب، وتستغلّه لخيانة صديقه، فقط لأن “زرزور” يريد أن يُعلّم “إبراهيم” الأدب ويعيده إلى حضنه مرة أخرى.

الأزمة لم تنتج لأن “إبراهيم” متعلق بـ”حورية” منذ الطفولة، ولا لأن “عبد الملك زروزور” متعلق هو الآخر بالبنت نفسها منذ طفولتها وهي تكبر أمامه، كل هؤلاء لديهم سردياتهم الكبرى، ولديهم تركيباتهم الدرامية التي تصلح لصُنع عدة أحداث منطقية كعُقد درامية تنفجر الحكاية عندها لتجمّع نفسها مرة أخرى وينتهي الفيلم، لكن بطلي الفيلم لم يُفجِّرا الحبكة، بل تفجَّرت مع “عشري”، وبفعل الصدفة والسذاجة. سردية صغيرة هي منْ تفجر الأحداث كلها: “عشري” صاحب صاحبه، يتهجّم على حبيبة صديقه السابقة، فقط لأنه عاد من الشارع سكرانًا.

عند نهاية الفيلم، وحينما اكتمل المثلث الدرامي المحكم، المتمثل في “حورية” و”إبراهيم” و”عبد الملك زرزور”، مات “عشري” في خضم الأحداث وهو ينادي على صديقه، طرفه الوحيد في الحكاية، بينما بقية الأطراف معنيّة بالمسار المركزي للأحداث، “إبراهيم” ينتظر “حورية”، و”زرزور” ينتقم إنصافًا لحبّه، و”حورية” تقف عند مفارق الاختيار الذي لا مفرّ منه.

حضور “عشري” في الذاكرة الجماعية رغم إنزواء حيّزه الدرامي يعود إلى كونه شخصية نبتت من داخل الهامش، شخصية منتقاة بعناية لتعبّر عن المنسي والمهمّش في كل شلّة أصدقاء.

“عشري” يشبه الصديق الذي يجلس على المقهى بين أصحابه، كل واحد منهم يتمركز حول نقطة تُعبر عنه ويعبّر عنها، أما هو فبطولته تكمن في تخلّيه عن البطولة نفسها.

نموذج يبدو كسردية صغرى تراوغ وتنلفت من المنافسة في سباق التطلّعات والسرديات الكبرى والمحاولات المستميتة في القبض على أكبر نصيب ممكن من الفرص التي تحوم في الأفق.

عشري يؤسس لمفاهيم حول البلطجة

“عشري” حكاية في سطرين وسط حكايات مركّبة، تنأى حتى عن التصنيف، تبدأ سريعًا وتنتهي سريعًا، لكنها جديرة بالبقاء في الذاكرة عن حكايات أخرى بمساحات أكبر وحضور أقوى، ربما لأن الشخوص تبقى بعيدًا عن مدى حضورها حينما تنطلق انفعالاتها من أصالةٍ ما.

اكتسبت كل شخصيات الفيلم، الرئيسية منه والثانوية، ثقلًا خلال اشتباكها مع التطور الدرامي للفيلم، انتقل “إبراهيم” من خفة الحب إلى ثقل الانتقام وكذلك “حورية”، بينما انتقل “عبد الملك زرزور”، من العقلانية القابضة على خيوط العالم إلى جنون الثأر والغيرة والمنافسة على حبيبة مشتركة.

على النقيض منهم جميعًا يقف “عشري”، يحقق طموحًا كبيرًا من طموحات الفئات المرابطة على تخوم الشرائح الدنيا التي ترغب في المجيء الدنيا ومغادرتها “خفيف خفيف”.

يبدأ “عشري” الفيلم بمانيفستو الحب الخالص للصديق، “كتف بكتف”، وينتهي بالهروب من كل الثنائيات، ويدافع دائمًا عن حضور مستقل، حتى لو لم تحققه له البنية الدرامية.

نجومية بدون الـ”ريد كاربت”

عمرو واكد في دور عشري
عمرو واكد في دور عشري

تتميز صناعة الميمز الآن بقدرتها على الانتقائية، واتضح أن “عشري” خير نموذج يمكن أن يتماهى مع متطلبات المادة الأولية لعمل “ميمز” لديه فرصة واسعة في الانتشار والاشتباك مع طبيعة المواضيع الجادة\الساخرة التي يتم تناولها.

بالطبع هنالك مساحة لشخصيات أخرى في فيلم “إبراهيم الأبيض”. “عبد الملك زرزور” مثلًا حاضر دائمًا في المميز الساخر، إلا أن حضوره ينحصر في كونه نموذج لديه خطاب خفيف الظل، لكنه مع ذلك شخصية ذات قدرة، لا تستطيع أن تشتبك مع متطلبات التعبير عن القهر والعجز وقلة الحيلة.

صناع المميز ومستهلكوه معنيّون أكثر بأزمات مجتمعية وفردية، تتعلق بطبيعة الافتقاد والحاجة، أكثر من تعلقها بالطموح إلى الحضور المركزي، لذلك يبدو “عشري” مناسبًا أكثر، كشخصية تتقبل طباعها السيئة والساذجة، وتتقبل حضورها المعاكس للكاتولوج النظامي لمركزة شخصية سينمائية ومحورة الحديث والكلام عنها.

عشري كمادة للسخرية من إعلانات رمضان 2021
عشري كمادة للسخرية من إعلانات رمضان 2021

إذن “عشري” نجم لكن من دون سجادة حمراء أو بطولة أو حتى تقدير وحفاوة جادة، خاصة وأن الأداة المركزية لإعادة قرائته من جديد بصورة إبداعية مغايرة هي أداة السخرية، سخرية لا تحاذر الوقوع في مقدّسات التجريح الشخصي أو تنطبح لتفحّش امتدادات الصوابية السياسية.

سخرية تقبل أن تجازف بقراءة شخصية إبداعية، من خلال أداة مثل “الميمز” لا تهتم أن تسمّي نفسها أصلًا بأي مسمى فنّي، هي فقط محاولة للضحك، تقرأ المشهد المحيط بها قراءة ناقدة مستترة، نتنقده وتنفذ إلى نواقصه وتضحك منها.

كل هذه المحاولات المتعلقة بدفع “عشري” من هامش المساحات الرسمية إلى مساحات لا تهتم بالمركز أو الهامش، لكن تهتم بأن ترى نفسها، وأن ترى نواقصها وحاجاتها الأساسية، كي يصبح اليوم عيْشًا حقيقيًا للحياة وليس مجرد خيبة إضافية، -هي محاولات أساسها السخرية.

فاللحظة الراهنة لم تعد تتحمّل ثقل سرديات كبرى مرة أخرى، مللنا أحداث كبيرة لأجل لا شيء، والآن، الوقت المناسب للبحث عن النماذج المختبئة في السينما، أو في أي مساحات فنّية معاصرة، كي نتماهى معها، وتعكس اختباءنا القهري من المواجهات المفتوحة، ونضحك عبرها من الأزمات التي تلاحقنا.

ميلاد “عشري” الدرامي في الفيلم، ومن ثم إعادة ميلاده في مساحات أوسع ينتمي إليها بقدر ما ينتمي إلى عالمه الشعبي، كل ذلك يتجه ناحية استنتاج أولي وبسيط، أن “عشري” بقدر ما استطاع أن يكون صاحب صاحبه عند “إبراهيم الأبيض”، فإنه يقبل بقدر مماثل أن يكون صاحب صاحبه عندنا جميعًا.

إسلام العزازي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى