ثقافة وفن

لماذا نحن هنا؟!.. سؤال عن جدوى الحرب في أفلام هوليوود

” سنذهب لمحاربة التطرف في بلاد الشرق الأوسط” ، ” سنذهب للقتال من أجل الحريات والديمقراطية”، “نضحى من أجل حرية الآخرين”.. عنواين أقرب لشعارات حملات انتخابية  ظلت سينما هوليوود تروج لها  في أفلام الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية خارج أراضيها. استفادت الإدارات الأميركية المختلفة بالطبع من هذه الدعاية خلال فترة زمنية طويلة ممتدة، بدأ الأمر بالطبع بأفلام الحرب العالمية الثانية، مرورًا بالأفلام الكثيرة التي كان محورها عبارة عن قصص لأبطال خاضوا حرب فيتنام، نهاية بالحروب الأخيرة للولايات المتحدة الأميركية في الخليج وأفغانستان والعراق.

بينما كانت هناك نوعية أخرى من الأفلام، قدمت شكلًا مغايرًا للنوع السابق ذكره، والتي ركزت على نقد الحروب الأميركية خارج أراضي الولايات المتحدة، والأخطاء العسكرية والسياسية التي ارتُكبت باسم «الحرب من أجل الديمقراطية»، كما قدم هذا النوع الثاني من الأفلام نقدًا لاذعًا للسياسيين والعسكريين الأميركيين الذي خاضوا حروبًا غير معروفة الهدف أو التكلفة.

في هذا التقرير، نرصد أبرز الأفلام التي ركزت على فكرتي «المخلِّص» و«التورط في مستنقع الحرب»؛ وسنركز بالأساس على الأفلام التي كان محورها الحرب الأمريكية في أفغانستان، والتي ستنقسم لنوعين: الأولى  حاولت تبييض حملات الحرب الأميركية، والبعض الآخر -وهي الأقل وفي كثير من الأحيان هي الأكثر جودة فنية- وجَّهت انتقادات لاذعة، ووضعت مشرط جراحة دقيق في وجه متخذي قرار الحرب.

مأخوذ عن قصة حقيقية

جملة ساحرة تتصدر كثيرًا من أفلام الحروب التي أنتجتها هوليوود في السنوات الأخيرة، هنا -حسب صانعي الفيلم- ستعرف جزءًا من الحقيقة الغائبة، وترى ملفات سرية أُفرج عنها، ورجالًا متورطين في جرائم لا يعرف أحد عنها شيئًا.

في الحديث عن الشأن الأفغاني والأحداث الأخيرة؛ استعرضت السينما الأميركية في عام 2007 سيناريو مطابقًا لحد كبير لما يحدث حاليًّا في أفغانستان، وذلك من خلال فيلم «حرب تشارلي ويلسون» الذي يعرض الحرب السرية التي أدارتها وكالة المخابرات الأميركية ضد الاتحاد السوفياتي في الثمانينات، وذلك بتدريب وتسليح المجاهدين الأفغان، والتي أنفقت فيها الولايات المتحدة أكثر من مليار دولار على مدار 8 سنوات، حتى نجحت في إخراج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان.

يسرد فيلم «تشارلي ويلسون» قصة سيدة المجتمع «جوانا هيرينج»، وهي سيدة مجتمع ثرية ومتدينة ومناهضة للشيوعية، ومؤيدة للتدخل الأميركي للإطاحة بالسوفيات في أفغانستان، وتقوم بدورها جوليا روبرتس، بالمشاركة مع «توم هانكس» الذي يقوم بدور عضو الكونغرس الأميركي «تشارلي».

توم هانكس في فيلم حرب تشارلي ويلسون
توم هانكس في فيلم حرب تشارلي ويلسون

في مناقشة تدور بين «جوانا» و«تشارلي» عقب إقامتهم علاقة حميمية، ترى «جوانا» أن تأييدها للحرب قادم من خوفها على الأمن القومي الأميركي، كما رأت أن رد فعل الولايات المتحدة تجاه الاجتياح السوفياتي لأفغانستان خجول جدًّا، بينما تحدث «تشارلي» بأن سبب دعمه للتدخل الأميركي في أفغانستان ضد السوفيات راجع لعدة أسباب: أحدها -حسب قوله-: «لأنك تبدين رائعة وأنت عارية»!

في هذا المشهد المكثف، ظهر كيف يمكن أن يُتخذ قرار مصيري، مثل الحرب، أو دعم دولة بعينها أمام دولة أخرى؛ ربما بسبب مجموعة قرارات تافهة؛ أو على الأقل غير مدروسة بالشكل الكافي.

يستعرض الفيلم بعد ذلك المشاهد التي توضح جرائم عدوان الاتحاد السوفياتي على الأفغان، وإيمان تشارلي بحق «الأفغان» في التخلص من الاحتلال السوفياتي، وبدء حياة جديدة، واكتشافه تلاعب بعض قادة بلاده بجدية الحرب، وهو ما يتشابه مع ما أشار إليه المفتش العام للجنة إعادة إعمار أفغانستان «جون سوبكو»، الذي فنَّد ادعاءات وأعمال بعض جنرالات قوات الجيش الأميركي حول الحرب الأفغانية – السوفياتية، وأسباب التدخل فيها.

تُظهر نهاية الفيلم صدمة عضو الكونغرس، عقب رفض اللجنة التي أنفقت مليار دولار على الحرب منحه مليون دولار لإعادة بناء أفغانستان؛ محاولًا إخبارهم بأن رفضهم ذاك يعني بالضرورة خلق مناخ خصب للإرهاب، فلم يلقَ أذنًا صاغية، وهو ما يتطابق أيضًا مع رؤية «سوبكو» حول تفضيل أميركا للمكاسب العسكرية على إعمار البلاد وحماية حقوق الإنسان.

وينتهي الفيلم بجملة على لسان البطل الحقيقي: «حدثت هذه الأشياء وكانت رائعة، وغيرت العالم، ثم أفسدنا المباراة».

توم هانكس وجوليا روبرتس في فيلم "حرب تشارلي ويلسون"
توم هانكس وجوليا روبرتس في فيلم “حرب تشارلي ويلسون”

 

على نفس النسق، لكن بفترة زمنية أسبق، كانت أفلام (رامبو) التي ظهرت قبل فيلم ( حرب تشارلي ويلسون) بعشر سنوات كاملة، وتحديدا في العام 1988، والتي ظهرت فيها السلسلة ذائعة الصيت للمثل الأمريكي، سيلفستر ستالون، حينها كان الفيلم تعبيرا قويا عن شكل المساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة للأفغان، حينما  “وجدت الإدارة الأمريكية في الحرب فرصة ممتازة يجب استثمارها لإنهاك الاتحاد السوفييتي، عدوها في الحرب الباردة. وكان الخطاب السياسي الرسمي وماكينات الإعلام الأمريكية اعتادت وقتها على وصف المسلحين الإسلاميين الأفغان بـ”مقاتلي الحرية”، وهو الوصف الذي تم تصديره بنجاح لباقي العالم”.

بوستر فيلم رامبو الجزء الثالث من إنتاج 1988
بوستر فيلم رامبو الجزء الثالث من إنتاج 1988

«المُخلِّص» 12 strong

يستعرض الفيلم رحلة الفرقة «595» إلى أفغانستان، عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وهي الرحلة التي كانت بقيادة «ميتش نيلسون» الذي قام بدوره «كريس هيمسوورث»، ولقاءهم بالقائد الأفغاني «عبد الرشيد دوستم»، الذي يقوم بدوره «نافيد نيغبان»، لمشاركته في القضاء على «طالبان»، في واحدة من أهم معاقلها «مزار شريف».

في البداية، يظهر واضحًا أن الانتقام هو دافع أفراد الفرقة، ومحركهم الأساسي في رحلتهم من الولايات المتحدة لكابل، وفي الدقيقة 42 يبدأ التمهيد لفكرة المُخلِّص، في مشهد تقف فيه 3 فتيات باكيات أمام زعيم «طالبان» في «بيشام» الذي يركل الكتب، مستجوبًا الصغيرات لمعرفة إذا ما كُنَّ يتعلمن خفيةً بالمخالفة لقواعد الجماعة؛ بينما تنتظر معلمتهم مصيرها جاثية على ركبتيها، وما إن يتأكد الرجل من تعلم البنات حتى يُطلق رصاصته على رأس المعلمة، موجهًا رسالة لأهل البلدة: «تعلمون القانون الإلهي الذي يمنع الفتاة من التعلم بعد سن الثامنة. تريدون معلمًا؟ ها قد تعلمتم»، وحينها يأتي الحوار النقيض بين القائد الأميركي الذي كان يعمل مدرسًا لمادة «التاريخ» قبل انضمامه للجيش؛ حيث يعبر عن رغبته في أن يقوم هو وجنوده بتخليص أفغانستان التي تتعرض للاجتياح والحكم من غزاة أو مستبدين محليين، بداية من جنكيز خان والإسكندر الأكبر، مرورًا بالإنجليز والسوفيات، حتى «طالبان».

أبطال فيلم (12 Strong )
أبطال فيلم (12 Strong )

ينتقل الفيلم لمشهد آخر معبر للغاية، وهو حديث لقائد الفرقة الأميركي مع القائد الأفغاني «عبد الرشيد دوستم»، الذي يعطي فيه الأول للقائد الأفغاني وعدًا بالفوز بالمعركة لأجله، بعدما أخبره أن وفاة كل واحد من رجاله بمثابة طعنة خنجر في القلب، يليها رد القائد على رسالة وزير الدفاع الأميركي «رامسفيلد»، والتي يقرأها قائد الفرقة على مسامع جنوده؛ حيث يتحدث رامسفيلد عن فرحة الأفغان بوصول القوات الأميركية، لتخلصهم من «طالبان».

«الكوميديا» سلاح الاتهام

لم تكتف هوليود بصناعة الأفلام الدرامية المستندة على قصص واقعية أو خيالية تأخذ الخط الدرامي التقليدي؛ بل أخذ بعضها المنحى الكوميدي، أو القالب الخفيف، وهنا يأتي فيلم «آلة الحرب» نموذجًا؛ حيث ينتقد السياسة الأميركية بشكل عام في تعاملها مع الحروب، متخذًا من أفغانستان مثالًا لذلك، وتدور أحداثه عقب 8 سنوات من الغزو الأميركي لبلاد الأفغان.

يطرح الفيلم الذي يقوم ببطولته «براد بيت» في دور «جلين ماكماهون»، فكرة عشوائية وجنون الحروب الأميركية الحديثة، التي تستبدل قائدًا عسكريًّا بآخر، في إحدى قواعدها العسكرية في أفغانستان، لتحقيق هدف غير حقيقي وغير مُحدد.

تنعكس حالة «اللامبالاة» المسيطرة على القادة على الجنود في القاعدة الموجودة في أفغانستان، وهو ما يأتي على لسان البطل: «قاعدة بأكملها تمارس المثلية الجنسية، وسكارى لا يستطيعون حتى الوقوف».

يخوض «جلين» رحلة شاقة في محاولة لطلب الدعم؛ حيث يلتقي بعدد من الساسة في مكتب السفير الأميركي؛ لكنه يعود بخفي حنين محبطًا، فقد كانت لديهم رسالة واحدة، وهي: «ألا يطلب مزيدًا من الجنود».

فيلم آلة الحرب بطولة براد بيت
فيلم آلة الحرب بطولة براد بيت

يصف الفيلم على لسان البطل طريقة اتخاذ القرار الخاصة بإدارة الحروب في واشنطن، موضحًا أن في الجيش الأميركي نوعين من القادة: أحدهما يتوهم النصر رغم إدراكه استحالة ذلك، والآخر يدرك العجز عن النصر، إلا أن النوع الأول هو من يتحكم في زمام الأمور. في النهاية يستسلم «جلين» للآلة الكبيرة التي تتخذ القرارات، وإدراكه أنه يخوض معركة خاسرة أمام مجتمع كبير يمتلئ بقادة أكبر منه قدرًا ونفوذًا؛ حيث يرغب في أن ينهي خدمته بأقل قدر ممكن من الخسائر، ونيل أكبر قدر ممكن من المكاسب، تعينه على الاستمرار فيما تبقى من أيامه بعد خروجه من الخدمة.

تُظهر الأحداث بشكل ساخر أيضًا سبب استمرار زراعة الأفيون في أفغانستان، رغم قدرة الحكومة الأفغانية على إقناع الفلاحين بزراعة القطن بديلًا عن نبات الخشخاش، بأن ذلك لن يكون في مصلحة أميركا، فهي لن تسمح بوجود منافس لها في السوق العالمية. كذلك يرمي إلى لامعقولية الطرح الأميركي الذي يعلن أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأميركية بقصد محاربة الإرهاب، وتكريس السلام بالاقتباس الآتي: «لا يمكنك كسب ثقة بلد من خلال غزوه. لا يمكنك بناء أمة تحت تهديد السلاح».

في الجزء الأخير من الفيلم، تأتي المعركة أخيرًا، والتي يخوضها جنود القاعدة الأميركية ضد قوات من حركة «طالبان»؛ لكن المعركة يقع ضحيتها مدنيون مسالمون، ليقدم بعدها أحد الجنود الأميركيين –معتذرًا- مبلغًا ماليًّا لرب أسرة فقد ابنه بالخطأ عن طريق النيران الأميركية.

ماذا نفعل هنا؟

سؤال يُطرح طوال الوقت على لسان أبطال فيلم «ريستريبو» الذي يوثق رحلة فرقة عسكرية إلى وادي كورينغال، بهدف تمكين الأهالي من إقامة طريق يربط الوادي بغيره من المناطق.

يستعرض الفيلم بواسطة كاميرا مراسل صحافي، لحظات مقتل بعض الجنود، وصدمة أصدقائهم، ومحاولة فهمهم جدوى وجودهم في تلك البلاد البعيدة، بينما يطلقون اسم زميلهم «ريستريبو» على القاعدة التي أقاموها فوق الجبل. تستمر الفرقة في قتال جنود من حركة «طالبان» التي تعيق إقامة مشروع ربط الطرق بعضها ببعض، ويجتمع قائد الجنود بكبار أهالي المنطقة مرة أسبوعيًّا لمناقشة أمورهم، فيرد أحدهم قائلًا:

«لقد قتلتَ الأعداء وهذا جيد؛ لكن ما يقلقنا هو قتل الأشخاص المسالمين على أرضهم».

إقرأ أيضا: إتمام الانسحاب الأمريكي… خيارات بايدن في أفغانستان

رانيا حلمي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى