وجهات نظر

لماذا نسخر من محمد حسين يعقوب؟

محمد السيد الطناوي

الظاهر أن موجة الكراهية والسخرية من محمد حسين يعقوب كانت بسبب كذب وتدليس مارسه الرجل عيانا تحت القسم وأمام الكاميرات، فالداعية الذي حاصر الناس بفتاويه المتشددة والغرائبية عقودا أصبح أمام القاضي ليس أهلا للفُتيا لأنه “من العباد لا العلماء”، أما الشباب المتهمون في القضية فخطّأ يعقوب ـ في شهادته ـ تصورهم، أن الشريعة غير مطبقة، على خلاف ما يعتقد بالطبع.

هذا الظاهر يخفي أسبابا أعمق للغضب والحقد، فما مارسه يعقوب وزملاؤه (أمثال حسان والحويني) من عنف رمزي ألحق ضررا بالغا بالكثيرين، وإن تفاوتت درجاته فبلغت أقصاها مع الشباب المتهمين في القضية، ولعلهم بعد مشاهدة الداعية السلفي وهو يفند ما سمعوه منه مرارا وتكرارا أدركوا مدى جناية الرجل وأمثاله عليهم، لكن هناك حتى اليوم من لم يدرك فداحة عنف مارسه ضده مشايخ السلفيين، بما امتلكوه من سلطة معنوية مصدرها الدين، فالعنف الرمزي “عنف خفي غير مرئي، مجهول من قبل ممارسيه وضحاياه في آن واحد”، كذلك غير معترف به من المجتمع.

وفي حين يتجلى العنف المادي، المعترف به، في هيئة تفجيرات وإطلاق للنيران مثلا، يجاهر العنف الرمزي بممارساته في أشكال ثقافية وقيمية ووجدانية وأخلاقية، وبينما تتجسد أدوات الأول في القنبلة والمدفع والسلاح الناري يستعمل الثاني اللغة والإشارات والدلالات والمعاني والصورة.

وعلى خلاف ضحايا العنف المادي، فإن ضحية نظيره الرمزي لا يتخذ أي رد فعل تجاه من مارس العنف، فضيق واسعا، ونزع عن الضحية حريتها، وأوردها العسر وربما المهالك؛ فمن يمارسون هذا العنف يولدون لدى ضحياهم شعور النقص والدونية وعدم الاستحقاق من خلال نسق من المعايير يجعل الضحايا أسرى إحساس افتقار الجدارة والأهلية للتفكير خارج الإطار المرسوم.

إذا كان من الساخرين والحاقدين على الداعية من شمله هذا المعنى، فهناك فئة أخرى لم تخضع يوما إلى السلطان المعنوي لأولئك المشايخ، حركها شعور أن هذا التيار يهدد المستقبل مثلما تسبب في نكبة الماضي وعثرة الحاضر بانغلاقه داخل إطار محدود مع سده منافذ الشك وإغلاقه أبواب النقد وقطعه طرق الحرية، لتعيش مجتمعاتنا في حالة متصلة من الاضطراب أو الطوارئ الدائمة.


اقرأ أيضا: محمد حسين يعقوب..تحولات داعية مثير للجدل


يتضامن مع هذا الشعور إحساس بالخوف من “الوحش المزعج” الذي استمد منه يعقوب القوة حتى الأمس القريب، فخرج على الفضائيات (2012) مقررا أن الدستور “كفر وشرك ومخالف للشرع وإلحاد بل ويعد طاغوتا”.

اعتمد محمد حسين يعقوب يومها على دعم الأغلبية، التي تبدل حالها فعبر الحويني عن الحال الجديد حينما كتب داعما يعقوب بعد حملة السخرية منه “.. فما بالك برجل غريب بين أهله، لا يكاد يجد منهم موافقا.. فليت شعري أي غربة يعيشها الدين وأهله في هذا الزمان”.

اختفت الحشود، تلك القوة الوهمية، مثلما وصفها كيركجور، فأرجع زيفها إلى أنه لا رأي لها، لأنها تتبنى على الفور رأي الأقلية إذا تبينت قوتها، لتبقى المواقف، يوم قال يعقوب “هذا الدستور دستورهم والقوانين قوانينهم.. أما نحن أهل الديانة، أهل التوحيد، فلا يحكمنا دستور به شرك، به كفر، بل يعد طاغوتا”، ثم جاء اليوم الذي يقف أمام قاض يحكم بالدستور والقانون “الكفري” – في نظره- معترفا بشرعيته ومدينا الشباب الذين لزموا حديثه الأول، مستحقا عن جدارة هذا الكم من الكوميكس الساخرة، فكما أفاد الفيلسوف الدنماركي حيث يوجد التناقض، يكون الضحك والسخرية حاضرين، والرجل على الحقيقة لا يستحق من الكل أبعد من ذلك.

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى