لماذا نعيش؟

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

لعل المشهد الأكثر قوة في رواية (الطاعون) هو مشهد الطفل الصغير الذي ظلَّ يصارع مخالب الموت الشرسة في ظروف مأساوية مروعة، كان تصوير “ألبير كامو” للمشهد مذهلًا وشاملًا لأدق التفاصيل، وقد استغرق صفحات طويلة من الرواية، استطاع فيها أنّ يلامس نبرات الألم والصراخ والأنين بدقة لا متناهية، وصولًا إلى حرقة السؤال الأشدّ إيلامًا، ما الذي يبرر هذه المأساة؟ بحيث تبدو الإجابة الأكثر صدقًا هي إجابة “كامو” نفسه: لا تحمل المأساة أي معنى لأنّها من صميم الحياة التي بدورها لا تحمل أي معنى، تلك هي الحقيقة الوجوديّة كما عرّاها صراخ ذلك الطفل المحتضر، وهناك فكرة أساسية، إنّ كانت مشاهد مآسي الأطفال لا تُحتمل فلأنّها لا تقبل أي تبرير.

تلك أيضًا هي اللحظة التي غيّر فيها الراهب- داخل الرواية- موقفه الديني، وانتقل من خطاب يبرر الطاعون باعتباره عقابًا للأشرار الذين عليهم التوبة عن الأخطاء، وامتحانًا للأخيار الذين عليهم الصبر على الابتلاء، إلى خطاب الخيبة الخَلاَّقة على طريقة “لوكريتيوس”، “فولتير”، و”شوبنهاور”، وعلى طريقة فلاسفة الخيبة كافةً؛ حيث لا شيء يبرر المأساة، طالما أنّها لا تمثل أي عقاب أو امتحان أو رهان، ولا تحمل أي معنى من المعاني المتعاليّة أو الغائيّة أو الماورائيّة.

أمّا الوجه الخَلاَّق للخيبة فيتجلى في أننا نصبح أكثر رفضًا للمأساة حين ندرك أنّها مجرد عبث بلا معنى، لذلك أيضًا تُمثل الخيبة أرضيةً صلبةً لقيم التسامح، والرحمة، والتعاطف والمحبة، وبالتالي سيكون فلاسفة الخيبة في التاريخ هم أيضا فلاسفة التسامح والرحمة والتعاطف والمحبة.

ما الخيبة إذاً؟

الخيبة من وجهة نظر الفلسفة تعني ما يلي:

لا يجب انتظار أنّ تنتهي الأمور على نحو جيد كما تبشرنا الأيديولوجيات الخلاصية، طالما لا تأتي الوقائع وفق التوقعات، ولا تأتي المآلات وفق الآمال، وقد لا يوجد في نهاية النفق ضوء بالضرورة، ذلك أنّ قانون الأحداث لا يقوم في الواقع سوى على مبادئ اللا توقع، عدم اليقين، وانعدام الأمان، وبالتالي خليق برهاناتنا أنّ تكون مرنة وحذرة إلى أبعد الحدود الممكنة، لكن المؤكد أيضًا أننا نعيش أولًا، وأننا نعيش مؤقتًا ثانيًّا؛ لذلك يعتبر “لوك فيري” أنَّ الفلسفة هي محاولة للإجابة عن السؤال التالي: ما الذي تعنيه حياة جيدة بالنسبة للفانين؟

ذلك التعريف بقدر ما هو دقيق فهو عام أيضا: دقيق؛ لأنَّ عدم تقبل الإنسان لفنائه قد يحرمه من الحياة الجيدة، وهذا صحيح في كل الأحوال؛ وعام كذلك لأنَّ الأمر يتعلق بسؤال مفتوح، ولكل فيلسوف طريقته في الإجابة عنه؛ لكن من حسن حظنا أنّ العقل المركب يمنحنا إمكانية اختزال إجابات الفلاسفة كافة في عبارة واحدة وواضحة، هي على النحو التالي:

حياة جيدة هي حياة يكون فيها المرء قادرًا على الحياة.

ذلك أن الحياة الجيدة– لكي أشرح- لا تعني رغد العيش، بل تعني القدرة على الاستمتاع بالحياة حسب “أبيقور”، والقدرة على تحقيق النمو حسب “سبينوزا”، والقدرة على العيش بكثافة وعنفوان، حسب “نيتشه”.. إلخ، غير أنَّ المتعة الأبيقورية هي القدرة أيضًا على الاستمتاع بالقليل والبسيط، وأنّ النمو السبينوزي هو القدرة أيضًا على النمو ببطء وهدوء، وأنّ العنفوان النيتشوي هو القدرة أيضًا على الصبر والتحمل، وبالجملة، يتمثل المعنى الحقيقي للقدرة في القدرة على التحكم في القدرة، حتى لا تتعرض للاستنزاف هنا بالذات يكمن معنى القدرة على الحياة. 

ما هي العناصر التي تُنمي القدرة على الحياة؟ وما هي العناصر التي تشلّ قدرة الإنسان على الحياة؟ حول هذين السؤالين تتمحور فلسفات العيش في بعديها الأساسيين:

أولًا البُعد النقدي من حيث تفكيك وتقويض المفاهيم والقيم التي تُنمي دوافع الخوف والخمول والتقليد والتواكل والكراهية والتشفي والغيرة.. إلخ، وبالتالي تهدد القدرة على الحياة.

ثانيًّا البُعد العلاجي، من حيث العمل على تحرير الفرد والمجتمع والحضارة من سطوة تلك الدوافع التي تقود إلى انحطاط الفرد والحضارة، وذلك عبر تمارين عملية وأنشطة تطبيقية؛ لأجل ترويض العقل والوجدان.

معرفة الداء نصف الدواء كما يُقال؛ لذلك انطلاقًا من تاريخ الفلسفة بوسعي أنّ أرسم خطاطة مختصرة لمُعيقات القدرة على الحياة، على النحو التالي:

الجهل حسب “سقراط”، الخوف حسب “الأبيقورية”، التذمر حسب “الرواقية”، الأهواء الحزينة حسب “سبينوزا”، الاستلاب حسب “ماركس”، غرائز الانحطاط حسب “نيتشه”، دوافع الموت حسب “فرويد”، الوجود الزائف حسب “هيدجر”، نمط التملك حسب “إريك فروم”، وهكذا دواليك إجمالًا، حياة جيدة تعني حكامةً جيدةً للذات المُعرضة على الدوام للوهم، والألم، والمرض، والملل، والشقاء، والفناء، وهي بعد ذلك، غالبًا ما تلوذ إلى ما يسميه شوبنهاور بالعزاءات الكاذبة.

ينبغي أنّ يكون هناك توازن بين الرغبة والقدرة، ذلك أنّ المصدر الأساسي للشقاء هو اختلال التوازن بينهما، بحيث قد نكون أحيانًا غير راغبين في أي شيء، وقد نكون أحيانًا أخرى راغبين في ما لا نقدر عليه، مثال أول: أحيانًا قد نكون غير راغبين في الأكل رغم شعورنا بالجوع، ولعل السبب خوف عميق؛ وأحيانًا أخرى قد نكون راغبين في الأكل بحيث نطلبه، لكن دون أنّ نمتلك الشهية الكافية لتناوله، فنُعبر عن ذلك بعبارات من قبيل، “أرغب في الأكل لكني غير قادر على ابتلاع أي لقمة”، بحيث يمثل طلب الطعام نوعًا من الرغبة، وتمثل شهية الأكل نوعًا من القدرة، ولعل السبب حزن عميق، مثال ثان: قد تتخطى رغبتنا الجنسية قدرتنا الجنسية بفارق كبير، فنشعر بذلك التوتر الذي يعدُّ مصدرًا أساسيًّا لظاهرة تعنيف بعض الأزواج لزوجاتهم، باعتبار ذلك نوعًا من التفريغ؛ لكن إنّ كان اختلال التوازن بين الرغبة والقدرة في المجال الجنسي قد يُسبب الشقاء في الحياة الجنسية، فإن اختلال التوازن بين الرغبة والقدرة في مجال العيش عمومًا قد يُسبب الشقاء في الحياة كلها.

لذلك- وهذا ما يعرفه حكماء الديانات والفلسفات الشرقية- حين تضمر القدرة على الحياة في الأيام الأخيرة من العمر يجب أنّ تضمر معها الرغبة في الحياة أيضًا، وذلك لأجل احتضار آمن.

عمومًا أتموقع الآن في المرحلة العمرية التي تسمح لي باستنتاج مقارنة أساسيّة:

باستثناء مرحلة الطفولة، يصعب أنّ يجد الإنسان فترة يتحقق فيها بسهولة ذلك التوازن المطلوب بين الرغبة في الحياة، والقدرة على الحياة: في فترة الشباب تدخل الرغبة في الحياة في حالة كمون جراء الخوف من المستقبل، والذي يندرج ضمن الخوف من المجهولات؛ وفي فترة الشيخوخة قد تُستنزف القدرة على الحياة بفعل الحنين إلى الماضي، والذي يندرج ضمن الحزن على المفقودات.

مثلًا: هل من الممكن أنّ نلعب هذه اللعبة المُسلية؟ إذا طرحت السؤال على شخص يشعر بخوف شديد فسيكون رده على الأرجح من قبيل، “ممكن لكن ليس الآن”، وإذا طرحته على شخص يشعر بحزن شديد فسيكون رده على الأرجح من قبيل، “وددت ذلك لكني لا أستطيع”، بالنسبة للخائف فإنّ الرغبة في الاستمتاع بالحياة قد تصاب بالكمون، وبالنسبة للحزين فإن القدرة على الاستمتاع بالحياة قد تصاب بالاستنزاف.

دخول الرغبة في الحياة في طور الكمون لدى المراهقين، هو ما يفسر ظاهرة الانتحار في صفوفهم، كما يفسر سرعة تأثرهم بالخطابات العدميّة التي تبخس الحياة طالما رغبتهم في الحياة واهنة، مقابل التعلق بحياة أخرى متخيلة أو ما ورائية موعودة طالما رغبتهم في الحياة كامنة، وبهذا النحو يصبحون صيدًا سهلًا لـ”بائعي الآخرة”، والذين قد يجعلون منهم قنابل انتحارية.

مع بلوغ المراحل الأولى للشيخوخة يبدأ الإنسان في استعادة رغبته في الحياة، طالما التوتر الناجم عن الخوف من المستقبل يكون قد تراجع أو زال، وهو ما يفسر حرصه الشديد في تلك المرحلة على مسائل الحميّة، والنظافة، والمراقبة الطبية، والزيارة المتكررة للطبيب، وحتى الاستعمال المفرط للأدوية في بعض الأحيان.

إنَّ حرص الآباء والأمهات في مرحلة الشيخوخة على الحياة، هو التحول الذي قد لا يتفهمه الأبناء الذين يكونون في شبابهم أقل حرصًا على الحياة، وعندما يأتي أوان الأبناء للتفهم فغالبًا ما يكون الشيوخ قد رحلوا أو بلغ العظم وهنه الأخير، فلا تبقى سوى مشاعر الذنب والأسى، التي تندرج كما نعلم ضمن أمراض الروح، ولعلها تدمر آخر ما قد يتبقّى من قدرة الإنسان على الحياة.

لذلك كله، علينا أنّ نظلّ منتبهين بكل حواسنا إلى الحياة في أدق تفاصيلها اليومية؛ فإنّها لا تكلمنا إلا من خلال الكلمات البسيطة، والأشياء البسيطة، والأشخاص البسطاء، وإننا لا نعيش الحياة إلا لكي نتعلم الحياة.

السؤال نفسه، لماذا؟

إننا نوجد على سطح مياه عميقة، مؤكد أننا لا نعرف لماذا؟ لكننا نواصل السباحة لكي لا نغرق، وهذا كل ما نعرفه، غير أنّ هناك من يسبح بأسلوب مضطرب يجعله يواصل السباحة بمشقة وعناء، وهناك من يسبح بأسلوب هادئ يجعله يواصل السباحة بسهولة وارتياح، وهناك أيضًا من يسبح بمهارةٍ عاليةٍ تجعله يواصل السباحة ببهجة واستمتاع، وفي سبيل ذلك فهو حريص على تحسين مهارة السباحة، على الدوام، وما دام أنّه يسبح.

لا نعرف لماذا نعيش؟ لكننا نعرف أننا لكي نعيش بأكبر قدر ممكن من الارتياح، يجب أنّ نعمل على تحسين قدرتنا على العيش، على الدوام، وما دمنا نعيش.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram